هيا الدوسري
المدير المتسلط يسحب من رصيده الحقيقي «التقدير والاحترام» دون أن يشعر. قد يملك السلطة بحكم منصبه، لكنه يفقد مع مرور الوقت ثقة من يعملون معه، لأنه يمارس الإدارة بروح بيروقراطية متشددة، ويعتقد أن الشدة وحدها هي الطريق إلى فرض الهيبة.
قد ينجح في إخضاع بعض الموظفين، لكنه لن ينجح في إخضاع الجميع.
فهناك من يصمت اتقاءً للمشكلات، وهناك من يرفض الخضوع لأسلوب يقوم على الإهانة والتسلط.
ومع مرور الوقت، يجد نفسه يصطدم بجدار من التحديات، حتى يصبح أول المتضررين من أسلوبه، ويكتشف متأخرًا أنه خسر احترام من حوله قبل أن يخسر تعاونهم.
ويعتقد المدير المتسلط أن صمت موظفيه دليل على نجاحه في فرض سيطرته، وأن خضوعهم الظاهري يعني قبولهم بأسلوبه. لكنه يغفل حقيقة أن بعض الصمت ليس ضعفًا، وإنما هو صبرٌ وحكمة، أو تجنبٌ للدخول في صراعات لا طائل منها.
ومع تماديه في التسلط، يظن أنه أحكم قبضته على الجميع، بينما يكون في الواقع قد راكم في نفوسهم مشاعر الإحباط والرفض. وقد نُقل عن العرب قولهم:
«اتقِ شرَّ الحليم إذا غضب»؛ فالحليم قد يصبر طويلًا، لكن إذا بلغ الأمر منتهاه، جاءت ردة فعله حاسمة، وعندها يدرك المدير المتسلط أن السلطة لا تضمن الولاء، وأن الخوف لا يصنع الاحترام.
ومن أبرز صفات المدير المتسلط أنه يُظهر احتقاره لمن يتولى إدارتهم، فيقلل من شأنهم ويستخف بقدراتهم، غير مدرك أن كلماته تكشف عن أسلوبه أكثر مما تكشف عنهم. فهو لا يحسن ضبط لسانه عند الغضب، فيطلق العبارات الجارحة والمهينة، معتقدًا أن الانتقاص من الآخرين سيعزز سلطته، وأن التقليل من شأنهم سيجعلهم أكثر خضوعًا وانقيادًا، بينما الحقيقة أن الاحتقار لا يصنع الاحترام، بل يزرع الكراهية و يهدم الثقة داخل بيئة العمل.
كما أن هذا النوع من المديرين لا يكاد يتوقف عن إصدار الأوامر والنواهي، حتى في أبسط التفاصيل، ويعد أي اعتراض خروجًا عن الطاعة. يلوّح بالعقوبات أكثر مما يقدم التشجيع، ويرفع صوته أكثر مما يستمع، ويعتقد أن الموظف الجيد هو من ينفذ الأوامر دون نقاش أو إبداء رأي.
ويعتقد المدير المتسلط، الذي يراقب كل صغيرة وكبيرة، ويحقق ويدقق في أدق التفاصيل، أن التغافل ضعفٌ لا يليق بمنصب القيادة. فيقف للموظفين بالمرصاد، يلوّح بعصا السلطة على عتبة الباب؛ حتى لو مرّت نملة لأوقفها وحقق معها، ثم قرر بعد ذلك السماح لها بالدخول أو منعها. ويظن أن هذا الأسلوب يكفي لفرض هيبته.
فالحكمة تقول: «لا تكن لينًا فتعصر، ولا صلبًا فتكسر» ويختصر المثل الشعبي ذلك بقوله: «لا تشد الحبل ولا ترخيه» فالمدير الحكيم يعرف متى يحاسب، ومتى يتغافل، لأن القيادة تُبنى على الاتزان لا على الإفراط.
وغالبًا ما يعجز عن إظهار التقدير أو الإشادة بجهود من يعملون معه، لأنه يظن أن الثناء قد ينتقص من هيبته أو يضعف سلطته.
لذلك يندر أن يسمع موظفوه كلمات التشجيع، مهما بلغ حجم إنجازهم، فيفقدون مع الوقت الحافز والشعور بقيمة ما يقدمونه.
وفي كثير من الأحيان، لا يميل هذا النوع من المديرين إلى اختيار نائب يتمتع بشخصية قوية أو كفاءة عالية أو قدرة على المبادرة، بل يفضل من لا يشكل تهديدًا لمكانته الإدارية، خشية أن يُقارن به أو أن تبرز كفاءة غيره.
وحتى يسهل السيطرة عليه هو الآخر ، وهكذا تصبح المحافظة على النفوذ الشخصي مقدمة على بناء فريق عمل قوي، فتتراجع كفاءة الإدارة ويخسر الجميع نتائج هذا الأسلوب.
هذا النوع من المديرين ما زال يعيش بعقلية “سي السيد”؛ فلا يؤمن بثقافة الحوار، ولا يقتنع بمبدأ المشاركة في اتخاذ القرار، بل يرى أن الإدارة تعني إصدار الأوامر واستقبال الطاعة. فلا صوت يعلو على صوته، ولا رأي يُقدَّم على رأيه، وكأن الكلمة الأولى والأخيرة حقٌّ حصري له لا يجوز لأحد مناقشته فيه.
إنه ينظر إلى اختلاف الرأي على أنه تحدٍّ لسلطته، وإلى المبادرة على أنها تجاوز لحدود الصلاحيات، فيقمع روح الإبداع، ويُضعف روح المبادرة، حتى يكتفي الموظفون بأداء الحد الأدنى من واجباتهم، خوفًا من اللوم أو العقاب.
وهكذا تتحول بيئة العمل إلى بيئة يسودها الصمت، لا لأن الجميع مقتنعون، بل لأنهم أدركوا أن آراءهم لن تجد آذانًا صاغية، وأن القرار قد حُسم قبل أن يبدا النقاش.
ومن سمات المدير المتسلط أنه لا يرى في الموظف المخالف مجرد صاحب رأي مختلف، بل ينظر إليه على أنه خصم ينبغي إخضاعه.
فإذا لم يذعن لطاعته، ولم يسايره في كل ما يصدر عنه من قرارات، اعتبره مصدر تهديد لسلطته، وسعى إلى كسر شوكته بكل وسيلة يملكها، سواء بالتهميش، أو حرمانه من الفرص، أو التقليل من إنجازاته، أو التضييق عليه في بيئة العمل.
وهنا تتحول الإدارة من قيادةٍ تهدف إلى تحقيق أهداف المؤسسة، إلى معركة شخصية يسعى فيها المدير إلى الانتصار لنفسه، فيدفع الجميع ثمن هذا الصراع، وتتراجع مصلحة العمل أمام الرغبة في إثبات النفوذ والسيطرة.
إن القيادة الحقيقية لا تُبنى بالخوف، ولا بالصوت المرتفع، ولا بإهانة الآخرين، وإنما تُبنى بالعدل، والاحترام، وحسن التواصل، والقدرة على اكتشاف الطاقات وتنميتها.
فالمدير الذي يصنع قادة من حوله هو الذي يترك أثرًا يبقى بعد رحيله، أما المدير الذي يصنع تابعين خائفين، فإنه يترك وراءه بيئة عمل مثقلة بالتوتر وضعف الإنتاجية وفقدان الانتماء.
فالسلطة قد تُجبر الناس على الطاعة، لكن القيادة الحقيقية وحدها هي التي تكسب القلوب والعقول، وتجعل الاحترام يأتي طواعية لارهبة.