د. يحيى جابر
تطورت المملكة العربية السعودية اليوم تطورا كبيرا في كافة المجالات حتى أصبحت وشعبها من نخبة دول العالم، فحجم التحول الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والتقني الذي شهدته البلاد جعل من الإنسان السعودي أحد أهم عناصر التحول الوطني، وأصبح الاستثمار في المواطن لا يقتصر على تعليمه أو توظيفه، بل يمتد إلى تمكينه من صناعة المعرفة ونقلها وتطويرها، ومن هنا تبرز أهمية إعادة النظر في قطاع التدريب، ليس من زاوية التوطين بوصفه مجرد نسبة أو رقم، وإنما باعتباره صناعة وطنية للمعرفة والخبرة والمهارة، فالمعهد التدريبي لا يمنح المتدرب شهادة أو دورة فقط، بل يسهم في تشكيل طريقة تفكيره، وفهمه لسوق العمل، وقدرته على التعامل مع مجتمعه ومؤسساته وتحدياته، ولذلك فإن وجود المدرب السعودي المؤهل داخل معاهد التدريب يمثل قيمة تتجاوز الوظيفة نفسها إلى بناء سلسلة متصلة من نقل الخبرة من سعودي إلى سعودي، ومن تجربة وطنية إلى جيل جديد من أبناء الوطن، وهذه الفكرة لا تعني التقليل من خبرات المدربين من مختلف الجنسيات، فالكفاءات العالمية كانت وما زالت شريكًا مهمًا في مسيرة التنمية، وإنما تعني أن التطور الكبير الذي وصلت إليه المملكة يستدعي الاستفادة بصورة أكبر من الكفاءات الوطنية التي أصبحت تمتلك مؤهلات وخبرات وتجارب مهنية متقدمة، وتعرف طبيعة المجتمع السعودي واحتياجاته وتحدياته بصورة مباشرة، وهذه في رأيي ليست دعوة إلى إغلاق أبواب التدريب أمام الخبرات العالمية، بل دعوة إلى جعل الخبرة السعودية في موقعها الطبيعي داخل منظومة التدريب الوطني الأكثر تأهيلا ووعيا وإحساسا بالوطن، وتكشف الأرقام حجم القطاع التدريبي وأهمية التأثير الذي يمكن أن يحدثه المدرب في هذه المنظومة، فقد أعلنت المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني أن عدد المتدربين والمتدربات في مختلف منشآتها التدريبية بلغ 336150 متدربًا ومتدربة خلال عام 2024م، فيما بلغ عدد الخريجين 98716 خريجًا وخريجة، ونفذت البرامج من خلال 314 منشأة تدريبية موزعة على مناطق المملكة، وهذا الحجم الكبير يعني أن الحديث عن المدرب ومعهد التدريب ليس حديثًا عن قطاع محدود التأثير، بل عن منظومة تمس مئات الآلاف من المواطنين سنويًا، وتشارك بصورة مباشرة في إعداد القوى البشرية التي يحتاجها الاقتصاد السعودي، «المصدر، المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، المملكة العربية السعودية، 2025م»، ومن هنا فإن رفعنسبة مشاركة الكفاءات الوطنية المؤهلة في التدريب يمكن أن يتحول إلى أداة إستراتيجية لنقل المعرفة داخل المجتمع السعودي، خصوصًا إذا اقترنت عملية التوطين بمعايير صارمة للاعتماد والتخصص والخبرة وقياس جودة الأداء، بما يمكن الخبرات السعودية من التدريب نظراً لمؤهلاتهم العالية وتطورهم وتطور بلدهم السعودية، والأهم من ذلك أن المملكة لا تعاني من غياب الكفاءات السعودية القادرة على ممارسة التدريب، فقد أوضحت المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني أن عدد المدربين والمدربات السعوديين الحاصلين على بطاقة «مدرب معتمد» بلغ 4557 مدربًا ومدربة خلال عام 2024م، وأكدت المؤسسة أن البطاقة تتيح لحاملها تنفيذ الدورات