د. راشد بن حسين العبدالكريم
لفترة من الزمن كان المعلمون يشتكون من أن الأعمال التي تُطلب من الطلاب تُعمل بواسطة آخرين، إما أولياء الأمور، أو عن طريق مكاتب خدمات الطلاب. وهذا يناقض السببين الأساسيين لتكليف الطلاب بهذه الأعمال، وهما: تدريب الطلاب؛ وتقويمهم. فالمعلم يكلِّف الطلاب بأعمال خارج الفصل ليتدربوا على ما تعلموه في الفصل، من خلال تطبيقه دون توجيه من المعلم، بعد أن يكونوا قد أدَّوه في الفصل تحت إشراف المعلم. ويكون هذا التكليف أيضاً لتقويم مدى تعلّم الطلبة ومدى تحقيقهم لأهداف الدرس. مع وجود من يقوم بهذه الأعمال نيابةً عن الطلاب، باعتبار أن الطالب سيقوَّم بناءً على (المنتج) فقط، وهو ما سيقدّمه للمعلّم، فقدت تلك «الأنشطة التعليمية» قيمتها (إن صح أنها تُسمى أنشطة في هذه الحالة!)، بل ربما تحولت إلى أنشطة تعليمية ذات أثر سلبي، من خلال تقديم الطالب لها على أنها من عمله، وهي ليست كذلك.
كان التقويم معضلة تربوية منذ أن خرج بوصفه مكوِّناً رئيساً من مكونات العملية التعليمية. كيف نقوِّم؟ ما الذي ينبغي تقويمه لنحكم على الطالب أنه تعلّم؟ وتكمن صعوبة هذين السؤالين في اختلاف طبيعة التعلّم الذي تهدف إليه المدرسة (أو المعلم). فخلافًا لما قد يتبادر لذهن الكثيرين (حتى من التربويين)، فالتعلّمُ -أي ما يتعلّمه الطلبة- له أوجه متنوعة وطبقات متعددة، وليس شيئاً واحداً. كما أن كثيراً من أنواع التعلّم عمليات داخلية لا يمكن رؤيتها، وإن كان يمكن أن يُستدل على بعضها بسلوك ظاهر، لكن هذا السلوك الظاهر لا يكون دليلاً صادقاً دائماً. فقد يسأل المعلمُ الطالبَ سؤالاً يريد به قياس الفهم، (مثل ما التمثيل الضوئي؟)، أو (بيِّن الفرق بين الفعل اللازم والفعل المتعدي؟)، فيجيبه الطالب بجواب قد حفظه. فالظاهر للمعلم أن الطالب قد فهم، لأنه قدّم تفسيراً، وهو ما يدل ظاهراً على الفهم، لكن في كثير من الأحيان يكون الطالب قد (حفظ) هذا التفسير فقط، ولم يفهمه.
ظهر الذكاء الصناعي، فجاء معه بتحدٍ جديد في هذا السياق.
فمع وجود الذكاء الصناعي وقدرته الحاضرة والمتيسرة على إعداد ما يكلّفه به الطالب، في لحظات، دون جهد كبير صارت عملية التطبيق والتقويم بهذه الطريقة عديمة الفائدة تقريباً. وصار يُخشى على ملكات الطلاب ومهاراتهم من الاعتماد على الذكاء الصناعي في ذلك. فكل طالب الآن لديه (مكتب خدمات طلاب)، ليس فقط في بيته، بل في جيبه! وهذا يمنعهم من جانب مهم من التعلّم وهو المعاناة والمحاولة والخطأ وممارسة مهارات التفكير العليا.
هذا التطور المتنامي في قدرات الذكاء الصناعي وخدماته يحتم على التربويين ثلاثة أمور مهمة:
الأول، تغيير أساليب التدريب والتطبيق، بحيث تعتمد على الأساليب الأصيلة (الحقيقية)، أي التطبيق الفعلي للتعلّم المكتسب في الحياة الواقعية بقدر الإمكان.
الثاني، تغيير أساليب التقويم، بحيث تكون ، كما الحال في التطبيق، أكثر أصالة وواقعية، وتقيس العمليات ولا تقتصر على قياس المنتج.
الثالث، توظيف الذكاء الصناعي في هذه العملية. فالذكاء الصناعي يتيح فرصاً كثيرة لتقويم أداء الطلاب، وعلى مستويات متعددة، وبأساليب مختلفة. ويمكِن للمعلم أن يدرب الطلاب على بناء تقويمهم بأنفسهم من خلال الذكاء الصناعي، بحيث يبني الذكاءُ الصناعي (في ضوء أهداف الدرس وأنشطته) أنشطةَ تقويم يؤديها المتعلم، فيُظهر له في النهاية تقريراً بأدائه، مع بيان نقاط القوة ونقاط الضعف وكيف يعالجها. ويمكن أن يشرح له ذلك بالتفصيل، فتكون عملية التقويم عملية بنائية تعليمية.
