د. ياسين علي محمد عزي
من هذا المعنى تأتي متابعة سمو أمير المنطقة لبيت الثقافة في جازان، واطلاعه على تقريره السنوي وبرامجه وشراكاته. فبيت الثقافة ليس جهة أخرى في قائمة المؤسسات، بل مكان تستطيع فيه المعرفة والفنون أن تغادرا دوائر المتخصصين، وتدخلا حياة الأسرة والطفل والهاوي والمبدع في بداياته.
والاسم نفسه يحمل شيئًا من فلسفته. فالمكتبة تحفظ الكتاب وتتيح الوصول إليه، أما البيت فيضيف الألفة والانتماء. الداخل إليه لا يأتي ليستعير كتابًا أو يحضر أمسية ثم يغادر فحسب؛ يأتي بوصفه فردًا في مجتمع يقرأ ويتحاور ويجرب، وقد يصنع بيديه أول عمل يكتشف من خلاله علاقته بالجمال.
والانتقال من المكتبة إلى البيت لا يغيّر اللافتة فقط، بل يوسّع معنى المعرفة. يبقى الكتاب في القلب، لكنه لا يبقى وحده؛ إلى جواره المسرح، والفن البصري، والحرفة، والحكاية، وبرامج الأطفال، واللقاء الذي يجعل المعرفة حديثًا مشتركًا لا مادة صامتة.
تمنح برامج البيت هذا المعنى صورته العملية؛ من القراءة والمسرح والفنون البصرية إلى الحرف والأنشطة الموجهة للأطفال، ومن استعادة الحكايات والممارسات التقليدية إلى التجارب الفنية الجديدة. الغاية ليست عرض الماضي في صورة منمقة، بل إتاحة المجال للحاضر كي يصغي إليه ويفهمه، ثم يضيف إليه من دون أن يمحو أصله.
ويقدم معسكر «متنفس الصيفي للفنون»، الذي جمع 101 مشارك ومشاركة، صورة واضحة لهذا التحول. فالرقم مهم، وتنوع الورش مهم، لكن الأهم انتقال المشاركين من موقع المشاهد إلى موقع الممارس؛ أن يمسك الإنسان بالأداة، ويجرب الخامة، ويخطئ، ويعيد المحاولة، ثم يرى شيئًا مما كان يشعر به وقد صار لونًا أو شكلًا بين يديه.
هذه المسافة القصيرة بين النظر والعمل قد تكون بداية علاقة طويلة مع الفن. تنتهي الورشة، لكن شخصًا يخرج منها وقد اكتشف في نفسه قدرة لم يكن يعرفها، أو اكتسب ثقة تجعله يواصل ما بدأه. عندئذ لا يكون بيت الثقافة مكانًا يستضيف نشاطًا، بل بيئة تهيئ صاحب الصوت القادم.
ويمتد هذا المعنى إلى زيارة سمو أمير المنطقة لمركز زوار هيئة التراث وبيت الحرفيين. فالمركز لا يختصر جازان في صورة واحدة؛ يبدأ من الفنون الصخرية والموجودات الأثرية وطرق التجارة والحج، ثم يصل إلى الحرف واللهجات والأهازيج والألعاب الشعبية والمواسم، مثل الحريد والبن الخولاني السعودي، وإلى العمارة التي اختلفت باختلاف بيئات المنطقة.
واجتماع الأثر والحرفة في رواية واحدة ليس ترتيبًا للعرض فحسب؛ فالأثر يحتفظ بما تركه الإنسان، أما الحرفة فتحفظ شيئًا منه وهو يعمل ويفكر ويختار، ويمنح المادة شكلًا ومعنى. وبين الموقع الأثري ويد الحرفي تتسع حكاية جازان: تاريخ يُقرأ في الأرض، ومعرفة تسكن الأصابع، ولهجة يحملها اللسان، وأغنية تتناقلها الأصوات.
