أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
لم تَعرف الثقافة العَرَبيَّة قديمًا مصطلح (ثقافة)، لكنَّها كانت تتنفس المسمَّى نفسه، (الثقافة). ولهذا كان بعض الكُتَّاب العَرَب في القرن الماضي، قبل أن يولد مصطلح (ثقافة)، يستعملون كلمة (كلتور Culture) .(1) وبذا فإنَّ عصرنا عصر الكلمات والمصطلحات البرَّاقة، أمَّا الفعل، فإنْ لم يكن كابيًا، ربما كان بعكس التسميات، إلَّا ما ندر. هكذا ابتدر مجلسنا (ذو القُروح)، دون بسملة. فقلت له:
- أُحِبُّ ضَرْب الأمثلة!
- وأنا أُحِبُّ ضَرْبك ضربًا مبرحًا! خذ مثلًا من البلاغة! لقد كانت تسري في دماء العَرَب، العوامِّ منهم قبل الخواص. حتَّى تعلَّم الناس، عِلْمًا فارغًا، أو قُل: (عِلْمًا في حَكَرَة)، كما نقول بلهجات (فَيْفاء)؛ فأصبحوا يحلِّلون ويحرِّمون، ويُفتون في ما يعلمون وما لا يعلمون. وأشرقت على البسيطة شمس (قُل، ولا تقُل!). فمن بدائعهم قولهم مثلًا: لا تقُل «كلُّ عامٍ وأنتم بخَير»، بل قُل: «كلُّ عامٍ.. أنتم بخَير!» والعامِّي يضحك من هذا التصحيح، وإنْ لم يعلم كيف يَرُد، غير أنَّه يَشعُر بفِطرته أنَّ العبارة الأُولى هي الصحيحة، وفيها بلاغة الخطاب المنشود، والعبارة الأخرى عرجاء بليدة. ذلك أنَّه بدارجته يقول أيضًا، إذا حُيِّيَ بمثل تلك التحيَّة: «وأنت بخير»، أو «وأنت بصحَّة وسلامة»، ويكتفي بذلك، فتصل رسالة التحيَّة خير وصول.
- شيءٌ ما أَهَرَّ ذا ناب!
- نعم أَهَرَّه، وأَهَرَّ أباه أيضًا! بل أَنْبَتَ له نابًا ثمَّ أَهَرَّه!
- ما الذي فَهِمَه العوامُّ ولم يفهمه المتعلِّمون؟
- فَهِمُوا ما يُسمَّى (بلاغة الحذف).
- كيف؟
- المتعلِّم المسكين اليوم لا يفهم اللُّغة إلَّا على أنها الكلمات المرسومة أمام عينيه. لا يفهم أنَّ لُغة الخطاب شبكةٌ معقَّدةٌ من العلاقات والمقامات، فيها علاقات حضورٍ في علاقات غياب.
- دع التفلسف، وقُل لي: ما تلك الواو بين «كُلّ عام»، و«أنتم بخَير»؟
- هي واو الحال. ففي العبارة بلاغة غياب، وتقديرها: (لِيَحِلَّ عليكم كلُّ عامٍ وأنتم بخَير حال).
- يا سلام!
- والعامِّي -البلاغيُّ الحقيقي، والمثقَّف بالفِطرة- حينما يقول لك: «وأنت بخير» يعني: لتعُد عليك هذه المناسبة وأنت بخير. لأنَّه يُعَوِّل على أنَّك إنسان، تفهم ما يُقال، وأنَّ لدَى السامع من الذكاء اللُّغوي ما يكفيه ويُغنيه عن الإطالة والشَّرح.
- يفهمها وهي طائرة!
- نعم. وتلك هي البلاغة.
- لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله! وماذا بعد؟
- خذ نموذجًا آخر!
- هات، يا حبيبي!
- مصطلح الترجمة نموذجًا. يملأ الحيطان اليوم، «ومحصولنا على بَقَرٍ»...
- على بَقَرٍ؟
- أقصد، لا تُفهَم الترجمة، ولا تنجو العقول من التلوُّث الترجمي الحاصل، حتَّى نشأت أجيالٌ تكتب وكأنها تترجِم!
- واليوم لديك الذكاء الاصطناعي. استمع إليه في الكتب المسموعة المُعَدَّة بالذكاء الاصطناعي، لتسمع مضحكات الثكالى في نطق الكلمات!
- وسينشأ جيل عَرَبي بعد سنوات يتحدَّث مثل الذكاء الاصطناعي!
- دعنا مع الترجمة أوَّلًا، التي لم تستكمل حكايتها في المساق الماضي!
