إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
في العتمة الخفيفة لمرسمٍ دافئ، تفوح منه رائحة الزيت المعتق والكتان وثينر التنظيف وعبق الألوان حيث تختلط ألوانه بين الشغف العارم والتردد المشوب بالحذر تقف لوحة بيضاء مشدودة على حاملها الخشبي، ليست مجرد قماش أبيض صامت أو ألياف قطنية ميتة هي مساحة مفتوحة على المجهول نقطة الانطلاق في رحلةٍ طويلة الشغف قد تنتهي بقطع السلسلة المخملية في أروقة «اللوفر» أو «تيت مودرن»، أو بسماع طرقة مطرقة حاسمة على خشب الأبنوس في صالة «كريستيز» أو «سوثبيز» لمزادات نيويورك ولندن.
لكن، كيف تخرج اللوحة من هذا الضوء الخافت المتسلل من نافذة المرسم لتتحول إلى وثيقة بصرية تتداولها الأجيال وتتسابق عليها المتاحف؟ إنها ليست قصة حظ سريع يتنزل على الفنان فجأة ولا هي ملحمة موهبة معزولة تعيش على الإلهام المجرد هي سيرة عبور ملحمية تتألف من فصول متماسكة تجمع بين فلسفة الفكرة، إستراتيجية التواجد وآليات الاقتصاد الثقافي المعقد.
الولادة في العتمة
تبدأ الملحمة دائماً في النقطة الأكثر ظلاماً وعزلة في سنوات البدايات الأولى التي يختبرها الرسام داخل جدران مرسمه المغلق، هنا يقف الفنان الشاب أمام المعضلة الأزلية للمهارة فالرسامون الذين يتقنون نقل الطبيعة بدقة فوتوغرافية أو محاكاة الوجوه أو تقليد المدارس الفنية الكلاسيكية يُعدون بالملايين حول العالم لكن الفنانين التشكيليين الذين يبتكرون «لغة بصرية» جديدة لا يكررون فيها أحداً هم القلائل الذين يكتبون أسماءهم بحروف من نور في ذاكرة الفن.
في هذه المرحلة التأسيسية لا يفكر الفنان الحقيقي في الشراء أو البيع ولا يشغل باله بما يطلبه السوق أو يتذوقه الزبون العابر الذي يبحث عن لوحة تجريدية تتناسق مع ألوان أثاث بيته، إنه يخوض معركة الوجود الأكبر، البحث عن البصمة أو الروح الفنية الخاص به وعن أسلوب يميزه ويصنع توقيعه واسمه.
يسبر أغوار ذاته يسكب أوجاعه موروثه وثقافته العربية بكل أبعادها التاريخية والإنسانية ولكن بأسلوب معاصر لا يكتفي باجترار الماضي أو استعادة الموتى، يدرب يده على حركة الفرشاة المعالجة اللونية وطريقة بناء الكادر حتى يصل إلى مرحلة تصبح فيها اللوحة معروفة لهويتها فوراً دون الحاجة لقراءة التوقيع القابع في الزاوية السفلى.
يدرك الفنان في هذه اللحظة أن العالم لا يبحث عن نسخة ثانية من «بيكاسو» أو «كاندينسكي» أو «ماتيس»، بل يتطلع بشغف إلى رؤية جديدة تأتي من الشرق، رؤية تحمل أسرار الضوء الرمز والبيئة المحلية وتُقدم بلغة بصرية عالمية يفهمها التوق الإنساني أينما كان.
وهنا يبدأ التشكل الفكري للمشروع فلا يكتفي الفنان برسم لوحات متفرقة يجمعها إطار واحد بالمصادفة إنما يتفرغ لبناء مجسم فني متماسك. يعمل عبر «سلاسل فنية» حيث تحفر كل سلسلة في عمق فكرة فلسفية أو اجتماعية واحدة وتفككها عبر عشرات اللوحات بضربات فرشاة واثقة ومعالجة مفهومية متفردة. هذا التماسك هو الذي يعطي الانطباع الأول للنقاد والقيمين الفنيين بأنهم لا يقفون أمام هاوٍ يلهو بالألوان إنما أمام صاحب مشروع فني يحمل قضية ورؤية صلبة الجذور.
المغامرة في المشهد المحلي
حين يكتمل النضج الأول داخل جدران المرسم تناديك اللوحة للخروج إلى العالم. تتسع الأحداث وتتحرك القصة نحو الفضاء العام حيث تتواجه اللوحة لأول مرة مع عيون الجمهور النقاد والمقتنين في المشهد المحلي والإقليمي.
ينظم الفنان معرّضه الفردي الأول في صالة عرض احترافية. لم يعد الأمر مجرد مشاركة شرفية في معرض جماعي يتوارى فيه العمل بين عشرات اللوحات المختلفة الاتجاهات، بل أصبح مواجهة ساطعة يرافقه فيها «بيان فني» مكتوب بدقة صريحة يفكك فلسفة التجربة ويشرح دوافعها المفهومية والتقنية.
