رقية نبيل عبيد
عكف زقاق المدق على استقبال صباحاته وإسبال أمسياته لمئات السنين، وآفته الوحيدة، كما يقول الكاتب، هي النسيان؛ فمهما فظعت الحادثات التي تجري بين جنباته أو رقّت، ومهما أبكت أو أضحكت، ومهما نخرت في عظام أهلها من أثر، وكيفما ارتحل منه أهله أو قُبروا، فكلٌّ مصيره إلى هاوية النسيان؛ يُمحى ذكرهم كأن لم يكونوا، ويُنسَون كما يُنسى الجميع، وكما يُنسى كل شيء!
عباس الحلو طاب له المقام في زقاق المدق، فلم يفطن يومًا إلى تهالك جدرانه، ولم يزعجه قط قِدم الزقاق ولا سوقية أهله. أحب طيبتهم، واستكان إلى بساطة عيشه وكفاف رزقه. والحلو، في أسطر محفوظ، هو النور، ووجه الدنيا الخير، وصفاؤها ونقاؤها، ونبعها الوديع الهادئ.
أما حميدة فهي شيطان الزقاق الخَفِيّ؛ تخطر في طرقاته فتتنحّى الشياطين عنها ذات اليمين وذات الشمال. قلبها يفيض حسدًا وغلًّا، وتلمح الغانيات يرفلن في فساتينهن الباهظة الكاشفة، فيتوغر صدرها تمردًا وقهرًا. وهكذا، حين وجدها أحد شياطين الإنس وقوّادوها، وحين أراها لمحة من حياة ظاهرها الذهب والبذخ، وباطنها العربدة والفجور، لم تستغرق أكثر من ثانيتين لتقلب الأمر في ذهنها، ويستريح إلى حياة الموت تلك فؤادها المتخم بالفساد، فسادًا جُبلت عليه بالسليقة. وهكذا، حين عرّف إبراهيم فرج عن نفسه بأنه سمسار السعادة وناظر مدرسة الحبور، صدقته، وارتمت طائعة بين ذراعيه، وأغلقت الأبواب في وجه الرجل الذي جاءها بالأحلام الصادقة، والبيت الشريف، والحياة العفيفة، فلم تتردد، ولم تأس، ولم تتوان، ولم تشعر قط بلحظة ندم!
ويعود الحلو ملتاعًا، ويعود مشتاقًا، ويعود تواقًا إلى البيت الذي نصبه في كل أحلامه، فإذا بالنبأ يهوي على مستقبله وأحلامه، بل على حياته كلها، فيبعثرها في مهب الريح لأجل خطرة من خطراتها، ولأجل نظرة من عينيها المكتحلتين إثمًا؛ لأنه ما طاق صبرًا وهو يرى أيادي الشاطئين تتخطف جسدها، فدفع عمره كله فداءً لمحبوبته، وذهب شبابه هباءً.
لكن الزقاق ينسى، ويتقبل صباحاته كما دأب قبل مجيء الحلو إلى الدنيا، ويودع أمسياته بعد أن طواه جسدًا مخضبًا بالدم. وسوف تشرق أنواء الفجر على جدرانه البالية، وتقبل المساءات طرقه المرصوفة عمرًا طويلًا مديدًا، لا يكترث بمقدم واحد من أهله، ولا يحفل كثيرًا برحيل آخر.
ومن جديد يصف نجيب محفوظ معشر المساكين البؤساء، عاثري الحظ، بنعوت بغض الحياة، وكراهية الناس، ومقت الأصحاء، ومحبة الشرور.
لا يا سيد نجيب محفوظ، أبدًا لن يوجد من يبتهج بمنظر القمائم، أو البرك الراكدة في وحلها، والذباب يحوم حولها، إلا في رواياتك. أبدًا لن تصادف في طرق الحياة التي نستظل بسمائها من تتحرك نفسه طربًا لعيش الفقر المدقع وحياة الضعة والهوان. إنهم مجبرون، وإن اعتادوا، وإذا ما لاح لهم بصيص فرجة من أمل في مستنقع الظلمة هذا، لرموا بحياتهم في منفذه دون سؤال أو تردد. لا أحد، لا أحد، يحب حياة الفقر أو يهواها. إن حلقة الفقر حلقة ضيقة تزهق فيها أنفاس الروح ببطء شديد؛ فلا مرض يُعالج، ولا مستقبل يُؤمَّل، ولا كرامة تُنتظر. بؤس فوق بؤس، لا أحد يستحقه، ولا أحد يحبه، وليس من إنسان وجد منه خلاصًا ثم توانى عن تخليص نفسه.