- كنا قد قلنا إنَّ إشكالات التَّرجمة إلى العَرَبيَّة اليوم إشكالاتٌ واسعة! ولا تدري، لماذا يشتغل أحدهم بالترجمة، وهو لا يعدو في عمله، وضع كلمة عَرَبيَّة معجميَّة مقابل كلمة غير عَرَبيَّة؟! على أنَّ هذا ليس بالحادث الجديد. فستجد من نماذجه، مثلًا، في «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، ما الله به عليم! وكانت قد طُبِعت ترجمة «دائرة المعارف الإسلاميَّة» في (مِصْر)، سنة 1933، ثمَّ تتالت طبعاتها. ومنها طبعةٌ صدرت عن (دار الشَّعب- القاهرة: 1969)، مضبوطةً بعض مفرداتها بالشَّكل. ثمَّ أُعيدَ طبعُها، مع استكمال الترجمة لأجزاء الموسوعة، في (مركز الشارقة للإبداع الفكري، 1998)، تحت عنوانٍ جديد، هو: «موجز دائرة المعارف الإسلاميَّة». وأُشِيرَ إلى أنها «الطبعة الأُولى»؛ بما يوهم أنَّه لم يُطبَع منها شيءٌ من قبل! وكان المتوقَّع أن تظهر هذه الطبعة الأخيرة أفضل من سابقتها، لكنَّها، مع الأسف، لم تكن كذلك، ولاسيما من حيث الضبط بالشَّكل. بل ليتها حافظت على نُسخة الطبعة المِصْريَّة؛ ولم تتخفَّف من بعض الضبط بالشَّكل. وقد ضربنا على ذلك، في المساق السابق- بعض الأمثلة. وكان الصَّواب غالبًا من نصيب طبعة (القاهرة). ففي (جبل العُرِّ)- أحد جبال (بني مُنَبِّه) المجاورة لمنطقة (جازان)-: لمَّا لم تظهر الشَّدَّة على الرَّاء واضحة في الطبعة المِصْريَّة، ظنَّوها في طبعة (الشَّارقة) فتحة، فصار اسم الجبل «العُرَ»! وكذا لمَّا لم تظهر الضمَّة واضحة على حرف العين من كلمة «عُقوم»، ظنَّوها في طبعة الشَّارقة فتحة! غير أنَّ الطبعتين تشتركان في الأخطاء في ثلاث حالات: ضبط اسم (المُوَسَّم)، وعبارة: «في أبي عريش»، وعبارة «بلغ جنوبًا إلى المخاء، بل احتل تعزّ»، كما أوضحنا في المقال السابق.
- يبدو في هذا الذي وقعَ في الطبعة الأخيرة إخلالٌ بالأمانة العِلميَّة في نقل ما كان ضبطَه المؤلِّف أوَّلًا- حتَّى بالإنجليزيَّة- وما كان ضبطَه المترجِم ثانيًا، وَفق الطبعة المِصْريَّة، وإخلالٌ، إلى ذلك، بعِلميَّة المادَّة المقدَّمة إلى القارئ.
- على أنها تجتمع في نَصِّ الطبعتَين كلتيهما ثلاثة عوامل، تجعله غير مفهوم، فضلًا عن القصور في الدِّقَّة العِلميَّة:
-1 المعلومة المضطربة لدَى المؤلِّف أصلًا.
-2 رداءة الترجمة.
-3 الإملاء الشاذُّ في رسم بعض الأحرف العَرَبيَّة.
ولذا ترى أنَّ هذه الترجمة، بطبعتَيها، من أردأ ما يمكن أن تقرأه من الترجمات. ومن ملامح ذلك، أن تقرأ النصَّ الآتي:
«(جَيْزان): اسم واد [كذا! والصَّواب: وادٍ] وثغر ومقاطعة على البحر الأحمر في جنوب غرب العربية السعودية، والصيغة القديمة «جازان» لا تزال تستعمل كثيرًا وخاصة على يد الكتاب المنتمين إلى هذه المقاطعة نفسها. وثمة روايات مختلفة في نطق جيزان هي: جى بين الفتحة والكسرة، وجى، وجو، وقلما يقال زى بين الفتحة والكسرة (بين قبيلة المَسارِحَة) أما الصيغة قيزان التي ترد في كثير من الخرائط، فباطلة. ويقال إنها جمع قَوْز (تل رملي) على حين أن الجمع فعلا هو أقواز.» (1)
فأوَّلًا- زعمَ المؤلِّف: أنَّ (جازان) «صيغة قديمة». والصحيح أنَّ (جازان) هي الصيغة العَرَبيَّة الصحيحة منذ القِدَم، أمَّا «جيزان»، فلا تعدو صيغة عامِّيَّة. ولقد جُعِل مدخل هذه المادَّة في «دائرة المعارف الإسلاميَّة» عامِّيًّا، هكذا: (جيزان)، لا عَرَبيًّا صحيحًا: (جازان)، واستمرَّ استعمال هذه الصيغة في سائر ما وردَ عن جازان. ولعلَّ هذا ما يسوِّغ لقارئٍ أنْ يظنَّ الصواب (جيزان)؛ أ لم يَرِد الاسم هكذا في «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، على يد (الخواجة رنتز G. Rentz)، وهو من هو؟!
أمَّا القول: «الروايات المختلفة في نطق جيزان هي: جى بين الفتحة والكسرة، وجى، وجو، وقلما يقال زى بين الفتحة والكسرة»، فطلاسم، تستدعي محاولة فكِّها في المساق المقبل، بعون الله!
* * * * *
* مرفأ:
بَنَيْتُ الشِّعْرَ بَيْتًا شَعَّ بَيْتًا
فبَاتَ مَدِيْنَةً لِلحُبِّ حَالا
تَضُمُّ عُرُوْقَ غَرْبِ الأرضِ شَرْقًا
وتَسْقِيْ فَيْضَ جَذْوَتِها الثَّكَالَى
تُعَنْقِدُ في ضَمائِرِهَا شُمُوْسًا
وأَقْمَارًا وتَهْصِرُها اشْتِعَالا
إِذا نَادَى المُنَادِيْ: يَا لَبَعْثٍ!
رَأَيْتَ النَّارَ تَلْتَهِمُ الكُسَالَى!
(1) يُنظر مثلًا: العقَّاد والمازني، (د.ت)، الديوان في الأدب والنقد، (القاهرة: الشعب)، 121.
(2) تُقارَن: دائرة المعارف الإسلاميَّة، طبعة (القاهرة: دار الشعب، 1969)، 13: 109، بطبعة (الشارقة: مركز الشارقة للإبداع الفكري، 1998)، 11: 3292.
** **
(العضو السابق بمجلس الشورى - الأستاذ بجامعة الملِك سعود)