فيصل بن محمد فياض البارودي
مع زيادة الاهتمام بمجالات الحوكمة وإدارة المخاطر والالتزام سواء كان بمفهومها التقليدي المعتمد على عمل كل وظيفة بشكل مستقل، المطبقة أو تحت التطبيق بالمفهوم التكاملي الشمولي، ومع توجه غالبية المنظمات في مختلف الصناعات والقطاعات الخدمية والربحية وغير الهادفة للربح لتطبيق أي من هذين النموذجين، ومع تعقد عمليات المنشآت وتطور أعمالها والتغير السريع بعض الأحيان في العوامل والظروف المحيطة بالمنشأة أو حتى من داخلها، والتطور المتسارع في التقنيات المستخدمة سواء في العمليات الرئيسية أو في الإجراءات الإشرافية والرقابية والتنظيمية، تبرز معضلة ارتفاع تكلفة تصميم وتنفيذ الحوكمة وإدارة المخاطر والالتزام (بأيٍ من النموذجين)، وقياس وتقييم مدى الالتزام بإطار العمل الموضوع والمنفذ وفعاليته وكفاءته.
كما أن عمليات الإشراف سواء كان المسؤول عنها الجهات العليا في المنظومة مثل مجالس الإدارة واللجان المختصة المنبثقة منها، أو من خلال الوظائف الإشرافية سواء كانت إدارات أو أفرادا يمارسون دورهم الإشرافي، تعتبر تكلفة أصيلة ضمن حوكمة المنظومة، شركة كانت أو منشأة حكومية أو غير ربحية.
بالإضافة إلى ما ذكر آنفاً تعتبر الرقابة الداخلية، ومنها المراجعة الداخلية مصدراً آخراً للتكاليف، تقاس مدى فعاليتها وكفاءتها بمقارنة تكاليفها التأسيسية والتشغيلية مع مخرجات أعمالها ومدى جودة تقاريرها التي أضافت قيمة للمنشأة ووضعت التوصيات المناسبة لإدارة المنشأة إما بخطرٍ سلطت الضوء عليه، أو بفرصة مناسبة يمكن اقتناصها، أو انحرافاً عن الالتزام بالوفاء بنظام أو لائحة أو معايير مهنية ومحاسبية أو بالالتزامات التعاقدية، قد تكون لها تبعات بالغة الأثر إما في السمعة أو استمرار وجودها، ومع ذلك يبقى هناك دور كبير لإدارة المنشأة التنفيذية في معالجة الملاحظات وتطبيق التوصيات الواردة من المراجعة الداخلية.
وترتفع التكلفة إضافة إلى ما ذكر آنفاً عندما تكون هذه الوظائف غير مفعلة التفعيل المناسب، وكذلك عندما لا تُمَكَّن التمكين اللازم ويبقى وجودها في المنظومة حبراً على ورق، دون مساهمتها في المنظومة بشكل فاعل ولا تعطى لها المساحة الكافية والصلاحيات اللازمة لممارسة دورها بفعالية وكفاءة.
كما نعلم أن هناك توازناً يجب أن يؤخذ في الاعتبار بين تكاليف الرقابة والضبط والإشراف وبين العائد المتحصل أو المتوقع تحصيله أو الفائدة المرجوة من هذه التكاليف التي تتكبدها المنشأة، وهذا المبدأ أصيل ينطبق على جميع مناحي حياتنا اليومية، ولتبسيط الفكرة لا مبرر لقبول تكاليف إجراء صيانة بمبلغ خمسة آلاف ريال لآلة عد النقود القديمة المتقادمة تقنياً أو فنياً، لدى أمين الصندوق في إحدى الجهات الحكومية، الذي أصبحت معظم العمليات النقدية لديه تتم من خلال الحوالات أو أجهزة نقاط البيع، في حين يمكن إحلال هذا الجهاز بجهاز جديد آخر بقيمة ألفي ريال لمواجهة الحالات الاستثنائية، فهنا نجد أن العائد المتوقع أو الفائدة المتوقعة من هذه الصيانة لن تكون بنفس مستوى الفائدة المرجوة من الجهاز الجديد الحديث تقنياً وبمواصفات أفضل وبسعر أقل.
