ناصر بن فريوان الشراري
تظلُّ الأقدارُ السرَّ الإلهيَّ الأعظم الذي تتحطم على أعتابه كلُّ التخمينات والتوقعات البشرية، يظنُّ المرءُ أحياناً أن الحياة قد أغلقت أبوابها في وجه إنسان يصارع الموت، بينما تكون السماء قد كتبت له عقوداً قادمة من العيش والعطاء، في حين يباغت المنونُ من نحسبه في أوج شبابه وعافيته في غمضة عين.
أستحضر هذه الحقيقة الإيمانية العميقة اليوم، والأسى يعصر الفؤاد، ونحن نودع رجلاً عزيزاً من الجماعة، الفقيد «أبو فهد قبلان خلف المداهين الشراري »، الذي وافته المنية الأحد الفائت، وووري جثمانه الثرى يوم الاثنين، وتعود بي الذاكرة إلى نحو خمسة وعشرين عاماً خلت، حين زرتُه في المستشفى برفقة صديقي المقرب والأثير إلى قلبي «أبي سلطان ركاد حلوان الشراري» -رحمه الله-.
كان «أبو فهد» حينها يرقد على السرير الأبيض في غرفة العناية المركزة، يناهز السبعين من عمره، غائباً عن الوعي تماماً، تحيط به الأجهزة الطبية وتخترق جسده «الليّات» والأنابيب، وكأنه جثة هامدة يكاد النفس لا يطرق جوفه، وأمام ذلك المشهد المأساوي، يئس صديقي «أبو سلطان» وكان يومها في زهرة شبابه لم يتجاوز الأربعين من حالة هذا الشيخ المسن، فقال بلسان اليقين البشري الظاهر: «البقاء لله».. مقراً في سرّه أن الرجل ميت لا محالة.
خرجنا من العناية بقلوب وجلة، ولكن مشيئة الله كانت تكتب قصيداً آخر، فما هي إلا أيام معدودة حتى أفاق «أبو فهد» من غيبوبته، ونُقل إلى الغرف العامة، ثم غادر المستشفى سالماً معافى بفضل الله ورحمته، ولم تقف القصة عند هذا الحد، بل صاغ القدر أملها من جديد، إذ خطب إحدى النساء وتزوجها، وانتقل للعيش معها في إحدى القرى التابعة لمحافظة القريات.
وفي المقابل، ومما يبعث على الذهول والاعتبار، لم تمضِ سوى عامين أو أقل على تلك الزيارة، حتى فُجعت بفقد صديقي وأخي «أبي سلطان»، الذي خطفته نوبة قلبية حادة وهو في تمام صحته وشبابه! بينما مدّ الله في عمر «أبو فهد» زهاء خمسة وعشرين عاماً بعد تلك الغيبوبة، عاشها بصحة ممتازة، متردداً بين القريات ودولة الكويت لزيارة أقاربه بين الفينة والأخرى، حتى استوفى أجله المكتوب بالأمس.
إنها دلالة لا تدع مجالاً لشكٍّ أو جدال، فمن كتب الله له فسحة في العمر، فسيحيا أيامه المقدرة كاملة ولو كان على سرير الموت يصارع الأجهزة، ومن استوفى رزقه وأجله، فلن يستأخر ساعة ولو كان في قمة نشاطه وعافيته.
رحم الله أبا فهد وأبا سلطان، وغفر لهما، وجعل ما أصابهما تمحيصاً ورفعةً في الدرجات، وجمعنا بهما في جنات النعيم.