سعدون مطلق السوارج
في مسار التاريخ السياسي، هناك لحظات لا تُقاس فقط بحجم الأحداث التي تقع فيها، بل بقدرة الدول على التأثير في اتجاهاتها، وتحويل مسارها قبل أن تصل إلى نقطة يصعب الرجوع عنها. فالأزمات الكبرى لا تُدار دائمًا بالصوت الأعلى، ولا بالقوة الأكثر ظهورًا، بل أحيانًا تُحسم بقدرة دولة على الجمع بين قوة الردع وحكمة القرار، وبين امتلاك أدوات المواجهة والتمسك بخيار الاستقرار.
وقد أثبت التاريخ أن الدول المؤثرة ليست هي التي تبحث عن تسجيل حضورها في لحظات الاضطراب فقط، بل هي التي تمتلك القدرة على صناعة التوازن عندما تتقاطع المصالح وتتزايد احتمالات التصعيد. فهناك فرق بين دولة تراقب مسار الأحداث، ودولة تمتلك من الثقل ما يجعلها جزءًا من صياغة هذا المسار.
ومن بين هذه اللحظات يبرز الاتصال الهاتفي الذي جرى بين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في وقت كانت فيه المنطقة تمر بمرحلة شديدة الحساسية، وسط تصاعد التوترات والمخاوف من انزلاق الأحداث نحو مواجهة أوسع قد تهدد أمن المنطقة والعالم.
لم يكن هذا الاتصال مجرد تواصل دبلوماسي عابر بين قائدين، بل حمل دلالة سياسية عميقة تعكس المكانة التي أصبحت تتمتع بها الرياض في إدارة الملفات الإقليمية الكبرى. فحين تتحدث المملكة العربية السعودية في لحظة أزمة، فإن العالم لا ينظر إلى موقفها باعتباره رأيًا سياسيًا عاديًا، بل يستمع إلى دولة تمتلك وزنًا وتأثيرًا وقدرة على الإسهام في صناعة التوازنات.
إن أهمية الموقف السعودي تكمن في أنه جاء من دولة عرفت خلال العقود الماضية معنى المسؤولية الإقليمية والدولية؛ دولة لم تبحث عن التصعيد رغم تعرضها لتحديات أمنية متكررة، ولم تجعل من الاستفزازات المتواصلة سببًا للتخلي عن خيار الحكمة، بل تعاملت معها وفق رؤية استراتيجية تقوم على حماية الأمن، وصيانة المصالح، ومنع المنطقة من الانزلاق إلى فوضى لا يعرف أحد حدود نتائجها.
عندما تختار القوة طريق التهدئة
في السياسة الدولية، لا تكون دعوات التهدئة متساوية في تأثيرها؛ فالدولة التي تملك عناصر القوة تختلف عن الدولة التي تطلب السلام لأنها لا تملك خيارًا آخر. والمملكة العربية السعودية قدمت نموذجًا مختلفًا؛ إذ إن دعوتها إلى خفض التصعيد لم تصدر من موقع ضعف، بل من موقع دولة تمتلك قدرات سياسية واقتصادية وعسكرية تجعلها قادرة على حماية مصالحها، وفي الوقت ذاته قادرة على إدراك خطورة الحروب المفتوحة.
لقد أثبتت التجارب أن السلام الأكثر استقرارًا هو السلام الذي تدعمه القدرة، وأن الدبلوماسية تصبح أكثر تأثيرًا عندما تستند إلى قوة حقيقية. ولذلك فإن الموقف السعودي يعكس مدرسة سياسية تقوم على معادلة واضحة: قوة تحمي الأمن، وحكمة تمنع التهور.
وهذه ليست سياسة طارئة، بل امتداد لمسار تاريخي طويل في الدبلوماسية السعودية، حيث حافظت المملكة عبر عقود على دورها في دعم الاستقرار، وتعزيز الحوار، والتعامل مع الأزمات الإقليمية بمنطق المسؤولية، إدراكًا منها أن أمن المنطقة لا ينفصل عن أمنها ومصالحها.
فالمملكة اليوم ليست فقط دولة ذات مكانة إقليمية، بل أصبحت أحد العناصر المؤثرة في صياغة المشهد الدولي، بفضل موقعها الاستراتيجي، وثقلها الاقتصادي، ودورها في أسواق الطاقة العالمية، وشبكة علاقاتها الدولية الواسعة.
