صبحي شبانة
لم يكن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق ضربة عسكرية واسعة ضد إيران مجرد تعديل في خطة عمليات، بل كان لحظة سياسية كشفت عن تحولات أعمق من الحدث نفسه، وأعادت طرح أسئلة قديمة بصياغة جديدة: من يؤثر اليوم في القرار الأمريكي؟ ومن يملك القدرة على تغيير مسار الأحداث في أكثر أقاليم العالم اضطرابًا؟، ما تسرب عبر تقارير صحفية غربية خلال الأيام الماضية، لا يروي فقط قصة نقاش دار داخل البيت الأبيض بين دعاة التصعيد وأنصار منح الدبلوماسية فرصة أخيرة، بل يكشف عن مشهد إقليمي يتغير بهدوء، فالعواصم الخليجية التي اعتادت لعقود أن تكون أول المتأثرين بالقرارات الدولية، بدت هذه المرة طرفًا حاضرًا في صياغة القرار نفسه، كلٌ من زاوية تقديره لمصالحه، وكلٌ وفق قراءته لمآلات الحرب إذا خرجت عن حدودها.
هذا التحول في طبيعة التفكير يعكس أن المنطقة لم تعد تنظر إلى القوة بمنظارها التقليدي، فالحروب لم تعد تُقاس بعدد الطائرات التي تعبر الأجواء، ولا بعدد الصواريخ التي تصيب أهدافها، وإنما بحجم الارتدادات الاقتصادية والسياسية التي تتركها على خرائط الطاقة، وسلاسل الإمداد، وأسواق المال، واستقرار الدول. ولهذا أصبحت الحسابات أكثر تعقيدًا، وأصبح القرار العسكري نفسه جزءًا من معادلة اقتصادية عالمية، لا مجرد خيار أمني، لقد اعتاد العالم، منذ نهاية الحرب الباردة، أن ينظر إلى واشنطن بوصفها الطرف الذي يحدد اتجاه البوصلة في الشرق الأوسط، فيما يقتصر دور حلفائها على التأييد أو التحفظ، لكن السنوات الأخيرة أفرزت واقعًا مختلفًا، فالمملكة العربية السعودية، بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي ودور محوري في استقرار أسواق الطاقة، وبما راكمته من قنوات اتصال وقدرة على إدارة الوساطات في أكثر الملفات تعقيدًا، أصبحت تمتلك أدوات تأثير لا يمكن تجاوزها عند اتخاذ القرارات الكبرى.
ولعل هذا هو المتغير الأكثر أهمية في الأزمة الراهنة، فالقضية لم تعد تتعلق فقط بقرار أمريكي تجاه إيران، بل بميلاد نمط جديد من العلاقات بين واشنطن والمملكة، نمط لا يقوم على تلقي التعليمات، وإنما على تبادل التأثير وصناعة التوازنات، فالقوة الأمريكية ما زالت حاضرة بلا شك، لكن القدرة على توجيه هذه القوة أو تعديل مسارها أصبحت أكثر ارتباطًا بحسابات الحليف الإقليمي الأهم مما كانت عليه في مراحل سابقة، وإذا كانت بعض التقارير قد تحدثت عن ضغوط متباينة مارسها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خلال الساعات الأخيرة التي سبقت قرار تعليق الضربة، فإن الأهم من تفاصيل تلك الروايات هو ما تعكسه من حقيقة سياسية أوسع: أن أمن الخليج لم يعد ملفًا يمكن رسم معادلاته في واشنطن وحدها، فالمنطقة التي تتحمل الكلفة المباشرة لأي مواجهة، هي أيضًا الأقدر على تقدير أثمانها، وعلى إدراك الفارق بين ضربة عسكرية قد تحقق هدفًا تكتيكيًا، وحرب مفتوحة قد تعيد تشكيل الإقليم كله على نحو يصعب احتواؤه.