بل يمكن للمعلم أن يكتب مجموعة من الأوامر المتسلسلة للذكاء الصناعي، ويعطيها الطالب ليكتبها لنموذج الذكاء ليقوم بالتفاعل معه في عملية التقويم، ويعطيه تقريراً عن نفسه بناءً على هذا التفاعل. فيحصل الطالب على تغذية راجعة عن أدائه، ويتعلَّم المقررَ في الوقت نفسه.
في نماذج الذكاء المشهورة (جمناي، كلود، تشات جيبيتي) يوجد وظيفة للأشياء المتكررة، أو الوظائف التي لها إطار يجمعها ويُكثر المستخدم أداءها، فبدلاً من بدء عملية التفاعل وإعطاء الأوامر في كل مرة يوضع (القالب) لنموذج الذكاء (على شكل مهارة، أو مشروع) بحيث يؤدي المهمة، مثل تقويم طالب كل مرة بضوابط معينة، دون الحاجة لكتابتها من جديد كل مرة. يمكن للمعلم (ولو بمساعدة يسيرة من خبير) أن يُعِدّ هذه الوظائف، بحيث يجعلها تتولى تقويم الطلاب عنه، (ولو بشكل غير رسمي) وتقديم تغذية راجعة بنائية.
الخدمات التي يقدمها الذكاء الصناعي في مجال التقويم لا تقتصر على التقويم الختامي، بل يمكن أن يستثمر المعلمُ الذكاء في التقويم التشخيصي (والتكويني أيضاً). فيمكن أن يصمم المعلم أمراً للذكاء الصناعي يشخّص فيه الذكاءُ وضعَ الطلاب قبل البدء بالتدريس، من خلال بعض الأسئلة أو الاختبارات القصيرة، ويقدّم اقتراحا للمعلم بالمواضِع في المقرر التي ينبغي التركيز عليها، أو يقترح طرقاً لتقديم المقرر تكون أكثر فاعلية في تدريس الموضوعات أو المواضِع التي يضعُف فيها أداء الطلاب.
بالتأكيد، لضمان أن يكون هذا التقويم دقيقاً وصادقاً، يجب التأكد من عدم استخدام الطالب لنموذج ذكاء صناعي (آخر) في الإجابة على أسئلة الذكاء الصناعي المقوِّم. وهذا من التحديات التي سيواجهها المعلمون.
من الحلول التي قد تكون مفيدة في مثل هذه الحالة تنويع أساليب التقويم، وعقد حلقات نقاش، جماعية أو فردية، لما يكتبه الطلاب. والذكاء الصناعي سيكون مفيداً جداً للمعلم، في اقتراح أساليب ممتعة لذلك، واقتراح أسئلة للحوار في هذه الحلقات. ولو كتب كل طالب إجاباته في حلقات النقاش هذه، وعرضها المعلم على الذكاء الصناعي، لأفاده بمقدار التوافق بين ما يقوله الطالب وبين ما قدمه مكتوباً للمعلم. فيكون في ذلك اكتشاف مدى مصداقية ما قدمه الطالب، وأيضاً تعويد الطالب على التفكير الناقد واكتشاف الثغرات والتناقضات.
ميزة في الذكاء الصناعي يمكن أن تستثمر في هذا أيضاً وهي قدرته الجيدة على قراءة النصوص المكتوبة بخط اليد. فيمكن للمعلم أن يطلب من المتعلمين كتابة بعض المتطلبات بخط اليد، ثم تصور للذكاء الآلي فيقوم بقراءتها والتعرّف على خط الطالب وربما مقارنته بنصوص أخرى له مما يعزِّز أيضاً ارتباط الطلبة بالكتابة بخط اليد، حيث إن هناك من الأبحاث العلمية ما يشير إلى أثر إيجابي للكتابة باليد في تنمية التفكير.
مع أن الذكاء الصناعي يمثِّل تحدياً للمعلمين في مجال التقويم، إلا أنه يفتح آفاقاً جديدة إبداعية لهم في هذا المجال، تجعل التقويم أكثر متعةً وأكثر مصداقيةً، وأيضاً يجعله فرصةً للتعلّم.
** **
- جامعة الملك سعود