والبرامج التدريبية في منشآت التدريب الأهلية، وأن من شروط الحصول عليها أن يكون المتقدم سعوديًا وحاصلًا على درجة البكالوريوس أو الدبلوم المدعوم بالخبرة، مع الالتزام بالتدريب في المجالات المرخص له فيها ومن خلال منشأة تدريبية مرخصة، «المصدر، المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، المملكة العربية السعودية، 2025م»، وهذه الأرقام تقدم شاهدًا عمليًا على وجود قاعدة وطنية من المدربين المؤهلين يمكن تطويرها وتوسيعها، ولذلك فإن السؤال الحقيقي في المرحلة المقبلة لا ينبغي أن يكون، هل لدينا مدربون سعوديون؟ وإنما، كيف نرفع عددهم، ونوسع تخصصاتهم، ونمنحهم فرصًا أكبر، ونضمن أن أفضل الكفاءات السعودية تتجه إلى التدريب؟، ومن وجهة نظري، فإن المدرب السعودي يمتلك ميزة لا يمكن تجاهلها، وهي المعرفة المباشرة بالمجتمع الذي يدرب أبناءه، فهناك فرق بين أن تقدم مهارة عامة، وبين أن تقدم المهارة نفسها وأنت تدرك طبيعة سوق العمل السعودي، وثقافة المنشآت السعودية، وطبيعة المتدرب السعودي، وتحديات المدن والمناطق المختلفة، والفرص التي تتيحها رؤية المملكة 2030، فالمعرفة المهنية وحدها مهمة، لكن المعرفة المهنية المرتبطة بالسياق المحلي أكثر قدرة على تحويل المعلومة إلى ممارسة، وهذا لا يعني أن المدرب الأجنبي لا يستطيع فهم المجتمع السعودي أو النجاح فيه، بل يعني أن وجود المدرب السعودي المؤهل يمنح التدريب بعدًا محليًا أصيلًا ينبغي ألا يكون هامشيًا في منظومة بهذا الحجم.وتؤكد بيانات سوق العمل أن التحولات التي شهدتها المملكة في السنوات الأخيرة لم تكن تحولًا محدودًا، فقد بلغ معدل البطالة بين السعوديين 7.2 في المائة في الربع الرابع من عام 205م، مقتربًا من مستهدف رؤية المملكة 2030 البالغ 7 في المائة، كما بلغ معدل مشاركة السعوديين في القوى العاملة 49.5 في المائة خلال الربع نفسه، «المصدر، الهيئة العامة للإحصاء، المملكة العربية السعودية، إحصاءات سوق العمل للربع الرابع من عام 2025م»، وهذا التحسن في مؤشرات سوق العمل يعني أن الاقتصاد السعودي أصبح أكثر قدرة على استيعاب المواطنين، لكنه في الوقت نفسه يفرض مسؤولية أكبر على منظومة التدريب، لأن انخفاض البطالة وزيادة المشاركة الاقتصادية لا يتحققان بالتوظيف وحده، وإنما يحتاجان إلى تدريب مستمر يرفع قدرة المواطن على المنافسة والتطور والانتقال بين المهن والقطاعات، وتظهر قيمة التدريب بصورة أوضح عندما نعرف أن مشاركة الإنسان في التعليم والتدريب لا تنتهي عند مرحلة الدراسة النظامية، فقد بينت نتائج إحصاءات المهارات والتعلم في المملكة أن نسبة السكان من عمر 15 إلى 64 سنة الملتحقين بالتعليم والتدريب الرسمي وغير الرسمي بلغت 29.23 في المائة، كما بلغت نسبة الشباب من 15 إلى 24 سنة الملتحقين بالتعليم والتدريب الرسمي وغير الرسمي 60.45 في المائة، وأظهرت النتائج كذلك أن المشاركة في التدريب ترتفع كلما ارتفع مستوى التحصيل العلمي، إذ بلغت مشاركة السكان من 25 سنة فأكثر من الحاصلين على التعليم العالي في التدريب 77.06 في المائة، «المصدر، الهيئة العامة للإحصاء، المملكة العربية السعودية، إحصاءات المهارات والتعلم، 2024م»، وهذا يعكس أن التدريب أصبح جزءًا من رحلة التطور المهني، وليس