جواهر الرشيد
تنبضُ القصيدةُ بآلامِ النَّفسِ وأشجانِها، فتمتطِي صهوةَ الإبداعِ؛ لتحلِّقَ في آفاقِ الشِّعرِ الوجداني، متربعةً على عرشِ الصِّدقِ العاطفي، تاركةً في النُّفوسِ صدىً موجِعًا يعكسُ مشاعرَ إنسانيَّةً عميقةً تتجاوزُ تجربةَ الشَّاعرِ إلى وجدانِ كلِّ متفطِّر، إذ تتجلَّى رهافةُ حسِّ الشَّاعرِ في لغتِه العاطفيَّةِ التي يُعبِّرُ عن طريقِها عن معاناتِه وانكسارِه النَّفسي في نزعةٍ وجدانيَّةٍ تكشفُ عن رؤيتِه للعلاقاتِ الإنسانيَّةِ والأحداثِ الواقعيَّةِ، وتحملُ مشاعرَ صادقةً ذاتَ أبعادٍ نفسيَّةٍ مؤثِّرة في غيرِه؛ لِتُحدثَ إحساسًا مماثلًا تُكسبُ القصيدةَ بُعدًا تأمُّليًّا وقيمةً جماليَّةً تبرزُ صدقَ التَّجربةِ وعمقَها الإنسانيّ.
يعدُّ محمَّدُ مهدي الجواهريّ شاعرًا واقعيًّا مرتبطًا بِقضايَا المجتمعِ والسِّياسةِ والإنسان، اتَّخذَ الشِّعرَ وسيلةً للدِّفاعِ عن حقوقِ أبناءِ وطنِه، وللتَّعبيرِ عن تطلُّعاتِه، ومتنفَّسًا لما يعتملُ في داخلِه مُتحرِّرا من قيودِ الوَجل والجَور. حافظَ على بناءِ القصيدةِ العربيَّةِ التَّقليديَّةِ بأوزانِها وقوافِيها، فشكَّلت قصائدُه حلقةَ وصلٍ بين تراثِ العمالقةِ وشعرِ الحداثةِ الكلاسيكيَّة. تميَّزَ بقدرتِهِ على الصَّوغِ المحكَمِ المتمسِّكِ بزمامِ اللُّغةِ في صورٍ بديعةٍ، أكسبَت نصوصَه ثراءً فنِّيًا مُبتكرًا، أثمرَ مضامينَ نفسية وإنسانيّةٍ معاصرة.
عاصَرَ شاعرُ العربِ الأكبرِ جملةً من الأحداثِ التي شهِدَت فيها العراقُ تحوُّلاتٍ كبيرةً من صراعاتٍ سياسيَّةٍ وقوميَّةٍ وحزبيَّةٍ سالَت فيها الدِّماءُ، وطغى عليها الظُّلمُ، وغابَ عنها العدلُ. عاشَ تجربةَ اغترابٍ قاسيةٍ زادَته شوقًا إلى وطنِه، مُشعلةً في نفسِه الحنينَ إلى ذاتِه العِراقيَّة، ودجلتِه وفراتِه، مُنهَكًا من أعباءِ السَّفرِ وكثرةِ التِّرحالِ، يقولُ: «أنا لا أسافر، لكن هي الرِّيحُ تجري بي فأبحثُ معها عن فكرةٍ أو أغنيةٍ أُظهرُ معها روحي، وأَملأ صدري بهواءِ الحرِّيَّةِ...»
