منصور بن صالح العُمري
ليس السؤال يوم القيامة: كم كنتَ تعلم؟
بل: ماذا صنعتَ بما علمت؟
كم من آيةٍ مرَّت على قلبك، فأنارت ظلمته، وكم من حديثٍ بدَّد حيرتك، وكم من موعظةٍ كانت سببًا في توبتك... ثم وقفت عندها، فلم تعبر منك إلى غيرك.
ولو أن كلَّ مسلمٍ حمل من الخير ما يطيق حمله، لا ما يعجز عنه، لامتلأت الأرض نورًا. ولهذا لم يكلِّف النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأمة أن يكونوا جميعًا علماء، ولا خطباء، ولا أصحاب منابر، وإنما فتح بابًا يدخل منه كلُّ أحد، فقال: «بلِّغوا عني ولو آية».
تأملها... ولو آية.
لم يقل: ولو سورة، ولا خطبة، ولا كتابًا، بل آيةٌ واحدة، تبلغها بصدق، فتقع في قلبٍ قد هيَّأه الله للهداية، فتكون سببًا في حياة روحٍ كانت على شفا الهلاك، وأنت لا تشعر. قال تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}.
وما أعظم الخسارة أن يعيش المرء عمرًا طويلًا، وبين يديه من وسائل البلاغ ما لم تجتمع لأحدٍ قبله؛ هاتفٌ في كفه، ومنصةٌ يبلغ بها الآفاق، ورسالةٌ لا تستغرق دقائق، وصورةُ آيةٍ، أو حديثٌ صحيح، أو كلمةٌ صادقة... ثم يلقى الله وصحيفتُه تكاد تخلو من نفسٍ اهتدت بسببه، أو قلبٍ رقَّ بكلمةٍ نشرها، أو غافلٍ انتبه بتذكيرٍ كتبه.
إن الشيطان لا يثنيك دائمًا عن الخير بالمعصية، بل ربما ثنَّاك عنه بالتهوين؛ فيقول: وما أثر كلمتك؟ وما قيمة ما تنشر؟ فينسيك أن الله لم يسألك عن النتائج، وإنما أمرك بالبلاغ، وأن الهداية ليست بيدك، وإنما هي بيد من قال: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء}.
فلا تحتقر خيرًا تستطيع بذله، فلعل آيةً ترسلها في ليلةٍ هادئة، تبلغ قلبًا أثقلته الذنوب، فيتوب، ثم يلقى الله على طاعة، فتجري حسناتُه في ميزانك ما جرى عملُه، وأنت لا تعلم.
فإذا أُغلقت صحيفتُك يومًا، فليكن فيها من آثار البلاغ ما يبقى بعد انقطاع الأنفاس؛ فإن الكلمة الصادقة قد يعبر بها صاحبها إلى قبره، ثم تظل تعبر هي إلى القلوب، حتى يلقى الله على نهرٍ من الحسنات لم ينقطع جريانه.
{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}.