ناهد الأغا
تشكل الذاكرة الثقافية لأي أمة جوهر وجودها الحضاري، والمستودع الأمين لتراكمها الإنساني والمعرفي عبر العصور.
وفي السياق السعودي، تكتسب هذه الذاكرة عمقاً استثنائياً، إذ تمتد جذورها في تربة الجزيرة العربية الخصبة بالتراث، وتتفرع أغصانها في فضاء التاريخ العربي والإسلامي والإنساني، إنها الذاكرة التي اختزنت الحكمة البدوية، والشعر النبطي، والفنون الصخرية، والعمارة الطينية، والمخطوطات النادرة، والحرف التقليدية، وكل ما شكل نسيج الهوية السعودية الأصيلة، من هذا المنطلق الحضاري العميق، يأتي الإعلان عن تحويل الأرشيف الثقافي إلى مركز مستقل باسم مركز ذاكرة الثقافة السعودية ،ليجسد لحظة فارقة في مسيرة العمل الثقافي الوطني، وقد جاءت الموافقة العليا، من لدن خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، حفظهما الله وأدام عزهما، حاملة هذا المشروع كسفينة رقمية عملاقة تحمل كل ذاكرة الأرض السعودية فوق متون السحاب الإلكتروني، لتبقى محفوظة من طوفان النسيان، مشرعة الأبواب لكل باحث عن الحقيقة والجمال، كما وتأتي كلمات معالي وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان معبرة عن هذا الامتنان العميق للقيادة، ومحددة في الوقت ذاته ملامح المرحلة الجديدة التي يدخلها القطاع الثقافي، إن التثمين الذي أبداه معاليه للدعم اللامحدود يكشف عن شراكة وثيقة بين الإرادة السياسية العليا والتنفيذ المؤسسي المحترف، وهي شراكة أثمرت هذا الصرح الوطني الذي سيكون مرجعاً للتراث الثقافي بأسره.
إن المركز، بوصفه الجهة المسؤولة عن تنظيم قطاع الحصر والتوثيق والأرشفة الرقمية، يضطلع بمهمة تأسيسية كبرى,وهي وضع الأسس والمعايير التي توحد الجهود الوطنية، وتحقق التكامل بين مختلف الجهات العاملة في حقل التراث كما و يحمل المركز في جوهره رؤية طموحة تتسع كالأفق، تبدأ من جمع الذاكرة وتمتد إلى بثها نوراً في الوعي الجمعي، ومن هذه القاعدة المتينة تنبثق المنصة الوطنية الموحدة، شرفات رقمية تطل منها المملكة على العالم، فيدخل الباحث والمتذوق والعابر من أي بقعة إلى عمق الحضارة السعودية، فيجد المعلومات الموثوقة كلها، وخلف كل هذا أيد سعودية خبيرة، تؤمن بأن حفظ الذاكرة مهمة بشرية قبل أن تكون تقنية، فتُصنع القدرات وتُورث المهارات وتكتمل المنظومة بجسر ممتد من الماضي إلى نبض الحياة اليوم، فيحول التراث من مادة في بطون الكتب إلى عنصر حي يسري في هوية النشء والشباب، فيعرفون قدر ما ورثوا، ويحرسونه بوعي من أحب وانتمى.
وبينما تمضي قوافل الرؤية نحو أفقها الموعود، وتعلو في سماء الوطن أصوات البناء والمجد، أقف على تلّة التأمل بعيداً، فأرى المشهد كاملاً يتجلى أمامي في صورة أخاذة تملأ الروح وتفيض عن حدود الوصف ، ورؤية المملكة 2030 كقصيدة كبرى تكتبها سواعد الرجال والنساء على امتداد هذا الوطن، وفي قلب هذه القصيدة ينبض بيت واحد خالد: إن التنمية الحقيقية تصوغ الإنسان والمكان والذاكرة في آن واحد ، ومركز ذاكرة الثقافة السعودية عهد جديد يكتب بماء الذهب على جبين الدهر، هو الصرح الذي تنام فيه كنوزنا آمنة، وتصحو فيه حكاياتنا كل صباح لتروي للأبناء ما كان، وتلهمهم بما سيكون.
شكراً للقيادة التي استشفت في الإرث عزاً، وشكراً للوزارة التي نسجت من الحلم منارة، ومن الألفاظ معقلاً للبقاء، وشكراً لكل يد تبني، وعقل يكتشف، وقلب يصون.