تجلّت الثُّنائيَّاتُ المتناقضةُ في قصيدةِ (بريد الغربة) بوصفِها المحورُ الرَّئيسُ للتَّجربةِ الشُّعوريَّةِ عند الجواهري؛ إذ وضَّحت ثنائيَّةُ اليأسِ والأملِ مفارقةً تصويريَّةً كشفت الصِّراعَ النَّفسيّ الذي يعيشُه الشَّاعرُ بين قساوةِ واقعِ الغربةِ وما أورثته من وحدةٍ وخيبات، وبينَ رقَّةِ الأملِ المستمدَّةِ من محبَّتِه لأهلِه ووطنِه، مُدركًا هذه القُوَّةَ الوجوديَّةَ التي منحتهُ القدرةَ على السَّيرِ في مضمارِ زمنٍ طويلٍ قاسٍ سلبَ منه بريقَ الحياة، مُظهِرًا مشاعرَ الألمِ التي لم تُغيّبْ همَِّةَ العربيّ في رغبةِ الوصولِ إلى طموحِه، رغمَ الصُّورِ البلاغيَّةِ التي أكَّدَت الصِّراعَ الأليمَ بين واقعِ الشَّاعرِ وما يتمنَّاهُ قائمًا بالفِعل، يقولُ:
لقد أسرى بيَ الأجلُ
وطولُ مسيرةٍ مَللُ
وطولُ مسيرةٍ من دونِ
غايٍ مطمحٌ خَجِلُ
على أنّي لِأن يُنهي
غدٌ طُولَ السُّرى وَجِلُ
تماهلَ خشيةً وونىً
وعُقبى مهلِهِ عجَلُ
وقُطِّعَ خطوُه جَنَفًا
كما يتقاصرُ الحَجلُ
حملَ العراقَ في ذاكرتِه ووجدانِه، فحوَّلَ غربتَه إلى تجربةٍ شعريَّةٍ تجاوزَت حدودَ الفرديَّةِ؛ ليجعلَ من شعرِه مرآةً لقضايَا الإنسانِ وهمومِه، وتمثالًا للشُّعورِ والنَّفسِ، فعبَّرَ عن همِّه الإنسانِي، وجعلَه رمزًا لمعاناةِ العراقيين وتطلُّعاتِهم إلى وطنٍ يحقِّقُ لهم الأمانَ والحريَّةَ والكرامة، موظِّفًا الأساليبَ البلاغيَّةَ والصُّورَ الفنِّيَّةَ المتنوِّعة، مُستلهِمًا التُّراثَ في ثرائِه اللُّغويّ المستمدِّ من بيئتِه النَّجفيَّةِ المهتمَّةِ بالعلومِ الأدبيَّةِ والدِّينيَّة، والتي عكسَت قدرتَه على خلقِ معانٍ جديدةٍ في طابعٍ وجدانيّ تسيرُ في آلامِ النَّفس، حتى غدَت لغتُه الشِّعريَّةُ أداةً للكشفِ عن أعماقِ تجربتِه الإنسانيَّةِ في قالبِ القصيدةِ الجواهريَّة، مازجًا الألمَ القسريّ واليأسَ الذي ولّدته ظروفُ الحياةِ بالأملِ الذي كانَ جزءًا من تكوينِه النَّفسيّ، يقولُ:
أشاعَ اليأس بي عمرٌ
وكنتُ وكلُّه أملُ
وعمرُ المرءِ فضلُ منىً
بها ما شقَّ يُحتملُ
فإن ولَّت فلا ثِقةٌ
ولا حَولٌ ولا قِبَلُ
خلَّفَ الابتعادُ عن الوطنِ آثارًا نفسيَّةً أفقدت طمأنينةَ الشَّاعرِ وانسجامَه مع ذاتِه، وفجَّرت في نفسِه بواعثَ الحنينِ إلى ذكرياتِه العراقيَّةِ، فعزفَ على قيثارةِ الألمِ مُنتقلًا من الذِّكرى إلى التَّضرُّعِ، مناجِيًا آلامَه في صرخةٍ وجدانيَّةٍ مليئةٍ بالانكسارِ والتَّعجُّبِ، حاملةٍ صراعَه النَّفسيّ العميقَ بين ذاكرةٍ عامرةٍ بالحنانِ، وواقعٍ أثقلته خيبات فتقَت جراحَه الكامنةَ في تشبُّثِه بماضٍ عراقيّ تلاشى، حتى غدا كالحُلمِ الذي لم يُعش لكنَّه يُحسُّ كالأثر، فب دَت الذِّكرياتُ ملاذًا نفسيًّا يُخفِّفُ ألمَ التَّعلُّقِ بما كانَ، والاستسلامَ لما آلَ إليه، يقولُ:
أقولُ وربَّما قولٍ
يُدَلُّ بهِ ويُبتَهَلُ
ألا هل تُرجِعُ الأحلامُ
ما كُحْلِت به المُقلُ؟!
وهل ينجابُ عن عَينيَّ
ليلٌ مُطبقٌ أَزَلُ؟!
كأنَّ نجوَمَهُ الأحجارُ
في الشِّطرنج تَنْتَقِلُ
يُسَاقِطُ بعضُها بعضًا
فما تنفكُّ تقتتِلُ
ألا هل قاطعٌ يصِلُ
لما عيَّت به الرُّسُلُ؟
كشفت أبياتُ القصيدةِ عن حالةٍ من العجزِ والشَّوقِ أمامَ قسوةِ الغربة، فصوَّرَ الشَّاعرُ شوقًا مُقيمًا بين تأرجُحِ الألمِ وبريقِ الأملِ عن طريقِ الثُّنائيَّاتِ المتقابلَةِ التي وضَّحت قيمةَ الوجودِ بعد هيمنةِ الحزنِ والحنينِ في صورٍ من التَّناقضات، جمعت بين انقطاعِ السُّبلِ وثباتِ المحبَّةِ، فحملت في باطنِها إيمانًا بتجدُّدِ الحياةِ واستمرارِها، مؤكِّدًا قدرةَ الإنسانِ على التَّمسُّكِ بالرَّجاءِ رغم قساوةِ الواقعِ. يقولُ:
ويا أحبابي الأغليين
مَن قطعوا ومَن وصلوا
ومَن هم نُخبةُ اللّذاتِ
عندي حين تُنتخَلُ
هُمُ إذْ كلُّ مَن صافيتُ
مدخولٌ ومنتحَلُ
سلامًا كلُّه قُبَلُ
كأنَّ صميمَها شُعَلُ
وشوقًا من غريبِ الدَّارِ
أعيت دونَه السُّبُلُ
مقيمٍ حيثُ يضطربُ
المنى، والسَّعيُ والفَشَلُ
وحيثُ يعاركُ البلوى
فتلويه ويَعتدلُ
وحيثُ أديمُه يَبَسٌ
وحيثُ جِنانُه خَضِلُ
وإذ نضُبَت أفاويقُ
الصِّبا فهباتُها وَشَلُ
سلامًا من أخي دَنفٍ
تناهت عنده العِلَلُ
تعدُّ قصيدةُ (بريد الغربة) وطنًا لأحزانِ الجواهري وآمالِه في آنٍ واحد، حتى أصبحَت سِجلًّا وجدانيًّا لتجربتِه الإنسانيَّةِ في الغربةِ، إذ احتضنَت آلامَ غربتهِ، وآزرته في بلوغِ غاياتِه، وأودعَت ما عجزَ عن البوحِ به في رحلةِ حياةٍ مليئةٍ بكفاحٍ وجدانيٍّ، تعانقَ فيها الألمُ والرَّجاء، وغمرَ فيها الحنينُ وحدتَه، حتَّى رافقَ الشَّجنَ مُصغيًا لصدىً يفيضُ بنغمِ الماضي، فلم تكُنِ الوحدةُ إلَّا فضاءً تحاصرُه الذكِّرى من كلِّ جانِب، يقولُ:
وحيدٍ غيرَ ما شجَنٍ
بلوحِ الصَّدرِ يَعتملُ
وذكرى مُرَّةٍ حَلِيَت
بها أيَّامُه الأُوَلُ
تعاودُه كفيءِ الظِّلِّ
رؤياها وتنتقلُ
وحيدٍ بالذي غنَّى
وساقَى يُضرَبُ المثلُ
وفيما قالَ من حَسنٍ
وسَيءٍ يَكثرُ الجدلُ
صوّرت أبياتُ القصيدةِ ما آلت إليه غربةُ الجواهري من شعورٍ بالوحدةِ، تجاوزت حدودَ الغربةِ المكانيَّةِ إلى غربةِ النَّفسِ التي قد يشعرُ بها الإنسانُ وهو بين أهلِه ووطنِه؛ إذ لم يَعُد الأملُ يُمنَحُ بعودةِ اللِّقاء، بل أملٌ يُكسِبُ الوجودَ قيمةً بالمحبَّةِ التي ظلَّت تَسكُنُ الرُّوحَ؛ لِيجعَلَ من محبَّةِ ذاتِه وأهلِه ووطنِه قوَّةً إيمانيَّةً يحتفظُ بها الوجدانُ وتنشغلُ بها الأفكارُ، فالمحبَّةُ عند الجواهريّ نبعًا لا ينضَب، ومنه تولَّدَ الأملُ خِضلًا قاومَ يبسَ الغربة، فحفظَ الوجدانَ من القحطِ رغمَ ندرةِ اللِّقاءِ، وإعياءِ السُّبُلِ، ونأيِ المسافاتِ. وقد تجسَّدت مقولةُ شوقِي ضيف: « الشِّعرُ هو التَّجربةُ الرُّوحيَّةُ التي تمرُّ بنفسِ الشَّاعرِ» في تجربةِ الجواهريّ التي كشَفَت عن أثرِهَا في روحِه، وأرسَت رؤيتَه الإنسانيَّةَ للحياةِ، مُتسلِّمًا لما فرضَتهُ له من فراقٍ يعتريهِ ضعف وانكسار، مُستمِدًّا من المحبَّةِ قوَّةً، ومن الأملِ قدرةً على المقاومَةِ بوفاءٍ صادقٍ يبعثُ في النَّفسِ الرَّجاءَ، يقولُ:
سلامًا أيُّها الثَّاوون
إنِّي مُزمِعٌ عَجِلُ
سلامًا أيُّها الخَالون
إنَّ هواكُمُ شُغُلُ
سلامًا أيُّها النَّدمانُ
إنِّي شارِبٌ ثَمِلُ
سلامًا أيُّها الأحبابُ
إنَّ محبَّةً أملُ
سلامًا كلُّه قُبَلُ
كأنَّ صميمَها شُعَلُ