د. أنس عضيبات
حين يُهدر فريق عريق بطولةً في الدقائق الأخيرة، أو تتعثر شركة رائدة في سوق تنافسي بسبب مشكلة واضحة للعيان، يندفع الجمهور والخبراء كالعادة لتوجيه أصابع الاتهام نحو قلة الخبرة أو سوء الإدارة بيد أن الحقيقة العلمية والنفسية قد تكون أكثر تعقيداً وخطورة بكثير؛ فتلك الهفوات القاتلة غالباً ما تكون ناتجة عن ظاهرة معرّفة دقيقاً في علم النفس المعرفي تُعرف بـ«عمى الانتباه» (Inattentional Blindness)، وهي الحالة التي تقف فيها «الغوريلا» بكامل حجمها ووضوحها أمام أعين القادة والمدربين، دون أن يلحظوا وجودها قط.
تعود جذور هذه الظاهرة العقلية إلى محدودية طاقة المعالجة لدى الدماغ البشري؛ ففي بيئات العمل عالية الضغط -كأن ينغمس المدير في تفاصيل ميزانية معقدة، أو يستغرق المدرب في قراءة تفاصيل التكتيك الميداني- يلجأ الدماغ إلى إنشاء ما يشبه «النفق المعرفي البصري» وتهدف هذه الآلية الدفاعية إلى فلترة المشتتات والتركيز الحصري على هدف واحد، ولكنها تتحول للأسف إلى فخ كارثي؛ إذ تجعل العقل أعمى تماماً عن أي متغيرات أو مشكلات تقع خارج نطاق التركيز المباشر، حتى وإن كانت واضحة كصخب كائن عملاق يقف في منتصف المشهد.
ولا يتوقف خطر هذا العمى عند حدود الأفراد، بل يتسع ليصبح «مأزقاً مؤسسياً» يصيب منظومات العمل الكبرى فالشركات التي تغفل عن التحولات الرقمية السريعة والابتكارات البديلة، تقع رهينة لعمى الانتباه الناتج عن فرط الانشغال بالعمليات الروتينية الحالية وبالمثل، قد يفقد المدير الفني في الملعب قدرته على قراءة التحولات البدنية والنفسية التدريجية للاعبيه، لأنه مسحور كلياً بخطط الاستحواذ، متناسياً أن التركيز المفرط على زاوية واحدة غالباً ما يُعمي البصر عن محيط الملعب بأكمله.
ولمواجهة هذا الفخ الذهني، تتضح الحاجة الملحة لتجاوز الاكتفاء بالخبرة الفردية وحدها؛ فالقيادة الواعية تتطلب بناء آليات مؤسسية تكسر هذا النفق الأحادي، ويتحقيق ذلك عبر ترسيخ ثقافة النقد المفتوح، وتفويض «عيون ثانية» من المستشارين والمساعدين لالتقاط ما تعجز عنه بصيرة القائد الفرد، فضلاً عن التدريب المستمر على توسيع نطاق الوعي الظرفي إن الإقرار بأننا معرضون حتماً لعدم رؤية «الغوريلا» في ساحات عملنا هو البوصلة الحقيقية نحو بناء مؤسسات ومنظومات تتمتع باليقظة، والمرونة، والقدرة على رؤية الواقع بجميع أبعاده.