مشعل الحارثي
أصابني الرحيل المفاجئ للزميل وصديق رحلة العمر الصحافية الحافلة بالنجاح والكفاح والذكريات الجميلة الدكتور محمد قاري عادل السيد بحالة من الذهول الكامل والألم والحزن الشديد، بل سيطرت حالة من الحزن بين زملائه ومحبيه وعلى الوسط الإعلامي بالطائف بأكمله بعد إعلان رحيله عن دنيانا، كيف لا وقد فقد الإعلام بالطائف أحد أعمدته المخلصين، ومن ارتبط بعلاقات حب ومودة مع الجميع، وحظي باحترامهم لشخصه ومهنيته المتميزة، وروحه الجميلة، وكان لنا نحن الصحافيين أخا أكبر وناصحا ومحبا للخير ورحيله عنا هو بمثابة صدمة أوجعتنا كثيرا، خاصة وهو قد عانى من المرض في أعوامه الأخيرة، ولكن عزاؤنا الأول والأخير أنه سينتقل لدار خير من دارنا، وسيحل بين يدي رب كريم لطيف رحيم، حليم غفور، رحمه الله رحمة الأبرار، وأسكنه فسيح الجنان، وتقبله بقبول حسن، ورزقه جنة عرضها السموات والأرض.
إن فقد الزميل محمد قاري يمثل خسارة مهنية كبيرة، ليس فقط على مستوى الشاشة التلفزيونية والإذاعية بالطائف، أو في المجال العلمي والتأليف، ومجال التنشيط السياحي، ولكن على المستوى الصحافي أيضا، فهو من الصحافيين الموهوبين، وبدأ مشواره مع الصحافة قبل أكثر من أربعة عقود، وكان من أبرز المحققين الصحافيين، وتبنى الكثير من الصحافيين بالطائف وأخذ بأيديهم وعلمهم أصول المهنة الصحافية، والإعلامية، وقدم إعلاما مهنيا صادقا، وأسهم من خلال قلمه الرشيق وكتاباته الصحافية وبرامجه في تقديم صورة مشرفة عن محافظة الطائف، وإبراز جمالها الطبيعي ومقوماتها السياحية، وتاريخها التراثي والثقافي العريق، إلى جانب أنه عبّر بقلمه عن كثير من هموم وقضايا مجتمع الطائف والوطن عامة.
ومن مطالعة السيرة الذاتية لفقيدنا نجد أنه من مواليد الطائف وبها تلقى تعليمه العام في مراحله المختلفة، ثم حصل على درجة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، والدراسات العليا بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، والتحق بمهنة التعليم بالطائف وتنقل في عدد من مدارسها، إلا أن عشقه للحرف والكلمة ساقه ليعمل كصحافي متعاون، حيث بدأ يحصد خبراته العملية محررا بمكتب جريدة عكاظ بالطائف، ثم عمل مخرجا فنيا بمجلة الغرفة التجارية الصناعية بالطائف فمحررا بها، ثم رئيسا لتحريرها، فمديرا لمكتب جريدة الرياض والرياض ديلي بالطائف، ثم مراسلا بجريدة الجزيرة، ومراسلا لإذاعة الرياض في الطائف والباحة، ومعد ومقدم برامج بالقناة الأولى بالتلفزيون السعودي، ثم الأمين العام للجنة العليا لتنشيط السياحي في محافظة الطائف والتي قدمت خلال عشرة أعوام المئات من البرامج والأنشطة النوعية والفاعليات المميزة للمصطافين في مختلف المجالات الثقافية والفنية والأدبية والتراثية والترفيهية والتي حازت على اهتمام وتشجيع ورضا الجميع.
كما حصل وخلال هذا المشوار الحافل بالعطاء على عديد من الدورات التدريبية المتخصصة، وحصد العشرات من الجوائز وشهادات الشكر والتقدير، كما صدر له عديد من المؤلفات ومنها التوجيه والإرشاد الطلابي، هوية السياحة في المملكة العربية السعودية، السياحة في محافظة الطائف، مدخل إلى صناعة السياحة، وكتاب التراث العمراني في محافظة الطائف.
لقد عرفت (أبا نواف) الإعلامي والخبير السياحي رجلا دائب الحركة والنشاط، ومن الذين تركوا أثرا جميلا لا ينسى في قلوب كل من عرفه وعمل معه بطموحه المتقد وروحه المرحة العذبة وأخلاقه الرفيعة، والصدق والوضوح التام، وابتسامته التي لا تفارق محياه، فهو رجل لا تمل حديثه وتأنس بقربه، ويأسرك دوما بلطفه وشفافيته المطلقة، وصفاء نفسه البعيدة عن التكلف والزيف والخداع، وكم سنفتقده كثيرا وأمثاله من الرجال الأصفياء الأنقياء، كما ستفقده كل زاوية من زوايا الطائف حبه وعشقه الدائم.
ونحن عندما نودعه اليوم لمستقره الأخير تتشابك في هذه اللحظات مشاعر الحزن والفقد، والاعتراف بالبصمة الطيبة التي تركها في نفوسنا، واستذكار القيم النبيلة والمواقف المشتركة لمن أفنى عمره في خدمة الكلمة ومهنة المتاعب وجهوده المخلصة طوال هذه المسيرة، كما تؤكد جمالية الصداقة والزمالة التي تنمو على ضفاف الإبداع والكلمة الجميلة، ومشاعر المحبة وعواطف الزمالة النقية بين رفقاء مهنة المتاعب وشركاء الركض الصحافي.
رحمك الله يا (أبا نواف) ورحم الله الأصدقاء الأعزاء ممن سبقوك بالرحيل ومن الذين كانت تجمعنا بهم صداقات عزيزة في مجال الصحافة والإعلام ولا تزال أسماؤهم راسخة في أذهاننا إلى هذا الوقت، وحفظ الله أولئك الزملاء الذين لا يزالون يواصلون العطاء الإعلامي والأدبي والثقافي وألبسهم لباس الصحة والعافية.
وستبقى ذكرى محمد قاري الطيبة والرفقة النقية وإسهاماته الإعلامية المتعددة حاضرة في قلوبنا فهو لم يرحل عنا رغم رحيل الجسد، ولم ولن يغيب عنا أبدا ولا عن مشاعرنا فمثله لا يعرف أبدا الغياب، ولا أملك في الختام إلا أن اتقدم بخالص التعازي وصادق المواساة إلى كافة أسرة الفقيد وذويه ومحبيه، وأخص بذلك أخته الغالية لديه، وأبناءه كل من نواف، ونايف، وسعد، وفهد، وتركي، وإلى أصدقائه ومحبيه والأسرة الإعلامية بالطائف، سائلين الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له ويتجاوز عن سيئاته، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدم من عمل وعلم وعطاء، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان، و(إنا لله وإنا إليه راجعون).