د. ياسين علي محمد عزي
لا تمضي المملكة إلى المستقبل تاركةً ذاكرتها وراءها. فحين تُخضع أنظمتها العبث بمواقع التراث الثقافي وتشويه مكوناته والإضرار بها للمساءلة، فإنها لا تحمي أثرًا نجا من تقلبات الزمن فحسب، بل تصون حق الإنسان السعودي في أن يعرف حكايته كما صنعتها الأجيال، ثم يضيف إليها وهو واثق بأصله، مدرك لوجهته.
لهذا لم تعد الثقافة في زمن رؤية المملكة 2030 شأنًا يأتي بعد اكتمال العمران، ولا زينة تُضاف إلى التنمية؛ إنها ما يمنح العمران معناه، ويصل التحول بالإنسان الذي يُبنى من أجله. فالوطن لا يزداد حداثة حين يتخفف من ذاكرته، وإنما حين يحسن حملها إلى الغد، ويمنح كل منطقة من مناطقه مجالًا لتروي ما أضافته أرضها وأهلها إلى الهوية السعودية الجامعة.
جازان صورة حية لهذا الامتداد الوطني. هنا لم يغادر الموروث حياة الناس حتى يحتاج إلى استدعاء؛ ما زال حاضرًا في الحقل والبحر، والبيت والمجلس، والأزياء والحرف، والقصائد والأهازيج، وفي طعام لا يحمل نكهته وحدها، بل يستبقي دفء البيوت وذاكرة الأمهات وكرم المجالس. تتبدل الصورة من السهل إلى الجبل، ومن الساحل إلى الجزر، غير أن صلة الإنسان بأرضه تظل الخيط الذي يجمعها.
من قلب هذه الصلة تُقرأ عناية الأمير محمد بن عبدالعزيز بن محمد بن عبدالعزيز، أمير منطقة جازان، بالمشهد الثقافي والتراثي. فقد عرف سموه المنطقة قبل أن يتولى إمارتها، واقترب من محافظاتها وأهلها وتفاصيلها خلال عمله نائبًا لأميرها؛ لذلك لم تكن الجغرافيا لديه حدودًا إدارية أو موارد تنتظر الاستثمار وحدها، بل حياةً صاغت عمارتها وفنونها وحرفها ومواسمها وأصواتها.
هنا يلتقي مفهوما الجغرافيا القيادية والقيادة الثقافية في تجربة واحدة. فالأولى تحسن قراءة ما وهبته الأرض لجازان من فرص، أما الثانية فتصون ما نسجه الإنسان فوقها من قيم وذاكرة وجمال.
توسع إحداهما قدرة المكان على التقدم، وتحفظ له الأخرى روحه وهو يتقدم. وفي اجتماعهما تظهر قيادة لا ترى التنمية أرقامًا ومشروعات فحسب، بل أثرًا ينبغي أن يبقى في الإنسان بعد أن تؤدي الأرقام وظيفتها.
هذا الفهم من صميم النهج الذي تمضي عليه المملكة في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ورؤية سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، حفظهما الله. فقد عادت الثقافة إلى قلب مشروع بناء الإنسان، وغدا التراث موردًا للهوية، ومجالًا للإبداع والاقتصاد وجودة الحياة. والمملكة، وهي تقدم نفسها إلى العالم، تمنح ما تختزنه مناطقها من تنوع مجالًا أرحب للحضور والتعبير، ليصبح لكل أرض صوتها داخل وطن تتعدد ملامحه وتتحد هويته ووجهته.
في جازان يلامس هذا المعنى تفاصيل الحياة مباشرة. نحن لا نقف خارج الموروث لنصفه، بل نعيش في امتداده ونتجمل به. نسمعه في إيقاع يتغير كلما انتقلنا من السهل إلى الجبل أو اقتربنا من البحر، ونراه في الأزياء المحلية، وفي الحرف التي بقيت خبرتها حية في أيدي أهلها، وفي البيوت والمجالس وتفاصيل الحياة الصغيرة. نتذوقه في أطعمة تختزن حكايات البيوت، ونعيشه في مواسم ما زالت تجمع الناس كما جمعت من سبقهم. لذلك تصبح حمايته وفاءً لجزء حي من الحاضر، كي يعبر إلى الغد محتفظًا بصدقه وصلته بأهله.
جبال جازان وسهولها وسواحلها وجزرها ليست مشاهد متجاورة على خريطة واحدة. لكل بيئة أثر في الإنسان الذي عاشها، وفي البيت الذي بناه، والمهنة التي مارسها، والأغنية التي رددها، والخطوة التي أداها في فرحه. ومن مجموع هذه الصلات تتكون جازان؛ مدينة وقرية، جبلًا وساحلًا، جزيرة وواديًا، وجوهًا متعددة لروح واحدة.
من هذه البيئات وُلد أكثر من خمسة وثلاثين لونًا أدائيًا وفلكلوريًا. لم تُبتكر تلك الألوان في قاعات التدريب، بل خرجت من مواسم الزراعة، ومهن البحر، والأعياد، والمناسبات الاجتماعية، ومن اللحظات التي احتاج فيها الناس إلى صوت يجمعهم وحركة تعبّر عن فرحهم أو شجاعتهم أو تآزرهم.
الفنون الشعبية في جازان صفحات من تاريخ أهلها الاجتماعي، لا عروض منفصلة عن أصحابها. في إيقاعها أثر العمل، وفي حركتها صورة الجماعة، وفي ألفاظها قيم الناس ونظرتهم إلى الحياة. وحين تؤدى اليوم، لا يعود الماضي ليكرر نفسه، وإنما يحضر شيء من المعنى الذي جمع الأجداد في ساحات القرى وبيوتها ومواسمها.
للسهل إيقاعه، وللجبل نبرته، وللبحر فنون تشبه الصيادين في انتظارهم وعودتهم. ولا تفرق هذه الأصوات جازان، بل تمنحها رحابتها؛ فهي تتحدث بأكثر من لحن مع احتفاظها بملامحها الجامعة وموقعها داخل الهوية الوطنية. الجغرافيا هنا ليست خلفية للفن، بل أحد منابعه الأولى، والفن ليس زينة للمشهد، وإنما لغة حفظت علاقة الإنسان ببيئته، وأعادت روايتها جيلًا بعد جيل.
غير أن ما توارثته القلوب والأيدي لا يستمر بالعاطفة وحدها. يحتاج إلى وعي يصونه من الاختزال، ومؤسسات تعرف الفرق بين تقديمه وتجريده من معناه، ولغة تقرّبه من الجيل الجديد من غير أن تحوله إلى صورة ساكنة. وتلك إحدى مهمات القيادة الثقافية: أن تهيئ بين الماضي والحاضر معرفةً متبادلة؛ فيفهم الجديد أصله، ويجد القديم طريقه إلى زمن مختلف.
علاقة سمو أمير منطقة جازان بهذا العالم لم تبدأ يوم تولى إمارة المنطقة. فقد عرف جازان نائبًا لأميرها، واقترب خلال تلك السنوات من مجتمعها ومحافظاتها وملفاتها ورموزها. وحين يتولى القائد مسؤولية مكان عرفه طويلًا، لا يبدأ من اسمه المكتوب على الخريطة، بل من معرفة صاغتها المشاهدة واللقاء والوقوف على التفاصيل.
من الشواهد المبكرة على هذا القرب استقباله فريق مشروع مسح المواقع الأثرية في واديي مطر وشامي بجزر فرسان، واطلاعه على أعمال البعثة السعودية الفرنسية في البحث والتوثيق، وتأكيده أهمية الآثار في حياة الشعوب. كما زار القرية التراثية بمدينة جيزان، وتنقل بين البيت الجبلي والعشة والبيت التهامي والبيت الفرساني والسوق الشعبية.
لم تكن تلك الجولة انتقالًا بين أجنحة عرض، بل مرورًا على البيئات التي كوّنت جازان: بيت صنعته طبيعة الجبل، وآخر صاغته سهول تهامة، وعمارة فرسانية حملت أثر البحر، وسوق تحتفظ الملابس والحلي والبضائع فيه بشيء من عادات الناس وأذواقهم. وحين تجتمع هذه العناصر، تبدو القرية التراثية صورةً مصغرة للمنطقة، تتجاور فيها أنماط العيش كما تتجاور بيئاتها في الواقع.