في هذه المحطة الفاصلة يدخل شريك المسار الأهم: صاحب الجاليري الاحترافي. الجاليري الحقيقي ليس مجرد دكان لبيع اللوحات الجدارية، هو المؤسسة الثقافية والتجارية التي تؤمن بمشروع الفنان وتتبناه إستراتيجياً، يضع الجاليري خطة طويلة الأمد لتسويق اسم الفنان ويبدأ في دفع أعماله نحو المنصات الإقليمية الكبرى:
المشاركة في المعارض الفنية الدولية (Art Fairs) والترشح للعرض في البيناليات العربية والإقليمية المهمة (مثل بينالي الشارقة، بينالي الدرعية، بينالي القاهرة، وبينالي Venice كتمثيل وطني).
تتحول اللوحة هنا من مجرد عمل معروض على جدار إلى موضوع حي للحوار الثقافي. يلتفت إليها النقاد ومؤرخو الفن وتبدأ المجلات الثقافية والصحف المتخصصة في نشر مقالات تحليلية تفكك عناصر اللوحة وتغوص في بنيتها الجمالية والتاريخية، هذا النقد المكتوب هو الذي يعطي اللوحة «صك المشروعية الفنية» وينقلها من خانة المنتجات الاستهلاكية القابلة لتقلبات الذوق إلى خانة «الأصول الثقافية» المعترف بها.
حبر التاريخ
بينما تنمو تجربة الفنان وتتسع دائرة الراغبين في أعماله تطرأ تحولات هادئة وخفية خلف الكواليس تحولات لا يراها الجمهور العادي في قاعات العرض المضاءة لكنها تشكل الفارق الجوهري والحد الفاصل بين الفنان المحلي الذي ينتهي أثره ورحلته بوفاته وبين الفنان العالمي الذي يدخل سجلات الخلود.
يبدأ الفنان الاحترافي بالتعاون مع مرسمه أو الجاليري الممثل له في بناء أرشيف صارم وممنهج لكل قطعة فنية تخرج إلى العالم. لا مكان هنا للعشوائية أو الضياع كل لوحة تُمنح رقماً تسلسلياً خاصاً، وتُسجل مقاساتها، خامتها، سنة إنتاجها، وتُرفق بها شهادة أصالة موثقة وموقعة بخاتمه.
والأهم من هذا كله هو تتبع ما يُعرف بـ سجل الملكية:
من هو المقتني الأول الذي اشترى اللوحة من الجاليري؟
أين عُرضت هذه اللوحة؟ في أي المتاحف أو البيناليات أو المعارض الاستعادية؟
ما هي الكتب والكتالوجات والأبحاث الأكاديمية التي نشرت صورة اللوحة واستشهدت بها في تاريخ الفن؟
هذا الأرشيف الدقيق هو الحصن الذي يحمي العمل الفني من التزوير والتشكيك عبر العقود وهو السجل التاريخي الأكاديمي الذي سيفحصه خبراء المتاحف ودور المزادات العالمية بجهد وثبات بعد سنوات طويلة عندما يقررون ما إذا كانت هذه اللوحة تستحق أن تُدرج ضمن المجموعات الدائمة التي تؤرخ للقرن، أم مجرد لوحة عابرة في مجرى الزمان.
العبور إلى التاريخ
تصل الملحمة إلى نقطة التحول الكبرى النقطة التي يتغير فيها مسار الفنان من مجرد اسم معروف في السوق التجاري إلى علم حافر في تاريخ الفن الإنساني، يحدث هذا عندما يلتقي مسار الفنان بـ القيم الفني ذلك العقل الأكاديمي والفكري المبدع الذي ينسج معارض المتاحف ويدير سياسات الاقتناء للمجموعات الدائمة في المؤسسات الثقافية الكبرى.
يقف القيم الفني أمام اللوحة لا ليقيم جمالياتها السطحية أو ألوانها الباهرة بل ليقيس وزنها التاريخي وقدرتها على الشهادة على عصرها، هل تعبر هذه اللوحة عن التحولات الفكرية السياسية أو الاجتماعية لبيئتها؟ هل تضيف لبنة جديدة في تطور اللغة البصرية الإنسانية ولم تستنسخ ما قبلها؟
حين تكون الإجابة «نعم»، تبدأ الأبواب الثقيلة للمتاحف العالمية في الانفتاح:
إما عن طريق شراء مباشر وتصويت حاسم من قبل «لجنة الاقتناء» للمتحف.
أو عبر إهداء كريم من أحد كبار المقتنين المؤسسيين أو الرعاة الذين يمتلكون العمل ويقررون تخليده في مجموعات متحفية عامة لخصمها المالي أو لدعم الثقافة.
