أنس تشكالا
في حياة كل إنسان لحظةٌ يظن فيها أن كل شيء قد انتهى. مشروع لم يكتمل، أو حلم تعثر، أو طريق أغلق أبوابه، أو قرار يندم عليه صاحبه بعد فوات الأوان. وفي تلك اللحظات، لا يكون السؤال: لماذا فشلت؟ بل: هل أملك الشجاعة لأبدأ من جديد؟
ليست المشكلة في أن يتعثر الإنسان؛ فالتعثر جزء من طبيعة الحياة، وما من طريقٍ مستقيم يخلو من الحفر والمنعطفات، لكن المشكلة الحقيقية أن يتحول التعثر إلى إقامة دائمة، وأن يصبح الماضي قيدًا يمنع صاحبه من التقدم، فهناك من يخسر تجربة، ثم يخسر بعدها سنواتٍ طويلة لأنه ظل أسير تلك التجربة.
ولعل أكثر ما يخيف الإنسان في البداية الجديدة أنها تفرض عليه الاعتراف بأن ما مضى قد انتهى، وأن عليه أن يغادر منطقة اعتادها، مهما كانت مؤلمة. فالنفوس تألف ما تعرفه، حتى لو كان سببًا في تعبها، وتخشى المجهول، حتى لو كان يحمل لها فرصة أفضل.
ولهذا نرى كثيرًا من الناس يؤجلون البدايات. يؤجلون تعلم لغة جديدة لأنهم يظنون أنهم تأخروا في العمر، ويؤجلون قراءة كتاب لأنهم ينتظرون الوقت المثالي. ويؤجلون مشروعًا صغيرًا لأنهم يحلمون ببداية كاملة لا يشوبها نقص، وهكذا تمضي السنوات، لا لأن الفرص كانت غائبة، بل لأن قرار البداية كان مؤجلًا.
إن الحياة لا تكافئ الذين ينتظرون الظروف المثالية، بل الذين يحسنون العمل بما لديهم، فما من بدايةٍ خالية من التردد، ولا مشروع يخلو من الأخطاء، ولا طريق يضمن لصاحبه الوصول دون مشقة، والكمال ليس شرطًا للانطلاق، بل هو ثمرة من ثمار الاستمرار.
ومن يتأمل سير الناجحين يجد أن حياتهم ليست سلسلة من النجاحات المتصلة، وإنما سلسلة من البدايات المتكررة، كل إخفاق كان بداية لتجربة أنضج، وكل خسارة كانت درسًا لطريق أكثر وضوحًا، ولم يكن الفارق بينهم وبين غيرهم أنهم لم يسقطوا، بل إنهم لم يجعلوا السقوط نهاية الحكاية.
وليس المقصود بالبداية دائمًا أن يغير الإنسان عمله أو مكانه؛ فقد تكون البداية الحقيقية في تغيير عادة سيئة، أو إصلاح علاقة انقطعت، أو العودة إلى كتاب هجره، أو الاعتذار عن خطأ طال تأجيله، أو التوبة إلى الله بعد سنوات من الغفلة، فبعض البدايات لا يراها الناس، لكنها تغيّر حياة أصحابها كلها.
وفي القرآن الكريم تتكرر معاني الرجاء وعدم اليأس، وكأن الوحي يريد أن يعلّم الإنسان أن المستقبل لا يُبنى على أخطاء الأمس، بل على ما يفعله اليوم. فكم من إنسانٍ غيّر قرار واحد مسار حياته، وكم من صفحة جديدة كانت سببًا في تاريخ مختلف تمامًا.
غير أن البداية تحتاج إلى فضيلة قلّ الحديث عنها، وهي التصالح مع الماضي، فليس المطلوب أن نمحوه من الذاكرة، بل أن نمنعه من السيطرة على المستقبل. فالذكريات يجب أن تكون معلمًا، لا سجنًا، والدروس ينبغي أن تكون جسورًا نعبر عليها، لا جدرانًا نصطدم بها.
وقد يظن بعض الناس أن العمر قد فات، وأن قطار الفرص قد رحل، لكن التاريخ يخبرنا بعكس ذلك. فما أكثر الذين بدأوا أعظم إنجازاتهم في مراحل متقدمة من حياتهم، لأنهم أدركوا أن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد السنوات التي عاشها، بل بما يفعله فيما بقي منها.
ومن أجمل ما في البداية الجديدة أنها تعيد إلى الإنسان شعور الأمل. فالأمل ليس أمنيةً حالمة، بل قرار بأن الغد يمكن أن يكون أفضل إذا أحسن الإنسان العمل اليوم. ومن دون هذا الأمل، تتحول الحياة إلى تكرار ممل، ويصبح الإنسان أسيرًا لما كان، لا صانعًا لما سيكون.
وفي عصرٍ يطالب الإنسان بأن يكون ناجحًا منذ المحاولة الأولى، تبدو ثقافة البداية من جديد فعلًا من أفعال الشجاعة، فالإخفاق لم يعد يخيف الناس بقدر ما يخيفهم حكم الآخرين عليهم، ولهذا يتردد بعضهم في المحاولة، لا خوفًا من الفشل، بل خوفًا من أن يُقال: لقد فشل.
لكن الحقيقة أن أكثر ما يندم عليه الإنسان في نهاية المطاف ليس ما جرّبه ولم ينجح فيه، بل ما كان يستطيع أن يفعله ولم يجرؤ على البدء به أصلًا. فالفرص الضائعة تؤلم أكثر من التجارب التي لم تكتمل، لأن الأولى تبقى سؤالًا مفتوحًا: ماذا لو بدأت؟
ولذلك، فإن أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لنفسه ليس وعدًا بأن الطريق سيكون سهلًا، بل وعدًا بألا يتوقف إذا تعثر. فالحياة لا تمنح أحدًا ضمانات، لكنها تمنح دائمًا فرصة أخرى لمن يملك الإرادة.
وفي النهاية، ليست العبرة بعدد المرات التي بدأنا فيها، ولا بعدد المرات التي تعثرنا خلالها، بل بقدرتنا على ألا نفقد الرغبة في السير، فالأشجار تتجدد أوراقها كل ربيع، والأرض تحيا بعد المطر، والليل مهما طال يعقبه فجر جديد، وكذلك الإنسان؛ ما دام في قلبه أمل، وفي يده عمل، فإن كل يوم يمكن أن يكون بدايةً جديدة، وكل بداية صادقة قد تكون أجمل من كل النهايات التي خفناها.