ولهذا تحمل زيارة بيت الحرفيين معنى إنسانيًا خاصًا؛ فهي لا تضع القطعة المصنوعة وحدها في الواجهة، بل تعيد الحرفي نفسه إلى الصورة. فالحرفة ليست منتجًا نهائيًا فحسب، وإنما معرفة انتقلت من جيل إلى جيل، وحملت معها صبر الناس وذائقتهم وطرائق عيشهم قبل أن تجد طريقها إلى المعارض والأسواق.
ولا تعود الحياة إلى التراث بمجرد وضعه في المتاحف؛ إنه يحيا حين يبقى في مجرى الحياة، حاضرًا في البيوت والأسواق وطرائق العيش. وهذا ما يحدث حين تُقدَّم الأطعمة الشعبية في مجالس وبيئات تستعيد ملامح البيوت القديمة، وتجاورها الأدوات الخشبية وأواني الطين وسعف النخيل والحرف اليدوية. فلا تبقى هذه العناصر زينة تحيط بالمائدة، بل تصبح جزءًا من سياق يعيد إلى الطعام حكايته وصلته بالمكان والناس.
فالزائر لا يتذوق طبقًا فحسب، بل يدخل عالمًا من العلاقات: نكهة صنعتها البيئة، وأداة اختبرتها الأيدي، ومجلس عرف الضيوف، وحكاية بقيت ملازمة للطعام من بيت إلى بيت. وهكذا تتحول الوجبة من حاجة يومية إلى نافذة على المجتمع، من غير ادعاء العودة إلى زمن مضى أو تجميده في صورة مثالية.
ولعل موسم الحريد في جزر فرسان من أصفى الصور التي تلتقي فيها الجغرافيا بالثقافة. فالحريد ليس سمكًا يظهر في موعد معلوم لينتهي إلى شباك الصيادين فحسب؛ إنه موسم نسجت حوله الجزيرة ذاكرة جماعية، وفرحة يتقاسمها الأهالي، وفنونًا ترافق البحر، وعلاقة قديمة بين الإنسان والماء.
وحين دشّن سمو أمير المنطقة فعاليات الموسم بمشاركة نحو 2500 متسابق، لم تكن المناسبة سباق صيد فحسب. كانت مشاركةً لأهالي فرسان في تقليد ما يزال قادرًا على جمع المجتمع، واستقبال الزائر، وتحريك السياحة والاقتصاد المحلي، من غير أن يفقد ملامحه الأولى.
أحاطت بالموسم عروض ثقافية وفنية، ومنتجات للأسر المنتجة، وفعاليات في قرية القصار. وهكذا بدا التراث حياة متكاملة: البحر يمنح الموسم زمنه ومادته، والأهالي يمنحونه فرحته ومعناه، والتنظيم يهيئ له أن ينتقل من عادة محلية عزيزة إلى موعد وطني يقصده الزوار من داخل المملكة وخارجها، فيما تظل فرسان حاضرة في قلبه، لا مجرد موقع لإقامته.
وإذا كان الحريد يروي صلة فرسان بالبحر، فإن الخضير يروي صلة قرى جازان بأرضها وحقولها. فهو ليس حبوبًا من الذرة الرفيعة تُقطف قبل اكتمال نضجها فحسب، بل موسم تعرف فيه الأسرة معنى الانتظار والعمل المشترك؛ يبدأ من إعداد الأرض واختيار البذور، ويمر بالري والعناية، ثم ينتهي إلى حصاد تحتفي به البيوت والأسواق والموائد.
يحمل الخضير لونه وحكايته معًا. فالحبة الخضراء التي منحت الموسم اسمه بقيت جزءًا من غذاء الناس وذاكرة القرى الجبلية والساحلية، وانتقلت معارف زراعتها وإعدادها من جيل إلى آخر. وحين يصل المحصول إلى المائدة، لا يصل منفصلًا عن الحقل الذي أنبته، ولا عن الأيدي التي رعته، ولا عن الأسرة التي اجتمعت حول حصاده.
