خلود الخالدي
مئات آلاف الهكتارات ترزحُ تحت وطأةِ الحرائق، وآلاف الوفيات في إسبانيا وفرنسا وبلدان أوروبية مختلفة، وأضرار زراعية باهظة كبّدت الاقتصاد العالمي خسائر قُدّرت بالمليارات، إلى جانب ظواهر مناخية غير مسبوقة، واضطرابات في حركة النقل، وتضرر قطاعات الطاقة والكهرباء.. لعل كل هذه التبدلات تفضي إلى عنوان واحد: «الاحترار».
وبين هذه النتيجة الكارثية وتلك، ثمة سلاح أُشهر في وجه هذه الظاهرة، سلاح قوي أبرزته المملكة العربية السعودية يقوم بالدرجة الأولى على «الابتكار»؛ فقسوة المناخ تتطلب النظر في المسببات ومن ثم السيطرة عليها. وهنا بادرت السعودية في عدة اتجاهات، كان أبرزها مبادرة «السعودية الخضراء» التي تستهدف زراعة 10 مليارات شجرة، وتهدف في جوهرها إلى إعادة التوازن البيئي والسيطرة على أحد الأسباب الرئيسية لتبدل المناخ وانعكاساته السلبية على الزراعة ومختلف القطاعات.
وفي هذا الجانب، تركزت جهود المملكة على خفض الانبعاثات الكربونية عبر زيادة مساحة الغطاء النباتي. ولم تكن «السعودية الخضراء» الابتكار الأخير في سجل المملكة لمحاربة الاحترار؛ بل يبرز كذلك توجهها المتسارع نحو مشاريع الطاقة المتجددة، وإطلاق استثمارات ضخمة مثل محطة سدير ومحطة الشعيبة للطاقة الشمسية، بغرض الحصول على أكبر قدر ممكن من الطاقة النظيفة.
واضعةً الاستدامة نصب أعينها وفي مقدمة أولوياتها، تمضي السعودية لحماية التنوع البيولوجي، واستصلاح الأراضي، وإقامة مدن منخفضة الكربون، بل وحتى على المستوى السياحي لم يغب عنها الالتزام بمعايير الاستدامة البيئية.
يأتي كل ذلك في إطار رؤية عميقة تنظر للتحولات المناخية العالمية بوصفها جرس إنذار يتطلب الاندفاع نحو مبدأ «درهم وقاية»، وتحويل التحديات إلى فرص تُحفز على خلق ابتكارات نوعية تصبح نماذج ملهمة يُحتذى بها خارج الحدود.
ولم يقتصر هذا الفكر الابتكاري على الداخل السعودي فحسب، بل امتد أثره إقليمياً ودولياً عبر بناء شراكات لحماية المنطقة بأسرها من خطر الاحترار؛ حيث قادت المملكة «قمة الشرق الأوسط الأخضر» (MGI) التي تستهدف زراعة 40 مليار شجرة إضافية في دول المنطقة، لإكمال هدف الـ 50 مليار شجرة والمساهمة بفاعلية في خفض الانبعاثات العالمية.
ولأن الثروة المائية تقع في دائرة الخطر المباشر لظاهرة الاحترار إثر موجات الجفاف، تحتم على المملكة إعمال حلولها الابتكارية في هذا الصدد؛ فأنشأت «المنظمة العالمية للمياه» (GWO) ببرياض، لتعزيز تبادل الخبرات وتمويل المشاريع النوعية بما يضمن الحفاظ على الموارد المائية وتأمينها لكل من يحتاجها.
إن الدراسات والأبحاث البيئية المستمرة أصبحت حافزاً رئيساً للتفكير الابتكاري في المملكة، حتى أضحت خطواتها في هذا المجال لا تُعد، وكأنها تسابق الزمن لإيجاد حلول مجدية لظواهر باتت تؤثر سلباً على العالم بأكمله.
هذا التفكير الابتكاري الذي تنتهجه المملكة لمجابهة الاحترار يبعث في النفس الأمل بأن لكل أزمة حلاً ممكناً متى ما توفرت الإرادة والإمكانات والإبداع. وبهذا تمضي السعودية لتكون نموذجاً ملهماً في قيادة ملف الاستدامة، في وقت تتفاقم فيه تداعيات الاحترار وتتصاعد مخاطره. وبين الأمل والتحذيرات الأممية، يبقى الرهان الأكبر على التكاتف البيئي الدولي والجهود الصادقة نحو أرضٍ لا تختنق بالانبعاثات.