د. طلال الحربي
في دولة القانون لا تُقاس هيبة المؤسسات بضخامة مبانيها ولا بكثرة منسوبيها، وإنما تُقاس بقدرتها على صون الحقوق وإحقاق العدالة بمهنية لا تعرف المجاملة ولا تقبل التهاون. والنيابة العامة في المملكة العربية السعودية تقف في طليعة هذه المؤسسات؛ فهي الحارس الأمين على الدعوى الجزائية، والذراع التي تمسك بميزان دقيق يوازن بين حق المجتمع في الأمن وحق الفرد في العدالة، لا يميل مع هوى ولا ينحني أمام نفوذ. وهي بهذا المعنى ليست جهاز اتهام كما قد يتبادر إلى الأذهان، بل ضمانة دستورية ونظامية تحمي البريء قبل أن تلاحق المذنب، وتحرص على سلامة الإجراء حرصها على صحة النتيجة.
ولأن رؤية المملكة 2030 جعلت من العدالة الناجزة والبيئة النظامية الجاذبة ركيزة من ركائز التحول الوطني، كان لزاماً على النيابة العامة أن تواكب هذا الطموح الكبير، لا بشعارات تُرفع، بل بقرارات تُتخذ وإجراءات تُطور وكفاءات تُمكَّن. فالمستثمر الذي يبحث عن بيئة آمنة، والمواطن الذي ينشد حقه، والمقيم الذي يطمئن إلى عدالة الأرض التي يعيش عليها، كلهم يقفون عند باب واحد اسمه سيادة النظام، والنيابة العامة من أهم من يحرس هذا الباب.
وحين تولى معالي النائب العام رئيس مجلس النيابة العامة الدكتور خالد بن محمد اليوسف مسؤوليته الجليلة، أدرك المتابعون منذ الأسابيع الأولى أنهم أمام نمط قيادي مختلف؛ رجل لم يسوِّف تسويف العاجزين، ولم يتخذ من دراسة الأوضاع ذريعة لتأجيل القرار، بل جاءت تباشير قراراته الإيجابية تباعا، الواحد تلو الآخر، في تتابع يعكس رؤية ناضجة وإرادة صادقة. ففي فترة وجيزة من توليه أحدث معاليه نقلة نوعية وفنية في إجراءات التحقيق، ارتقت بجودة العمل ودقته وسرعته، وحقق في الوقت ذاته ما هو أعمق أثراً من الإجراءات: قفزة نفسية في نفوس منسوبي الجهاز، حرّكت فيهم روح الولاء وحلاوة الانتماء، وأشعرتهم أن جهدهم مرئي وأن تميزهم مقدَّر وأن مستقبلهم المهني بيد قيادة تعرف قيمة الإنسان قبل قيمة الإجراء.
وما القرار الأخير بتكليف رؤساء للنيابات العامة في مناطق المملكة إلا حلقة في سلسلة القرارات التطويرية والتحولية التي يشهدها الجهاز؛ قرار يقوم على فلسفة واضحة: تمكين الكفاءات المؤهلة القادرة على تلبية متطلبات المرحلة، ورفع جودة الأداء، وتسريع وتيرة إنجاز القضايا، حتى لا يطول انتظار صاحب حق ولا يمتد قلق متهم بريء. وقد عبّر رؤساء النيابات المكلفون عن شكرهم لهذه الثقة، مؤكدين عزمهم على بذل أقصى الجهود للنهوض بمهامهم، وهو تعبير يتجاوز بروتوكول المناسبات إلى إحساس حقيقي بأن المسؤولية اليوم تكليف يُحاسب عليه لا تشريف يُحتفى به.
والجميل في هذا التحول أنه تطوير لا يمس الأساسيات ولا يعبث بالثوابت؛ فالمرجعية الشرعية والنظامية راسخة، وضمانات المتهمين مصونة، واستقلال قرار النيابة محفوظ، وإنما الذي تغيّر هو نمط العمل وأدواته وروحه. وتلك هي الحكمة الإدارية في أنقى صورها: أن تجدد البناء دون أن تهز أعمدته، وأن تسرّع الخطى دون أن تفقد الاتجاه. فالتحديث الذي يهدم الأصول مغامرة، والجمود الذي يتذرع بالأصول عجز، والتوازن بينهما فن لا يتقنه إلا من جمع بين العلم الراسخ والخبرة الميدانية والرؤية الاستراتيجية.
إن ما تشهده النيابة العامة اليوم ليس معزولاً عن السياق الوطني الأشمل؛ فهو ثمرة من ثمار الدعم الكريم الذي توليه القيادة الرشيدة للجهات القضائية، وتجسيد لإرادة دولة قررت أن تكون العدالة فيها ناجزة والحقوق فيها محفوظة والمؤسسات فيها بمستوى طموح شعبها. وحين تلتقي إرادة القيادة مع كفاءة القائمين على الأجهزة، تتحول الرؤى إلى واقع والخطط إلى منجزات.
فجزى الله معالي النائب العام الدكتور خالد بن محمد اليوسف خير الجزاء على ما يبذل، وبارك في جهود منسوبي النيابة العامة كافة، وهم يكتبون فصلاً جديداً في مسيرة العدالة السعودية؛ فصلاً عنوانه المهنية التي تحفظ الحقوق، والتطوير الذي يصون الثوابت، والولاء الذي يصنع الإنجاز.