ولذلك فإن القراءة المتأنية للمشهد تقتضي الابتعاد عن اختزال الأزمة في سؤال: من كان مع الضربة ومن كان ضدها؟، فمثل هذا التبسيط يحجب جوهر التحول الجاري، القضية الحقيقية هي أن الخليج لم يعد يتعامل مع الأزمات بوصفها أحداثًا عابرة، بل بوصفها محطات ستحدد شكل الإقليم لعقود مقبلة، ومن هنا جاءت الأولوية لتجنب الانزلاق إلى مواجهة لا يعرف أحد كيف ستنتهي، ولا من سيدفع كلفتها النهائية، فالسياسة، في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس بما يُقال أمام عدسات الكاميرات، وإنما بما يدور خلف الأبواب المغلقة، حيث تُوزن الخيارات بميزان المصالح، لا بميزان الشعارات، وحيث يصبح القرار الأصعب هو القدرة على منع الحرب، لا مجرد الاستعداد لخوضها، ولعل ما يلفت الانتباه في خضم هذه التطورات أن النقاش الدائر حول إيران يكاد يحجب القضية الأكثر أهمية، وهي أن الصراع لم يعد يدور حول البرنامج النووي وحده، ولا حول حجم الترسانة الصاروخية الإيرانية، وإنما حول الجغرافيا ذاتها، فمن يقرأ تفاصيل المشهد يدرك أن المعركة الحقيقية لم تعد على الأرض بقدر ما أصبحت على الممرات البحرية التي يتوقف عليها نبض الاقتصاد العالمي.
لقد تحولت مضائق المنطقة، من هرمز إلى باب المندب، من مجرد معابر للسفن إلى أدوات لإعادة صياغة موازين القوة، ولم تعد قيمة هذه الممرات في أنها تنقل النفط والغاز والبضائع، بل في أنها أصبحت تمثل قدرة كامنة على التأثير في الاقتصاد العالمي خلال ساعات قليلة، وفي عالم تتشابك فيه سلاسل الإمداد، لم تعد السفينة تحمل شحنة لدولة بعينها، بل تحمل استقرار أسواق بأكملها، وأي اضطراب في مسارها سرعان ما ينعكس على أسعار الطاقة والتأمين والشحن والتضخم، من آسيا إلى أوروبا مرورًا بالولايات المتحدة، لهذا السبب لم يكن مستغربًا أن تركز الاتصالات السياسية، وفق ما أوردته تقارير إعلامية غربية، على ضمان حرية الملاحة أكثر من تركيزها على تفاصيل الضربة العسكرية نفسها، فالقرار في مثل هذه اللحظات لا يُقاس فقط بما قد تحققه القوة من نتائج ميدانية، بل بما قد تفتحه من أبواب يصعب إغلاقها لاحقًا، وأي مواجهة واسعة في الخليج لن تبقى محصورة بين واشنطن وطهران، بل ستتحول سريعًا إلى أزمة عالمية تمتد آثارها إلى الأسواق والموانئ والمصانع وسلاسل التجارة.
ومن هنا يمكن فهم المقاربة السعودية بعيدًا عن القراءات التي تختزلها في موقف مؤيد للحرب أو رافض لها، فالمملكة لا تنظر إلى الأزمات من زاوية ردود الفعل الآنية، وإنما من منظور إستراتيجي يتجاوز حدود اللحظة إلى ما بعدها، فالاستقرار في الرؤية السعودية، لم يعد نتيجة تُرجى بعد انتهاء الصراعات، بل أصبح أصلًا من أصول القوة الوطنية، وركيزة تقوم عليها مشاريع التحول الاقتصادي والتنمية الشاملة، ولهذا لم يعد السؤال الذي يسبق أي مواجهة عسكرية هو: هل تستطيع القوة تحقيق الردع؟ بل أصبح: ماذا سيبقى من المنطقة بعد أن يصمت السلاح؟، فالدول التي تستثمر في المستقبل لا تستطيع أن تجعل الحرب جزءًا من أدواتها المعتادة في إدارة السياسة، لأن كلفة الصراع لم تعد تُقاس بحجم الخسائر العسكرية وحدها، بل بما يخلّفه من تراجع في الثقة، وتعطل في الاستثمارات، واضطراب في الأسواق، وإبطاء لمسارات التنمية التي تحتاج إلى سنوات من العمل المتواصل.