مرحلة مؤقتة تسبق الحصول على الوظيفة فقط، ومن هنا تصبح سعودة معاهد التدريب، إذا نُفذت بطريقة احترافية، جزءًا من مشروع أكبر عنوانه «توطين المعرفة»، وتوطينها ليس للمجاملة أو سد فراغ إنما استثمار واستفادة من مؤهلات عالية متفوقة وطنية ومخلصة، فالوظيفة عندما يشغلها سعودي مؤهل تحقق دخلًا للمواطن، لكن المدرب السعودي يستطيع أن ينتج أثرًا مضاعفًا، لأنه لا يستفيد هو وحده من خبرته، وإنما ينقلها إلى عشرات أو مئات المتدربين، وهؤلاء ينقلونها بدورهم إلى منشآتهم ومؤسساتهم ومجتمعاتهم، ولذلك فإن العائد من المدرب المؤهل يمكن أن يكون أكبر من العائد المباشر من الوظيفة نفسها، لأن المعرفة تتكاثر عندما تنتقل، وهنا يجب التفريق بين سعودة التدريب وسعودة الاسم فقط، فليس الهدف أن يوضع مدرب سعودي أمام المتدربين لمجرد تحقيق نسبة توطين، ثم تكون المادالعلمية والمحتوى وأساليب التدريب والممارسات المهنية مستوردة بالكامل دون تطوير، بل المطلوب هو بناء مدرب سعودي حقيقي يمتلك المؤهل العلمي، والخبرة المهنية، والمهارة التدريبية، والقدرة على البحث والتحديث، وفهم أدوات التدريب الحديثة، والقدرة على تقييم المتدربين وقياس أثر التدريب، ولذلك يجب أن تكون جودة المدرب السعودي هي المعيار الأول في إطار سياسة التوطين التي تمنح الأولوية للكفاءة الوطنية المؤهلة.
والتجربة السعودية في التوطين خلال السنوات الماضية تؤكد أن التوطين أصبح سياسة واسعة في سوق العمل ومهمة، فقد أصدرت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية قرارات لتوطين عدد من المهن والقطاعات، ومن الأمثلة قرار توطين المهن الهندسية بنسبة 25 في المائة الذي بدأ تطبيقه في يوليو 2024م، مع توفير برامج دعم للاستقطاب والتدريب والتأهيل والتوظيف والاستمرار الوظيفي، «المصدر، وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، المملكة العربية السعودية، 2024م»، كما اتجهت الدولة في قطاعات أخرى إلى توطين المهن والاستفادة من الكفاءات الوطنية مع وضع برامج تدريب ودعم تساعد المنشآت على الانتقال إلى النسب المطلوبة، وهذا يؤكد أن التوطين في فلسفته الحديثة لا يقوم على استبدال الموظف فقط، بل على بناء قدرة وطنية مستدامة، ومن الشواهد المهمة أيضًا أن قرارات التوطين الحكومية لم تكتفِ في بعض القطاعات بزيادة أعداد السعوديين، بل ربطت التوطين بالتدريب ونقل المعرفة، فقد تضمنت متطلبات توطين عقود التشغيل والصيانة في الجهات العامة خططًا تدريبية وتطويرية للموظفين السعوديين، مع متابعة الأداء والتطور الوظيفي ونقل المعرفة، «المصدر، وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، المملكة العربية السعودية، قرار توطين عقود التشغيل والصيانة في الجهات العامة، 2021م»، وهذه الفكرة جديرة بالتطبيق بصورة أوسع في قطاع التدريب نفسه، لأن المدرب السعودي لا ينبغي أن يكون مجرد مستفيد من قرار التوطين، بل ينبغي أن يكون جزءًا من منظومة نقل المعرفة الوطنية، كما أن وجود 151326 متدربًا ومتدربة التحقوا بالأكاديميات العالمية في الكليات التقنية خلال عام 2024م يمثل مثالًا مهمًا على أن المملكة لا تتجه إلى الانغلاق عن الخبرة العالمية، بل تستفيد منها داخل منظومتها الوطنية، فقد أوضحت المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني أن هذه الأكاديميات تعمل بالشراكة مع جهات وشركات عالمية متخصصة لتقديم برامج وتطوير المقررات وتشغيل الأكاديميات ورفع جودة التدريب وإكساب المتدربين المهارات وفق أحدث الممارسات العالمية، «المصدر، المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، المملكة العربية السعودية، 2024م»، وهنا تظهر قضية مهمة، وهي أن المدرب السعودي ليس فقط ناقلًا للمعرفة، بل يمكن أن يكون منتجًا لها، فالمملكة تمر بتحولات متسارعة في التقنية، والسياحة، والصناعة، والطاقة، والخمات اللوجستية، والإعلام، والقطاع غير الربحي، والاقتصاد الرقمي، وغيرها من المجالات، وكل قطاع من هذه القطاعات يحتاج إلى خبراء قادرين على تحويل التجربة السعودية إلى محتوى تدريبي، ودراسات حالة، ونماذج عمل، وأمثلة محلية، وهذا لن يتحقق بالشكل الكافي إذا بقيت عملية إنتاج المحتوى التدريبي معتمدة بصورة كبيرة على نماذج خارجية، ومن المهم كذلك ألا ننظر إلى السعوديين على أنهم سوق للوظائف فقط، بل باعتبارهم رأس مال بشريًا قادرًا على إنتاج الوظائف والمعرفة، فقد أكدت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية أن برامج المهارات الوطنية تزود الشباب السعوديين بالخبرات اللازمة للقطاعات عالية النمو مثل التقنية والهندسة والمالية والرعاية الصحية، كما أشارت إلى أن صندوق تنمية الموارد البشرية أسهم في توظيف نحو 143 ألف مواطن ومواطنة في منشآت القطاع الخاص خلال الربع الأول من عام 2025م، واستثمر 1.83 مليار ريال في برامج التدريب والتمكين والإرشاد خلال الفترة نفسها، «المصدر، وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، المملكة العربية السعودية، 2026م»، وهذه المؤشرات تؤكد أن بناء المهارات الوطنية أصبح محورًا أساسيًا في سوق العمل، ومن الطبيعي أن يكون المدرب السعودي جزءًا رئيسًا من هذا البناء، ولا يمكن تجاهل الجانب الاجتماعي والثقافي في التدريب، فالمعهد التدريبي ليس مصنعًا للمهارات الفنية فقط، بل بيئة يتعلم فيها الإنسان الانضباط، والعمل الجماعي، والقيادة، والتواصل، والمسؤولية، وأخلاقيات المهنة، وفهم بيئة العمل، وحب هذا الوطن الذي ينتمي إليه، وهذه الجوانب تتأثر بالسياق الثقافي والاجتماعي، ولذلك فإن المدرب السعودي المؤهل يستطيع أن يقدم هذه المفاهيم من داخل التجربة المحلية، وأن يربطها بسلوكيات المجتمع وسوق العمل السعودي، دون أن يعني ذلك أن المدربين من الجنسيات الأخرى عاجزون عن تقديمها، وإنما المقصود أن وجود الخبرة المحلية في هذه المجالات يمثل قيمة إضافية، وفي رأيي، فإن سعودة معاهد التدريب يجب أن تبدأ وبقوة وأهمية، ومن المعاهد التي تقدم برامج مرتبطة باحتياجات المجتمع وسوق العمل المحلي، ثم تتوسع تدريجيًا وفق توافر الكفاءات، مع وضع تصنيف واضح للمدربين، بحيث يحصل المدرب السعودي على فرصته بناءً على مؤهله وخبرته واعتماده وجودة أدائه، وليس لمجرد كونه سعوديًا، لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو تحويل التوطين من مشروع جودإلى مجرد أرقام، فالوطن لا يحتاج إلى مدرب سعودي ضعيف غير مؤهل، لمجرد أنه سعودي، وإنما يحتاج إلى مدرب سعودي قوي يثبت أن الاستثمار في