لا ترد هذه الوقائع استقصاءً لما رعاه سموه من مناسبات ومبادرات؛ فالمشهد أوسع من أن تحيط به أمثلة محدودة. إنها شواهد على عناية ممتدة، بدأت من أثر مدفون في الأرض، ومرت بالبيت والحرفة والسوق، ثم اتسعت لتشمل الشعراء والمؤسسات والمواسم. لذلك يبدو اهتمام سموه بالتراث وفاءً لعلاقة نمت مع السنوات، وازدادت رسوخًا كلما اتسعت المسؤولية، لا استجابة لاتجاه ثقافي عابر.
خصوصية الأرض لا تُعرف من التقارير وحدها. لا بد من معرفة ما يعنيه البيت الجبلي لأهله، وما تختزنه العشة من ذكريات، ولماذا يصير موسم في البحر جزءًا من هوية جزيرة، وكيف تستطيع قصيدة أن تختصر وجدان منطقة بأكملها. وحين يعرف القائد هذه التفاصيل، تصبح الثقافة جزءًا من طريقته في فهم المكان، لا ملفًا منفصلًا عن تنميته.
تمنح صلة سموه بالكلمة وحضوره الشعري الوطني هذه العلاقة بعدًا آخر. ولا يعني ذلك أن التجربة الشخصية تحل محل القرار المؤسسي، غير أن من عرف الشعر يدرك أن الكلمة لا تقف على هامش حياة الناس، وأن القصيدة قد تحفظ من روح المجتمع ما لا تحفظه الأرقام، وأن المبدع لا يضيف نصًا فحسب، بل يفتح للناس نافذة يرون منها أنفسهم.
لا يكتمل الحديث عن الذاكرة الأدبية لجازان من دون الأديب والشاعر حجاب بن يحيى الحازمي؛ فقد تجاوز حضوره كتابة القصيدة إلى تتبع تاريخ الشعر في المنطقة وحفظ أسماء شعرائها ومساراتهم عبر القرون. ويأتي كتابه «الشعر والشعراء في جازان خلال ثمانية قرون» في مقدمة الأعمال التي جمعت شواهد ذلك التاريخ، ووصلت ما تفرق من أخباره، وردّت إلى المشهد الأدبي عمقه وامتداده. ارتبط اسمه كذلك بالتعليم والعمل الثقافي المؤسسي، وتولى رئاسة نادي جازان الأدبي سنوات طويلة، ومثّل الأدب السعودي في محافل عربية، فجمع بين الإبداع وخدمة البيئة التي أنجبته.
إلى جوار هذه المسيرة يحضر ابنه الدكتور حسن بن حجاب الحازمي مفكرًا وأديبًا وأكاديميًا له صوته المستقل وإسهامه في الفكر والثقافة والعمل الوطني. ولا تقوم قيمة هذه الصلة على توارث الاسم، بل على امتداد المعرفة بين جيلين، لكل منهما تجربته ومساره، وإن جمعتهما عناية عميقة بالكلمة وإيمان بدورها في بناء الوعي.
وقد حظيت مسيرة حجاب الحازمي بالتقدير في عهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن ناصر بن عبدالعزيز، بما يضع ذلك التكريم ضمن عناية ممتدة برموز جازان عبر قيادات المنطقة. فالرعاية الثقافية لا تبدأ من مناسبة منفردة، ولا تنقطع بتغير المراحل؛ إنها تتراكم حين يعرف كل عهد ما تسلمه من ذاكرة، ويصون ما أنجزه السابقون، ثم يهيئ للمبدعين والمؤسسات والأجيال الجديدة مجالًا أوسع للإضافة.
وفي هذا الامتداد تأتي عناية الأمير محمد بن عبدالعزيز بالشعراء والمبدعين والمؤسسات الثقافية والحرف والمواسم؛ لا بداية منفصلة عما سبق، بل فصلًا جديدًا في نهج يحفظ للمنطقة رموزها، ويجعل الوفاء لمن خدموا ثقافتها جزءًا من رعاية المكان نفسه.