سنوات من التحديات لم تغيّر خيار المسؤولية
جاءت الدعوة السعودية إلى التهدئة بعد سنوات واجهت خلالها المملكة ودول الخليج تحديات أمنية متعددة، شملت اعتداءات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ومحاولات استهداف منشآت حيوية، وتهديدات مرتبطة بأمن الطاقة والممرات البحرية.
ومن أبرز تلك الأحداث الهجمات التي استهدفت منشآت نفطية سعودية، إضافة إلى محاولات متكررة تهدف إلى التأثير على أمن الملاحة في المنطقة، وهي أحداث كشفت أن أمن الخليج يواجه تحديات تتجاوز الحدود التقليدية، وتمس الاقتصاد العالمي وحركة التجارة الدولية.
كما شهدت المنطقة محاولات متكررة لزعزعة الاستقرار عبر أنشطة وخلايا مرتبطة بجهات خارجية، وهو ما تعاملت معه الأجهزة الأمنية الخليجية عبر منظومات متقدمة من الرصد والمتابعة والتنسيق، وأثبتت قدرتها على حماية الأمن الداخلي وإحباط العديد من المخططات التي تستهدف استقرار الدول.
ومن أبرز الدروس التي كشفتها هذه المرحلة أن دول الخليج لم تكن تبحث عن المواجهة، لكنها في الوقت ذاته لم تكن غافلة عن المخاطر. فقد بنت قدراتها الدفاعية والأمنية، وطورت منظومات التعاون المشترك، وأدركت أن حماية السلام تحتاج إلى استعداد دائم، لأن الأمن لا يُحفظ بالأمنيات وإنما بالقدرة والجاهزية.
وفي هذا السياق، جاء الموقف السعودي ليؤكد أن ضبط النفس لا يعني التساهل مع التهديدات، وإنما يعني إدارة القوة بعقلانية ومسؤولية.
الرياض.. ثقل سياسي يصنع التأثير
إن السؤال الأهم ليس فقط: لماذا دعت السعودية إلى التهدئة؟ بل لماذا كان لموقفها هذا الوزن والتأثير؟
الإجابة تكمن في تراكم عناصر القوة التي بنتها المملكة عبر عقود. فالدول لا تصبح مؤثرة بقرار واحد، وإنما من خلال مسار طويل من بناء الثقة والشراكات والحضور الدولي.
تمتلك المملكة مكانة اقتصادية تجعل استقرارها عنصرًا مهمًا في الاقتصاد العالمي، كما أن دورها في قطاع الطاقة يمنحها أهمية إستراتيجية تتجاوز حدود الإقليم. وفي الوقت نفسه، فإن علاقاتها الدولية وشراكاتها الإستراتيجية مع القوى الكبرى جعلت منها طرفًا حاضرًا في النقاشات المتعلقة بأمن المنطقة ومستقبلها.
لقد أسهمت هذه العلاقات المتوازنة في بناء شبكة واسعة من التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، وهو ما منح المملكة قدرة أكبر على التواصل مع مختلف الأطراف والتأثير في مسارات الحوار عند الأزمات.
ولهذا فإن صوت الرياض عندما يدعو إلى الحوار لا يُنظر إليه باعتباره موقفًا منفصلًا عن الواقع، بل باعتباره صادرًا عن دولة تمتلك القدرة على التأثير في البيئة السياسية المحيطة بها. ففي عالم السياسة، ليست كل الأصوات متساوية؛ هناك أصوات تُسمع لأنها تعبر عن رغبة، وهناك أصوات تُسمع لأنها تستند إلى مكانة وقدرة وتأثير.
قوة دفاعية تحمي القرار السياسي
إن الحديث عن الدور السعودي لا يكتمل دون الإشارة إلى القوة الدفاعية التي بنتها المملكة خلال السنوات الماضية.
فالقوات المسلحة السعودية شهدت مراحل واسعة من التطوير والتحديث، وامتلكت قدرات متقدمة في مجالات الدفاع والحماية والجاهزية، إلى جانب تعاون وشراكات استراتيجية مع دول كبرى.
كما أن بناء هذه القدرات يأتي ضمن رؤية أشمل تهدف إلى تعزيز مفهوم الأمن الوطني، ورفع مستوى الاعتماد على الجاهزية والتقنية والتدريب، بما يجعل المملكة قادرة على حماية مصالحها في بيئة إقليمية معقدة.
لكن قيمة هذه القوة لا تكمن فقط في استخدامها عند الضرورة، بل في كونها عنصرًا أساسيًا في الردع. فالدولة التي تمتلك القدرة على حماية أمنها تكون أكثر قدرة على اتخاذ قراراتها السياسية بثقة، وأكثر قدرة على طرح مبادرات تهدف إلى الاستقرار.
