عبدالعزيز صالح الصالح
كلما سنحت لي الفرصة المناسبة أن ألتقي مجموعة من الإخوة الأفاضل متعدِّدي الثَّقافة والعلوم والمهارات، فإن المرء في هذا الزمن بحاجة ماسَّة إلى تعدد الوجبات الثَّقافيَّة المتنوِّعة من روائع الفكر والأدب، إنها لمحات مضيئة يستطيع المتلقِّي أن يقتنص منها ما يريد ولا يستطيع تجاوزها، فهي تمنحه الفرصة للطواف في دائرة المعارف والعلوم وعلى جانب من معالم الفكر وهذا جهد لا يقلل من شأنه، فإن واضع نقاط هذا الحوار لم يثقل علينا فيعود بنا في هامشه إلى مراجعة ولم يلتزم نهجاً واحداً، وهذه صفة من صفات المتحاورين اليوم حتى في كتب بعض الأكاديميين تماشياً في ولوج الوعر في الزمن الوعر؛ لأن رقي الأمم والحضارات الخالدة قام الأدب على الفنون الإنسانيَّة.
بعد هذه المقدمة القصيرة سوف أتناول نقاشاً مثمراً دار بين الإخوة الأفاضل عن طول خطبة الجمعة، وقصرها، البعض يريد الإطالة، والبعض يريد الاقتصار، بين كافة الحضور، فقد أجاب أحد الحضور قائلاً من السُّنَّة النبوية أن تكون الجمعة قصيرة مستنداً إلى هذا الدليل: فقد قال عمار بن ياسر: سمعت نبي الأمَّة مُحمَّد بن عبدالله -صلوات الله وسلامه عليه- يقول (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة (علامة) من فقهه، فأطيلوا الصَّلاة واقصروا الخطبة) رواه مسلم.
وعن جابر بن سمرة قال: كنت أصلي مع النبي -صلى الله عليه وسلم- الصلوات فكانت صلاته قصداً، وخطبته قصداً.. وفي رواية أبي داود: (كانت صلاة النبي قصداً، وخطبته قصداً) يقرأ بآيات من القرآن، ويُذكر النَّاس).. وفي رواية أخرى له: (كان رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- لا يطيل الموعظة يوم الجمعة إنما هي كلمات يسيرات).
وعن عمار بن ياسر قال: (أمرنا نبي الأمَّة مُحمَّد بن عبدالله -صلوات الله وسلامه عليه- بإقصار الخطب). رواه أبو داود.
ومن خلال الاستقراء تبيَّن أن خطب الجمعة في العصر الأوَّل - فهو المصدر والأصل - كانت قصيرة غير طويلة، أيِّ أن (السُّنَّة) طبقت في خطبة الجمعة واتبعت، وأخذ بهذه الطريقة، حيث إن المتمسكين بالسُّنَّة النبوية في كافة العصور لم يكونوا يطيلون الخطبة..
فقد أجاد النووي قائلاً: يجب أن تكون خطبة الجمعة بالذات فصيحة بليغة مرتبة بينة من غير تمطيط ولا تقصير، ولا تكون ألفاظاً متبذلة ملفقة فإنها لا تقع من النفوس موقعاً كاملاً، ولا تكون مبتذلة لأنَّه لا يحصل مقصودها، بل يختار ألفاظاً جزلة مفهومة. ويقول ابن القيَّم: (كانت خطبة نبيِّ الأمَّة - صلوات الله وسلامه عليه -، إنما هي تقدير للأصول، لا كخطب غيره التي تفيد أموراً مشتركة بين الخلائق، وهي النوح على الحياة، والتخويف بالموت)، فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيماناً بالله، ولا توحيداً له، ولا معرفة خاصَّة، ولا تذكيراً بأيامه، ولا بعثاً للنفوس على محبته، الشوق إلى لقائه، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة غير أنهم يموتون! وتقسم أموالهم!! ويبلي التراب أجسامهم!!. فياليت شعري: أيِّ إيمان حصل بهذا، وأيِّ توحيد وعلم نافع يحصل به ؟!.
وهذا نقد صارم وصريح للذين يجعلون خطبة الجمعة صراخاً وعويلاً ونياحة على واقع المسلمين قاطبة، فإن النقد العلمي لا يتحقق – منهجياً – إلاَّ بتصور (البديل الأفضل) وإلا أصبح الأمر هو ذاته صورة من صور النواح!! فإن البديل الأفضل أن يكون موضوع الخطبة هادفاً ومفيداً ونافعاً للذين يتلقون مسيرة خطبة الجمعة بشكل منصت وليس مستمع أن تكون الخطبة مفيدة ونافعة للأمة في دينهم، وفي تقوية إيمانهم بالله سبحانه وتعالى وتعميق معاني محبته في نفوسهم وضمائرهم. مفيدة لهم بترطيب أفئدتهم وإنهاضها بمضامين التهلل والاستبشار. ومفيدة ونافعة لهم في دنياهم بتقديم برامج عمليَّة يصلحون بها شؤون أسرهم في التربية والتعليم والاستقامة الاجتماعيَّة والتعاون على البر والتقوى، وخدمة الصَّالح العام... إلخ.
هذا النقاش منهج قرآني وسنَّة نبوية فقد درج الأنبياء على التواصل مع أقوامهم، كما قدمت السيرة النبوية العطرة منهاجاً واضح المعالم من خلال حوارات النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في مكَّة المكرَّمة، والمدينة المنوَّرة ولم يتوقف الحوار بشتى أنواعه بين المسلمين وغيرهم خلال تاريخهم الطويل، فكان لهذا الحوار أكبر الأثر في التعريف بالإسلام في العالم.