هكذا يلتقي الخضير بالحريد، وإن اختلف الحقل عن البحر. كلاهما ابن الجغرافيا، وكلاهما تحول في حياة الناس إلى عمل وذاكرة وفرح. وفي هذا اللقاء تتضح الثقافة في معناها الأصيل؛ ليست ما يُعرض في مناسبة، بل ما يظل جاريًا في يوم الإنسان، ويمنحه صلة أعمق بالمكان الذي يعيش فيه.
إلى جانب هذا الوفاء للموروث، تنفتح جازان على أسئلة الفن الحديث. فاللقاءات التي تناقش العلاقة بين المسرح والسينما، وانتقال النصوص بين الوسائط، وما يطرأ عليها من تغير في اللغة والبناء والتلقي، تنتمي إلى مشهد ثقافي يعرف جذوره، ولذلك لا يخشى الحوار مع الجديد.
الأصالة هنا لا تعني إغلاق الأبواب، كما أن الحداثة لا تعني الدخول بلا ذاكرة. يستطيع النص أن ينتقل من المسرح إلى الشاشة، وأن يكتسب صورةً وصوتًا وحركة مختلفة، من دون أن يفقد جوهره. وتلك أيضًا صورة من صور التراث الحي: أن يحاور زمنه بدل أن يبقى معلقًا خارجه.
ولا تكتمل هذه الحركة ما لم تعرف جازان كيف تروي نفسها. فالهوية التي لا تجد لغتها تظل معروفة لدى أصحابها، لكنها قد تصل ناقصة إلى الآخرين. ومن هنا تأتي عبارة المكتب الاستراتيجي لتطوير منطقة جازان: «جازان حياة تنبض بالثقافة، وتراث يُروى كل يوم»، لا بوصفها شعارًا يزين حملة بل تعبيرًا عن منطقة ما زالت الثقافة جارية في يومها، ويظل موروثها حاضرًا في حكايات أهلها وأعمالهم ومواسمهم.
وتجمع الصورة عازف المزمار الجازاني بالمدرجات الزراعية. لا يقف العازف أمام منظر طبيعي اختير لجماله، ولا تبدو المدرجات خلفية صامتة. يحمل المزمار صوت الإنسان، وتحمل المدرجات أثر يديه وصبره وعلاقته بالأرض. كلاهما يروي الآخر؛ الأرض منحت الفن جذوره، والفن منح الأرض صوتًا يسمعه من لم يعش فيها.
لكن تقديم الموروث بلغة الحاضر يظل مسؤولية قبل أن يكون فرصة. فالتجديد لا يعني تحريف الأصل، والوفاء لا يعني حبسه في صورته القديمة. لذلك تأتي الحماية النظامية للتراث لتصون المسافة بين الإبداع والعبث، وبين إعادة تقديم المعنى وتجريده من سياقه.
حين تحمي الدولة موروثها، تحفظ حق الأجيال في أن تتلقى رواية صادقة عن نفسها، ثم تضيف إليها وهي تعرف ما تضيف إليه. وهكذا يعود صون التراث ومعاقبة العبث به إلى موضعه في بداية المقال؛ ليس عائقًا أمام التطوير، بل ضمانة لأن يبقى التجديد موصولًا بأصله، وألا يتحول الموروث إلى أشكال تُستعمل بعيدًا عن قيمته وسياقه.
يستطيع التراث أن يدخل المسرح والسينما والتصميم والسياحة والتجارب الحديثة، وأن يتخذ أشكالًا لم يعرفها السابقون، من دون أن يفقد صلته بالمجتمع الذي أنجبه. فالإبداع لا يحتاج إلى تشويه الأصل كي يثبت حداثته، والأصل الحي لا يخشى أن يتحدث بلغة عصره.
عند تأمل هذه الشواهد مجتمعة، تتراجع حدود المناسبة المنفردة، وتظهر الصلة التي تجمع بينها. وهي، على تنوعها، لا تستقصي ما حظي برعاية سموه من مبادرات ثقافية وتراثية، ولا تختزل مسيرته فيها. إنها نوافذ على اهتمام أوسع امتد خلال سنوات معرفته بالمنطقة، وتوزع بين صون الأثر، ورعاية الحرفة، والوفاء للمبدع، ودعم المؤسسة الثقافية، وإبقاء المواسم المتصلة بحياة الناس حاضرة في مسيرة التنمية.
