د. غالب محمد طه
تعلمنا في سنواتنا الأولى في الجامعة أن «حراسة البوابة» هي أحد المفاهيم المؤسسة لفهم عمل وسائل الإعلام. كان المحرر هو الحارس الذي يقرر ما يعبر إلى الجمهور وما يبقى خارجه، ليس لأنه يصنع الأحداث، بل لأنه يرتب حضورها في المجال العام. وكان السؤال الأساسي الذي شغلنا حينها يدور حول معايير هذا الاختيار ومن يملك سلطة اتخاذه.
نظريات الإعلام لا تعيش بمعزل عن واقعها.
وما كان يفسر تدفق الأخبار قبل عقود، قد لا يكفي اليوم لفهم الطريقة التي يتشكل بها الوعي في العصر الرقمي. هذا المفهوم نفسه، الذي صُمم لفهم عصر الصحافة المطبوعة، يواجه اليوم اختبارًا مختلفًا. فالحارس لم يختفِ، لكنه لم يعد إنسانًا وحده.
المعرفة اليوم وفيرة، بل فائضة عن الحاجة.
أما انتباه الإنسان، فهو الشحيح حقًا. ما لا يحظى به نادرًا ما يجد طريقه إلى وعينا. وما يتكرر أمامنا يكتسب فرصة أكبر ليصبح إطارًا نفسر به ما يحدث حولنا. الانتباه هو المدخل، والوعي هو الناتج.
في النموذج الإعلامي التقليدي، كان المحرر يمثل الحارس الأول. كانت معاييره تعكس اعتبارات تحريرية ومهنية وسياسية، يمكن فهمها ونقدها ومناقشتها. كان الحارس إنسانًا.
وهذا ينطبق أيضًا على ما سبق الصحافة: في عصر الرواية الشفوية، كان الحكماء وكبار القوم هم حراس البوابة. ومع ظهور الكتاب، انتقلت هذه السلطة إلى المؤلفين الذين قدّموا رؤى للعالم استمرت لعقود.
ثم جاء التلفزيون. فلم يعد الحارس محررًا فرديًا، بل مؤسسة إعلامية كاملة، بسياساتها وهياكلها التنظيمية وعلاقاتها بالسلطة ورأس المال. أصبحت هذه المؤسسات ترسم ملامح المشهد العام وتحدد جدول الاهتمامات.
ورغم تعقيد هذه المرحلة، ظل عنصر واحد ثابتًا: من يدير تدفق المعلومات هو كيان إنساني يمكن مساءلته. كانت معاييره، مهما اختلفنا حولها، قابلة للنقاش العام.
اليوم، تغيرت المعادلة. حراسة البوابة لم تعد حكرًا على المحرر أو المؤسسة.
انتقلت إلى فضاء موزَّع بين المستخدم والمنصة والأنظمة الخوارزمية. وهذا التشابك يجعل من الصعب تتبع من يمسك المفاتيح في كل لحظة.
كثير من مستخدمي المنصات الرقمية يتعاملون مع ما يظهر أمامهم باعتباره انعكاسًا طبيعيًا للعالم. لكنه نتاج عملية اختيار معقدة تجري في الخلفية. ما يظهر على الشاشة قد يكون الأقل أهمية - لكن أنظمة التوصية تُرجح أنه سيحافظ على انتباه المستخدم لأطول فترة.
السيطرة على المعلومة تعني التحكم في إنتاجها أو حجبها. أما السيطرة على الانتباه فتعني القدرة على ترتيب حضور المعلومات في أذهان الناس.
قد لا تحتاج هذه القدرة إلى إخفاء الحقائق؛ يكفي أن تجعل بعضها حاضرًا باستمرار بينما تترك غيرها في الأطراف. لا يُعاد تشكيل الواقع، بل يُعاد تشكيل الطريق الذي يصل به إلى وعينا.
مع ذلك، لا ينبغي إرجاع هذا التحول إلى الخوارزميات وحدها. فالأنظمة الخوارزمية لا تخترع اهتمامات الناس. إنها تتعلم من سلوكهم، وتراقب اختياراتهم، ثم تعيد تنظيم البيئة التي يتحركون فيها.