تُعلق اللوحة في القاعات الدائمة لمتحف كبير مثل «مركز بومبيدو»، «تيت مودرن»، أو «اللوفر أبوظبي»، وتحاط ببطاقة شارحة تفصل أبعادها الفلسفية والتاريخية، في هذه اللحظة تحديداً يتجاوز الفنان مفهوم الزمان والمكان والموت الفردي لم تعد لوحته ملكاً شخصياً له ولا هي مجرد سلعة تُباع وتُشترى في سوق تجاري، أصبحت جزءاً لا يتجزأ من التراث الإنساني الخالد المملوك لجميع البشر.
طرقة المطرقة
عندما تتجاوز شهرة الفنان آفاق السوق الأول وتصبح اللوحات التي أنتجها في فتراته الذهبية قليلة ونادرة مقارنة برغبة كبار المقتنين والمؤسسات وصناديق الاستثمار الفني في اقتنائها ينتقل المشهد بأسره إلى المرحلة الأخيرة: السوق الثانوي وتحديداً صالات المزادات العالمية الكبرى.
تكتظ قاعة المزاد في لندن أو نيويورك بجمهور عريض من كبار المقتنين مندوبي المتاحف العالمية ورجال الأعمال بينما تضيء خطوط الاتصال الهاتفي مع كبار المزايدين المحميين بأسماء مستعارة حول العالم، تُعرض اللوحة على شاشة الضوء الضخمة في القاعة ويقف مقدم المزاد ليروي قصة اللوحة وسيرتها الذاتية برتوش مسرحية: «اللوحة رقم 24، أُنتجت في الفترة الذهبية للفنان عُرضت في بينالي كذا عام 1995، وكانت ضمن مجموعة المقتني الفلاني ونُشرت في المونوغراف الشهير...».
يبدأ المزاد بالسعر التقديري الابتدائي ثم تشتعل المنافسة الشرسة، ترتفع الأيدي في القاعة وتتوالى النداءات الهاتفية السريعة من خلف الشاشات، يحبس الحاضرون أنفاسهم مع كل قفزة في السعر من مئات الآلاف إلى ملايين الدولارات.
ثم... تطرق المطرقة الثقيلة!
تُباع اللوحة برقم قياسي يستحوذ على عناوين الصحف الثقافية والاقتصادية حول العالم لكن هذا الرقم المادي الضخم ليس سوى القشرة الخارجية للنجاح إنه القيمة المادية للتتويج والتراكم الفكري الأكاديمي والتاريخي الذي بدأ قبل عقود طويلة بفرشاة بسيطة وألوان وفكرة صادقة داخل مرسم خافت الضوء.
أسطورة الفنان
لا تنتهي القصة بطرقة المطرقة في صالة المزادات لكنها تبدأ هنا مرحلة جديدة تماماً تُسمى المشروعية الأسطورية. في هذه المرحلة يتحول الفنان نفسه من كائن حي ينتج الفن إلى رمزيّة ثقافية تُدرَّس في الجامعات والمعاهد الفنية. تبدأ الدور النشر العالمية والمؤسسات الأكاديمية في إصدار المونوغرافات الضخمة التي تتناول مسيرته بالتحليل السيميائي والفلسفي ويُستدعى الفنان للمحاضرة في الأكاديميات الكبرى، هنا تكتمل الدائرة اللوحة التي بدأت كفكرة غامضة في رأس رسام شاب يصارع شكوكه في مرسمه الصغير أصبحت الآن جزءاً من الكانون الفني الذي يُشكل الذائقة البشرية وتلهم أجيالاً جديدة من الفنانين الشباب الذين سيقفون بدورهم أمام لوحاتهم البيضاء يبحثون عن بصمتهم الخاصة لتنطلق الملحمة من جديد.
الماراثون لا السباق السريع
إن رحلة اللوحة من عتمة المرسم إلى أروقة المتاحف والمزادات العالمية هي حكاية إيمان راسخ بالذات وتراكم واعٍ لا يتوقف لا يصنع هذا المسارَ البحثُ عن الثراء السريع أو الجري وراء صرعات الترندات العابرة على منصات التواصل الاجتماعي إنما يبنيه الصبر العمق المفاهيمي التوثيق الصارم والتمسك بالهوية الأصيلة.
إن الفنان العربي الذي يطمح للوصول إلى المتاحف والمزادات العالمية يحتاج إلى هذه المعادلة الذهبية: أن يظل بقلبه وفكره داخل المرسم يبحث عن الحقيقة والأصالة بلا تواكل وأن يحاط بعقل إستراتيجي خارجي يعرف كيف يدون اسمه بحروف لا تمحوها الأيام في كتاب تاريخ الفن العالمي.
** **
X: AL_KHAFAJII