وهكذا الحال بالنسبة للحوكمة وإدارة المخاطر والالتزام والإشراف والرقابة قد تكون الحلول الموضوعة غير مناسبة للمنشأة، والتي قد تتدخل في وضعها إدارات نافذة في المنظومة يؤدي بالنتيجة إلى عدم فعاليتها وكفاءتها على المستوى المؤسسي.
وحتى تكون وظائف الحوكمة وإدارة المخاطر والالتزام (بغض النظر عن النموذج المستخدم) والإشراف والرقابة فعالة وكفؤة لا بد من التوازن الملائم بين تكاليفها التأسيسية والتشغيلية، وبين العائد أو الفائدة المنشودة من وجودها لا بد من التركيز على النقاط التالية:
تخفيض أو تحييد أو نقل المخاطر الاستراتيجية والتشغيلية والمالية والتقنية، وتخفيض الأثر السلبي لها على المنشأة الذي يفوق تكاليف الإجراءات والضوابط الموضوعة حيز التنفيذ.
المحافظة على استمرارية عمل المنشأة وعدم انقطاع أعمالها خاصة تلك التي تقدم منتجات أو خدمات عالية الأهمية، يؤثر انقطاعها بشكل ملموس أو جوهري سواء على الأفراد أو الكيانات الاقتصادية.
التكاملية فيما بين الوظائف التنظيمية والإشرافية والرقابية (الخط الثاني) والمراجعة الداخلية (الخط الثالث) ضمن نموذج الخطوط الثلاثة، بما يؤدي إلى توزيع جهود هذه الوظائف لتغطية أكبر قدر ممكن من خدمات التأكيد، وكذلك تجنب ازدواجية الأعمال والجهود في تنفيذ عمليات تأكيدية متكررة على نفس الوحدات التنظيمية و/أو العمليات التشغيلية في نفس الفترة الزمنية أو الدورة التشغيلية.
العمل على رفع الوعي بأهمية تنظيم الوظائف التشغيلية والمساندة والقيام بأنشطتها التشغيلية، مدفوعة بتحقيق أهداف المنشأة وتحقق تطلعات المجتمع، ضمن بيئة أخلاقية وسلوكية جيدة تنظيماً وتطبيقاً تحافظ على حقوق أصحاب المصلحة، مع إدارة مخاطر على مستوى وظائف المنشأة بشكل متكامل ينعكس على المستوى المؤسسي إيجابياً، مع الالتزام التام بالأنظمة والتعليمات والمعايير المحاسبية والمالية والمهنية، والوفاء بالالتزامات التعاقدية.
تعزيز تطبيق أفضل ممارسات الرقابة الذاتية، ودمج الحوكمة وإدارة المخاطر والالتزام، والضوابط والرقابة الداخلية، ضمن عمليات الوظائف الرئيسية والمُمَكِّنة، بما يؤدي إلى تعزيز مبادئ المساءلة والمحاسبة للمسؤوليات الملقاة على عاتق كل فرد ضمن المنشأة والصلاحيات الممنوحة له للقيام بهذه المسؤوليات.
والسؤال المطروح هنا؛ هل نحن بحاجة إلى جهة وطنية مستقلة على غرار الديوان العام للمحاسبة ويتكامل معه ومع هيئة الرقابة ومكافحة الفساد (نزاهة) ومجلس المخاطر الوطنية، والمركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة (أداء)؟ يُعنى برسم المنهجيات الملائمة للحوكمة والمخاطر والالتزام والإشراف والرقابة والمراجعة الداخلية، ويطبقها على المنشآت الحكومية، كما يعنى بتقييم أداء المنشآت حيال المحاور آنفة الذكر وتطبيق مدونة أخلاقيات وسلوكيات العمل في كافة المنشآت بما يتوافق مع مدونة قواعد السلوك الوظيفي وأخلاقيات الوظيفة العامة الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم 555 في 25-12-1437هـ، والتي تعتبر منهجاً أخلاقياً وأساساً لتقييم مستوى النضج الأخلاقي والسلوكي في المنشأة وتقويم الممارسات غير الصحيحة، ومحاسبة ومساءلة عن أي انحراف في تطبيق هذه اللائحة، كما تدخل ضمن مؤشرات أداء الأجهزة والمنشآت الحكومية لدى المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة (أداء).