المستخدم يوجّه الأنظمة بما يقرأ ويتفاعل معه، وهذه الأنظمة تعيد تشكيل بيئته المعرفية بما يعزز تلك الأنماط نفسها. بمرور الوقت، قد يبدو له ما يراه وكأنه الصورة الأكثر اكتمالًا للعالم، بينما هو جزء منه فقط.
يكفي أن يتابع المستخدم موضوعًا واحدًا باهتمام لعدة أيام، حتى تبدأ المنصة في إعادة ترتيب مقترحاتها. لا يُفرض عليه رأي، لكن مساحة التنوع تتقلص أمامه.
المنصات تتنافس على الزمن الذهني للإنسان. كل دقيقة يقضيها المستخدم على المنصة تتحول إلى قيمة اقتصادية.
وهذا يجعل جذب الانتباه والاحتفاظ به الهدف الرئيسي في تصميم هذه البيئات. المحتوى الأكثر قدرة على إثارة الفضول أو الانفعال يصبح الأكثر حضورًا، وإن كان ليس الأكثر أهمية.
هل هذا يعني أن الأسرة والمدرسة والإعلام التقليدي فقدت دورها؟
كلا. لكنها لم تعد تعمل في البيئة نفسها. فبينما تغرس الأسرة القيم، تواجه اليوم منافسة من فضاءات رقمية لا تخضع لمنطقها التربوي.
والمدرسة، التي تقدم المعرفة المنهجية، تجد طلابًا اعتادوا إيقاعًا متسارعًا لا يشبه الحصة الدراسية. ومن جهة أخرى، لم تعد وسائل الإعلام التقليدية وحدها من يحدد جدول الاهتمامات، بعد أن صارت تنافسها منصات تعيد ترتيب المحتوى وفق احتمالات التفاعل أكثر من قيمته المعرفية.
صناعة الوعي أصبحت عملية موزَّعة. تتقاطع فيها أدوار المؤسسات التقليدية مع تأثيرات البيئة الرقمية.
ولم يعد من السهل التمييز بين ما يختاره الإنسان بإرادته وما يتشكل تحت تأثير هذه البيئة. حرية الاختيار لا تُلغى، لكنها تمارس داخل فضاء يؤثر في الخيارات المتاحة.
وإذا كان مفهوم حراسة البوابة قد انتقل من المحرر إلى المؤسسة الإعلامية ثم إلى الأنظمة الخوارزمية، فهل أصبحت الخوارزمية الحارس الجديد؟
هي أدوات صممتها مؤسسات، وغذتها بيانات، ووجهتها أهداف تجارية. لا تختار بمعزل عن السياق والمصالح التي تشكل تصميمها.
لكنها في الوقت نفسه تمارس دورًا كانت تضطلع به جهات بشرية. الحارس الجديد ليس إنسانًا، لكنه ليس مستقلاً عن الإنسان أيضًا.
السؤال إذن ليس من يملك الحقيقة، ولا حتى من يملك المعلومة. الأعمق من ذلك: من يملك القدرة على أن يجعل بعض الحقائق أكثر حضورًا من غيرها؟
لا توجد إجابة واحدة. المفاتيح موزَّعة بين الإنسان، والمؤسسات، والمنصات، والأنظمة الخوارزمية. لكن المفتاح الوحيد الذي يبقى في يد الإنسان هو وعيه بآليات هذا التأثير؛ قدرته على تنويع مصادره، ومقاومة الاكتفاء بما تؤكده له شاشته.
تستطيع الأنظمة الخوارزمية أن تقترح ما نقرأ. لكنها لا تستطيع أن تمنحنا فضيلة الشك، ولا ملكة النقد، ولا الرغبة في البحث عن الرأي المختلف. هذه ليست وظائف تقنية، بل مسؤوليات إنسانية.
ربما لم تعد معركة عصرنا تدور حول حرية الوصول إلى المعرفة، بل حول حرية توجيه الانتباه. لقد تغير مفهوم حراسة البوابة، لكنه لم يختفِ.
والتحدي الأكبر أمام دراسات الإعلام في السنوات القادمة قد لا يكون فهم ما تنشره الأنظمة الخوارزمية، بقدر ما يتعلق بفهم ما تقرر ألا تنشره، وما يترتب على ذلك من إعادة تشكيل المجال العام.