وكعادته، يخلق نجيب محفوظ بقعة مكانية، ويوجد كل شخصية في موضعها، ثم تدور الأيام والحوادث حولهما. لا بطل محدد، ولا شخصية بعينها، ولا شرير أوحد، ولا خير دائم؛ بل نفوس بشرية تتصارع فيها الغرائز، وتتقلب في أفئدتها الأماني والرؤى، وتكتوي دواخلها بحنين مشبوب وذكريات ممحوة.
وكان نجيب محفوظ، سيد القصص والحكايات، قد اختار لنا بقعة علوية في أحد جدران زقاق المدق العريق، وأشهدنا على مرور الحوادث بين جدرانه، فقط من خلال تلك الزاوية. فلا نحن نسافر مع من يسافر منه، ولا نرتحل مع من يختار الرحيل عنه، وكأن هذه المقدرة غير متاحة، بل محظورة بأمر من راوي القصة؛ لأنه اختار الزقاق نفسه بطلًا. اختار حجارته، والوكالة التي تعلوه، والدكانين اللذين ينتصبان على جانبيه، وقهوة المعلم كرشة في قلبه؛ هم الأبطال، وما سواهم جزء من هذه القصة، وفصل من فصولها الكثيرة التي تتوالى دون أن تقع أعيننا على ما وراء الزقاق.
«والإنسان خليق بأن يألف أي شيء مهما شذ وغرب.»
هذه هي الجملة الأصدق في الرواية. فطالما راعني ما يبطن الإنسان في تلافيف جيناته من قدرة على التآلف واستمراء أي موقع أو مكان، مهما بلغ رقيًّا أو سفل انحطاطًا.
لكنني أؤمن أيضًا بأن من البشر من ترتع الشياطين في كنانة روحه، ومن له نفس معجونة بالوسواس، مختمرة بالشرور، لا تنتهي ولا تنزجر، ولا همّ لها سوى الاغتراف من ملذات الدنيا، وجلّ لذاتها غرق، ومعظم أطايبها وحل لا قرار له. وفي المقابل، هناك أنفس تهفو نحو النور في سعي حثيث، ووجوه طيبة صافية لا عهد لها بالخبائث ولا بالخبيثين من أهل الدنيا. وقد هدانا الله النجدين ، فكل اختيار محسوب، وكل طريق ستمضي فيه بملء إرادتك عاقبته موضوعة سلفًا، وكل تمهيد إنما يفضي ببساطة إلى ما بعده.
سيبقى نجيب محفوظ أبدًا سيد القصص، وملك الحكايات المتوج، بارعًا في معالجة مفاتيح اللغة بحذق ومهارة فائقة، يفتح بها آفاقًا ما كنت أعرفها، ويبسط أمامي عالمًا ما كنت لأزوره لولا كلماته. وهكذا تعرّفت إلى زيطة الذي كان يقتات على اصطناع العاهات للشحاذين؛ فكان الرجل يقف مرتجفًا بين يديه، فيختلق له العاهة المناسبة، كما ينتقي الجواهري الحلية المناسبة لجيد حسناء: أنت سيكون مستقبلك مع العمى، وأنت بيد مجذومة، وأما أنت أيها الشيخ، فيكفيك وقارك ورعشة يديك. أو يقتحم القبور مع الطبيب المزعوم ليسرقا الأطقم الذهبية من بين أفواه الموتى.
يا له من عالم جديد لم أكن أعرفه! وها أنا اليوم أعيش بين يدي أدق تفاصيله وأخفى أسراره، وقد أسلمت نفسي لهذه اليد الخبيرة، الماهرة، البارعة كل البراعة، في انتشالي إلى حيث يريد صاحبها، وحيث تستهل الحكاية الجديدة أول فصولها.