وهنا تظهر أهمية التكامل بين القوة العسكرية والقوة الدبلوماسية؛ فالأولى تمنح الحماية، والثانية تفتح أبواب الحلول.
الخليج.. أمن مشترك ورؤية واحدة
ولا يمكن فهم الدور السعودي بمعزل عن المنظومة الخليجية التي تشكل أحد أهم أطر التعاون الإقليمي.
فدول مجلس التعاون الخليجي أدركت منذ تأسيسه أن أمن المنطقة يقوم على التعاون والتنسيق، وأن التحديات المشتركة تتطلب رؤية جماعية وقدرات متكاملة.
وقد أثبتت السنوات الماضية أن دول الخليج تمتلك منظومات أمنية متقدمة، قادرة على التعامل مع مختلف التحديات، سواء كانت تهديدات عسكرية مباشرة أو محاولات للتأثير على الاستقرار الداخلي.
وفي هذا الإطار، تأتي دولة الكويت ضمن المنظومة الخليجية التي حافظت تاريخيًا على نهج يجمع بين الحكمة السياسية وتعزيز مقومات الأمن والدفاع، إيمانًا بأن استقرار المنطقة مسؤولية مشتركة بين جميع دولها.
إن قوة الخليج لا تتمثل فقط في إمكاناته المادية، بل في قدرته على الحفاظ على التنسيق والتضامن في مواجهة الظروف الصعبة.
أمن الملاحة.. أمن العالم
لقد كشفت الأزمات الأخيرة أن أمن الخليج لا ينفصل عن أمن العالم، خصوصًا فيما يتعلق بالممرات البحرية الحيوية.
فمضيق هرمز ليس مجرد ممر جغرافي، بل شريان رئيس لحركة الطاقة والتجارة الدولية. وأي اضطراب في أمن الملاحة ينعكس على الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد والاقتصاد الدولي.
ومن هنا تأتي أهمية الموقف السعودي؛ فالمملكة تدرك أن حماية الاستقرار البحري ليست قضية خليجية فقط، بل قضية دولية تمس مصالح شعوب واقتصادات متعددة حول العالم.
ولهذا فإن الدعوة إلى التهدئة لا تعني تجاهل المخاطر، بل تعني التعامل معها بمنظور أوسع يضع أمن المنطقة والعالم في الاعتبار.
من قوة الردع إلى قوة التأثير
إن أبرز ما تكشفه هذه المرحلة هو أن النفوذ الحقيقي لا يقاس فقط بما تمتلكه الدول من أسلحة أو إمكانات، بل بقدرتها على التأثير في القرارات الكبرى. لقد استطاعت المملكة العربية السعودية أن تجمع بين عناصر متعددة: القوة، والمصداقية، والتحالفات، والرؤية السياسية، وهو ما جعلها لاعبًا رئيسيًا في ملفات الأمن والاستقرار.
وعندما تحركت الرياض نحو التهدئة، فإنها لم تكن تدعو إلى السلام من موقع المتفرج، بل من موقع الدولة التي تعرف حجم المخاطر، وتمتلك القدرة على حماية مصالحها، وتؤمن بأن الاستقرار هو الطريق الأكثر خدمة للشعوب.
خاتمة: في النهاية، فإن القيمة الحقيقية لهذه اللحظة لا تكمن فقط في تفاصيل اتصال هاتفي، بل في الرسالة التي حملها إلى العالم: أن الدول المؤثرة هي التي تستطيع أن تمنع الأزمات قبل أن تتحول إلى صراعات، وأن أعظم صور القوة ليست دائمًا في خوض المواجهة، بل في القدرة على منعها عندما يكون ثمنها أكبر من نتائجها.
لقد أثبتت المملكة العربية السعودية أن القوة والدبلوماسية ليستا مسارين متعارضين، بل جناحان لسياسة دولة تعرف كيف تحمي أمنها، وكيف تساهم في استقرار محيطها.
وحين تتحدث الرياض، فإن العالم يصغي؛ لأن صوتها لا يستند إلى الكلمات وحدها، بل إلى تاريخ من الحضور، وواقع من القوة، ورؤية تدرك أن أمن المنطقة لا يُبنى بالتصعيد، وإنما بالحكمة التي تمنع طبول الحرب من أن تصبح واقعًا.
** **
- باحث في التراث الكويتي والخليجي