ولا ترد هذه الأسماء حصرًا لما أنجبته جازان من مفكرين وأدباء وشعراء؛ فذاكرتها أوسع من أن تختزلها أمثلة محدودة. إنما تحضر شواهد على تنوع الأثر: أديب حفظ تاريخ الشعر، ومفكر واصل خدمة الكلمة من موقعه الخاص، وشاعر حمل صوت المنطقة إلى محفل وطني، ورمز امتدت قصيدته حتى سكن اسمه مسرحًا. ومن وراء هذه الأسماء يقف مشهد ثري بأجياله وتجاربه، أسهم في الثقافة السعودية وما زال يضيف إليها.
من صور هذه العناية استقبال سموه، حين كان أميرًا لمنطقة جازان بالنيابة، الشاعر محمد بن إبراهيم يعقوب بعد فوزه بلقب «شاعر عكاظ». هنأه بما حققه، وأشاد بما تزخر به المنطقة من أدباء ومثقفين ومواهب في الشعر والأدب، وحث شبابها على مواصلة الإبداع، وأطلق عليه لقب «شاعر جيزان».
كان اللقاء احتفاءً بشاعر، وفي الوقت نفسه احتفاءً بجازان القادرة على أن يصل صوتها إلى عكاظ. وحين يحظى المنجز الأدبي بهذا التقدير، لا يبقى نجاحًا فرديًا محصورًا في صاحبه، بل يتحول إلى مصدر ثقة ورسالة إلى الشباب بأن طريق الكلمة أحد طرق تمثيل الوطن وخدمته.
وفي صورة أخرى من الوفاء للمبدعين، رعى سموه الأمسية التي نظمتها جمعية أدبي جازان للشاعر والأديب حسن أبو علّة. وهو ابن بيش، وصاحب تجربة شعرية طويلة استمدت كثيرًا من وهجها من البيئة الجنوبية، وقدمتها بلغة عربية رصينة. جمع بين الشعر والتربية، وشارك في مناسبات ثقافية داخل المملكة وخارجها، وظل على مدى عقود أحد الأصوات التي أضافت إلى حضور جازان الشعري.
لم ينته الاحتفاء عند الإشادة بسيرته؛ فقد أعلن سمو أمير المنطقة إطلاق اسمه على مسرح مركز الأمير سلطان الحضاري بجازان. وفي تلك اللحظة خرج التكريم من زمن الأمسية إلى عمر المكان. فالكلمات التي تقال في المناسبات تظل مرتبطة بلحظتها، أما الاسم حين يسكن مسرحًا، فيعود مع كل شاعر يقف على منصته، وكل فنان يضيء فضاءه، وكل جيل يدخل المكان ويسأل عن صاحب الاسم ومسيرته.
لا تحفظ التسمية اسم شاعر معزول عن مجتمعه، بل تحفظ أثرًا شارك في تشكيل ذائقته، وتمنح المسرح ذاكرة خاصة؛ فلا يبقى قاعة محايدة للعروض، بل يصير فضاءً يصل كل فعالية جديدة بتاريخ من الشعر والكلمة.
الأوطان الواثقة من مستقبلها لا ترى الوفاء لمبدعيها التفاتًا إلى الوراء؛ فهي تعرف أن الغد يفقد جانبًا من معناه حين ينسى من أسهموا في صياغة وجدانه. لذلك لا تكتفي بالشكر العابر، بل تمنح الأثر موضعًا في الحياة العامة، ليبقى الرمز قريبًا من الأجيال، لا اسمًا بعيدًا في سجل أدبي.
وبين استقبال محمد يعقوب بعد تتويجه، وإطلاق اسم حسن أبو علّة على مسرح مركز الأمير سلطان الحضاري، تمتد علاقة ترى المبدع في لحظة إنجازه، وتحفظ الرمز بعد أن يراكم أثره. لكن الثقافة لا تعيش بمن بلغوا وحدهم؛ فهي تحتاج كذلك إلى مكان يفتح بابه لمن لا يزالون في أول الطريق.