الإنسان السعودي قادر على صناعة الإنسان السعودي وهم كثير، كما ينبغي إنشاء مسارات وطنية لإعداد المدربين، تبدأ من تأهيل الخبير المهني ليصبح مدربًا، ثم تطوير مهاراته في تصميم الحقائب التدريبية، وإدارة الجلسات، والتقييم، والتدريب الإلكتروني، والذكاء الاصطناعي، وتحليل احتياجات سوق العمل، وقياس الأثر، ثم ربط المدرب بالجامعات والمؤسسات البحثية والشركات، بحيث يصبح المدرب جزءًا من منظومة معرفية لا مجرد مقدم دورة، وهنا يمكن للمؤسسات التدريبية أن تستفيد من المدربين العالميين بطريقة أكثر استراتيجية، وذلك من خلال تحويل وجودهم إلى فرصة لنقل المعرفة إلى المدربين السعوديين، وليس فقط إلى المتدربين، فإذا جاء خبير عالمي في مجال معين، فلماذا لا يكون معه مدربين سعوديين يتعلمون منه، ويشاركونه إعداد المحتوى، ويحصلون على المعرفة العملية، ثم يصبحون قادرين على تقديم البرنامج مستقبلاً؟ بهذه الطريقة تتحول الخبرة الأجنبية النادرة من «خبرة مستوردة» إلى «خبرة منقولة وموطنة»، وهذه في رأيي إحدى أهم صور التوطين الحقيقي، إن المملكة التي استطاعت خلال سنوات قليلة أن تبني تحولًا اقتصاديًا واسعًا، وأن توسع قطاعات جديدة، وأن تزيد مشاركة المواطنين في سوق العمل، وتطور منظومة التدريب والتعليم، لا ينبغي أن تنظر إلى الكفاءة السعودية باعتبارها خيارًا احتياطيًا، بل باعتبارها أصلًا إستراتيجيًا، فقد أظهرت المؤشرات الحديثة أن البطالة بين السعوديين وصلت إلى 7.2 في المائة في الربع الرابع من عام 2025م، وأن المشاركة في القوى العاملة بلغت 49.5 في المائة، وأن منظومة التدريب التقني والمهني وحدها تعاملت مع أكثر من 336 ألف متدرب ومتدربة خلال عام 2024م، بينما يوجد أكثر من 4557 مدربًا ومدربة سعوديين معتمدين، «المصدر، الهيئة العامة للإحصاء، والمؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، المملكة العربية السعودية، 2025م»، وهذه الأرقام تجعل الحديث عن توسيع دور المدرب السعودي حديثًا يستند إلى واقع، وليس إلى أمنية، أما القول إن المملكة أصبحت من أكثر دول المنطقة العربية تقدمًا وتطورًا، فهو يمكن طرحه بوصفه تقييمًا أو رأيًا يستند إلى مجموعة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، وليس بوصفه حقيقة مطلقة واحد، لأن ترتيب الدول يختلف بحسب المؤشر والجهة التي تقيسه، لكن المؤكد أن حجم التحولات التي تشهدها المملكة يفرض عليها أن تطور نموذجًا تدريبيًا يواكب طموحها، وأن تستفيد من أبنائها وبناتها الذين حصلوا على مؤهلات عالية وخبرات متنوعة داخل المملكة وخارجها.
أخيراً: من وجهة نظري، فإن أعظم نجاح يمكن أن تحققه سعودة التدريب هو أن يأتي اليوم الذي لا نتحدث فيه عن «حاجة المملكة إلى مدربين أجانب» في المجالات التي أصبح لديها فيها خبراء سعوديون مؤهلون، بل نتحدث عن «خبرات سعودية تستقطب للتدريب والاستشارة خارج المملكة»، وعندها يكون التوطين قد انتقل من مجرد توفير فرصة عمل إلى صناعة قيمة وطنية قابلة للتصدير، وهذا هو المعنى الحقيقي للاستثمار في الإنسان، فالمملكة لا تحتاج فقط إلى مواطن يعمل، وإنما إلى مواطن يعرف، ويبتكر، ويدرب، ويقود، وينقل المعرفة، ويصنع المستقبل.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام