عبدالعزيز بن سليمان الحسين
كثر في الآونة الأخيرة الحديث في وسائل التواصل الاجتماعي حول ارتداء البشت، ولا سيما في مناسبات الزواج، حتى ذهب بعض الشباب إلى أنه لا يليق إلا بالعريس ووالده وإخوته. وهذا الرأي، في تقديري، لا ينسجم مع ما عرفه المجتمع السعودي عبر تاريخه، ولا مع الموروث الذي توارثته الأجيال.
ومن المؤكد أن البشت لم يكن يومًا لباسًا خاصًا بفئة معينة أو مناسبة محددة، بل كان، وما يزال، رمزًا للوقار والهيبة، وجزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية. فقد ارتداه ملوك هذه البلاد، وعلماؤها، وقضاتها، وأمراؤها، ورجالاتها، ورموز المجتمع، كما ارتداه عامة الناس في الأعياد، والأفراح، واللقاءات، وصلاة الجمعة، والمناسبات الاجتماعية المختلفة. ولم يكن ارتداؤه يومًا ينتقص من مكانة أحد، أو يحجب تميز شخص عن آخر، بل كان عنوانًا يجمع الجميع تحت مظلة هوية وطنية واحدة.
ولا شك أن حصر البشت في العريس وحده لا يستند إلى واقع تاريخي، بل يخالف ما عرفناه منذ الصغر، وما رأيناه على آبائنا وأجدادنا. فقد كان البشت حاضرًا في الأسواق، والمجالس، والزيارات، والمناسبات، وحتى في صلاة الجمعة، وكان لباسًا يعبر عن الوقار، والاحترام، وحسن الهيئة.
ولعل من المهم أن ندرك أن تغير بعض العادات في السنوات الأخيرة لا يعني تغيير حقيقتها، فما نراه اليوم من قلة ارتداء البشت في بعض المناسبات لا يسوغ اختزال هذا الموروث أو إعادة تعريفه؛ فالموروث يُحفظ بما تمثله جذوره في تاريخ المجتمع، لا بما يمر به من تغيرات مؤقتة.
وفي تقديري، فإن التقليل من ارتداء البشت، أو تصويره على أنه غير مناسب إلا للعريس، هو تقليل من أحد أبرز رموز هويتنا الوطنية. فلا أكاد أظن أن بيتًا سعوديًا يخلو من بشت يحتفظ به كبير الأسرة أو أحد أبنائها، لأنه لباس يُعتز به، ويُلبس في المناسبات التي تستحق التقدير والاحتفاء.
ومن الجميل أن نعيد إحياء هذه العادة، وأن يحرص من اعتاد لبس البشت على ارتدائه في المناسبات، بل وفي صلاة الجمعة، إحياءً لموروث أصيل، وإظهارًا لحسن الهيئة، وتعزيزًا لمعاني الاعتزاز بالهوية الوطنية.
ولا يخفى أن اهتمام حكومتنا الرشيدة بالهوية الوطنية، وترسيخ الاعتزاز بها، يأتي امتدادًا لرؤية تؤمن بأن الموروث الثقافي جزءٌ أصيل من شخصية الوطن وتاريخه؛ ولذلك نشهد دعمًا متواصلًا لكل ما يحافظ على أصالتنا، ويعزز الاعتزاز بتراثنا ورموزه الوطنية. ومن الطبيعي أن تختلف العادات؛ فمن الناس من اعتاد لبس البشت، ومنهم من لم تجرِ بذلك عادته أو بيئته، وهذا أمر لا إشكال فيه. فلا أحد ملزم بارتداء البشت، كما أنه لا يجوز الانتقاص ممن يحرص على لبسه أو الاستغراب من ذلك.
وأحسب أن من أجمل صور الوفاء للمناسبات أن يرى المضيف ضيوفه قد حضروا بأبهى هيئة، مرتدين البشت والزي الوطني؛ فهذا مظهر من مظاهر الاحترام، وفيه إكرام لصاحب الدعوة، واعتزاز بهوية الوطن وموروثه، كما أنه يعكس صورة مشرقة عن مجتمع يعتز بأصالته ويحافظ على رموزه.
إن البشت ليس مجرد لباس، بل هو تاريخ، وهوية، وثقافة، ورمز للوقار والأصالة، والمحافظة عليه ليست دعوة إلى التكلف، وإنما هي دعوة إلى الاعتزاز بإرثنا الوطني، وصون لأحد أجمل رموزه للأجيال القادمة.