بهذا المعنى، لا تكون العناية بالثقافة جانبًا مكملًا لقيادة المنطقة بل وجهًا أصيلًا منها. يمنح الأثر الحاضر وعيًا بامتداده، وتحفظ الحرفة معرفة لم تبدأ في الكتب، بينما تصوغ القصيدة ما تعجز الأرقام عن قوله، وترد المواسم الناس إلى صلتهم بالأرض والبحر. أما المؤسسة الثقافية، فتمنح هذه العناصر مجالًا جديدًا للحضور بين الأطفال والأسر والفنانين والمهتمين.
هنا تتصل الجغرافيا القيادية بـالقيادة الثقافية اتصالًا طبيعيًا. الأولى تحسن قراءة ما وهبته الأرض للمنطقة من إمكانات، والثانية ترعى ما نسجه الإنسان فوقها من قيم وفنون وحكايات. توسع إحداهما فرص المكان، وتحفظ الأخرى ملامحه الإنسانية وهو يتغير. وعند اجتماعهما، لا تعود التنمية انتقالًا في العمران والخدمات فقط، بل تصبح تقدمًا يعرف من أين جاء، ولمن يُبنى، وأي أثر ينبغي أن يبقى في حياة الناس.
لا تُقاس القيادة الثقافية بعدد الفعاليات التي تحضرها، ولا بكثرة الأسماء التي تمر على منصاتها؛ فالمناسبة تنقضي، ويغادر جمهورها، وتنطفئ أضواؤها. المقياس الأصدق هو ما يبقى بعدها: أثر نجا من العبث، وحرفي أدرك أن في يده معرفة لا مجرد صنعة، وشاعر ظل اسمه حاضرًا بعد انتهاء الأمسية، وطفل خرج من بيت الثقافة وقد اكتشف في نفسه صوتًا لم يكن يعرفه.
عند هذه النقطة تتضح الصلة بين الجغرافيا القيادية والقيادة الثقافية في مسيرة الأمير محمد بن عبدالعزيز. فالأرض التي تُقرأ إمكاناتها لبناء المشروعات هي نفسها التي أنجبت البيت الجبلي والعشة، وصاغت إيقاع السهل والجبل والبحر، ومنحت الحريد موعده والخضير موسمه. والإنسان الذي تُبنى التنمية من أجله هو نفسه حامل هذه الذاكرة، وحارس معناها، وصاحب الحق في أن يجد مستقبله متصلًا بما شكّل وجدانه.
وتلك إحدى الصور العميقة لرؤية المملكة 2030: وطن لا يضع المستقبل في مواجهة تاريخه، بل يجعل من ذاكرته قوة تعينه على صنعه. لكل منطقة روايتها داخل الهوية السعودية الجامعة، ومن اجتماع هذه الروايات يزداد الوطن ثراءً من غير أن تتفرق وجهته. وجازان، بما تحمله من أثر وقصيدة وحرفة، ومن حريد يأتي به البحر وخضير تنبته الأرض، تكتب فصلها داخل هذه الرواية، لا بعيدًا عنها.
لعل أبقى ما تمنحه القيادة للمكان ألا تدعه يختار بين ذاكرته ومستقبله. فالمكان الذي يصون أثره، ويعرف قدر مبدعيه، ويحفظ معرفة الحرفي والمزارع والصياد، لا يمضي إلى الغد مثقلًا بماضيه، بل مستندًا إليه. وهنا تبلغ رعاية الأمير محمد بن عبدالعزيز معناها الأبعد: أن تتسع فرص جازان من غير أن تضيق ذاكرتها، وأن يخطو إنسانها إلى المستقبل وفي قلبه ما يمنحه الثبات، وفي يده ما يعينه على كتابة الفصل التالي من حكايته داخل الحكاية السعودية الكبرى.
** **
- أكاديمي وكاتب سعودي