لقد أعادت المملكة، خلال السنوات الأخيرة، تعريف مفهوم الأمن القومي بصورة أكثر شمولًا، فلم يعد الأمن يقتصر على حماية الحدود، بل أصبح يشمل حماية الاقتصاد، واستدامة النمو، وأمن الطاقة، وسلامة الممرات البحرية، وجاذبية البيئة الاستثمارية، بوصفها جميعًا مكونات متكاملة لقوة الدولة ومكانتها، ومن هذا المنطلق فإن الحفاظ على استقرار الإقليم لا يُعد خيارًا دبلوماسيًا، بل ضرورة إستراتيجية تفرضها طبيعة المشروع الذي تقوده المملكة، والذي يقوم على بناء شرق أوسط أكثر استقرارًا، وأكثر قدرة على جذب الاستثمار والمعرفة والتقنية، لا على استنزاف موارده في دوامات الصراع، ومن هنا فإن أي قراءة للموقف السعودي بعيدًا عن هذا الإطار الإستراتيجي ستبقى قراءة ناقصة، فالقضية لم تكن يومًا رفضًا لمبدأ الردع، ولا ترددًا في حماية الأمن الوطني أو الأمن العربي، وإنما إدراكًا عميقًا بأن القوة تبلغ ذروة فاعليتها عندما تمنع الحرب قبل أن تفرضها، وأن الدولة الواثقة من قدراتها هي التي تملك شجاعة استخدام الدبلوماسية من موقع القوة، لا من موقع الاضطرار، وتعرف أن أعظم الانتصارات ليست دائمًا تلك التي تتحقق في ميادين القتال، بل تلك التي تحفظ الأوطان من خوض معارك كان يمكن تجنبها دون التفريط في المصالح أو المساس بالسيادة.
وهنا تكمن المفارقة التي كشفتها الأزمة، فإيران تراهن منذ سنوات على أن قدرتها على تهديد الملاحة تمنحها أوراق قوة في مواجهة الضغوط الدولية، بينما ترى دول الخليج أن أمن الملاحة ليس ورقة تفاوض، بل قاعدة لا يمكن المساس بها لأنها تمثل شرطًا لاستقرار الاقتصاد العالمي، قبل أن تكون شرطًا لازدهار اقتصادات المنطقة، ومن هذه الزاوية يصبح الحديث عن مضيق هرمز وباب المندب حديثًا عن النظام الدولي نفسه، فالممرات البحرية لم تعد مجرد خطوط على الخرائط، بل أصبحت نقاط ارتكاز في معادلة القوة العالمية، ومن يضمن أمنها، يشارك في حماية الاقتصاد الدولي، ومن يهددها، لا يهدد دولة بعينها، بل يفرض كلفة على العالم بأسره، ولذلك، فإن القراءة التي تختزل المشهد في مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تبدو قراءة قاصرة، فما يجري اليوم هو إعادة تعريف لمفهوم الأمن الإقليمي، وإعادة توزيع للأدوار بين القوى الدولية والإقليمية، بحيث لم تعد الرياض تكتفي بالتكيف مع القرارات الكبرى، بل أصبحت تسعى إلى التأثير في صياغتها، انطلاقًا من إدراكها أن استقرار المنطقة لم يعد مسؤولية الآخرين، بل مسؤولية من يعيشون في قلبها ويعرفون أثمان الفوضى أكثر من أي طرف آخر.
إن القراءة المتأنية لهذه الأزمة تقود إلى استنتاج يتجاوز تفاصيلها اليومية، فالقضية ليست أن الرئيس الأمريكي أرجأ ضربة عسكرية، ولا أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أصر على منح الدبلوماسية فرصة إضافية، وإنما أن الشرق الأوسط بدأ يفرض منطقه الخاص على القوى الكبرى، ولعقود طويلة، كان يُنظر إلى المنطقة باعتبارها ساحة تتصارع فوقها الإرادات الدولية، أما اليوم فإنها تتحول تدريجيًا إلى شريك في رسم حدود هذا الصراع، وإلى طرف يمتلك القدرة على تعديل مساره عندما تتقاطع مصالحه مع مصالح الاقتصاد العالمي.
وإذا كان القرن العشرون قد منح منطق القوة الصلبة الكلمة العليا في رسم موازين النفوذ، فإن القرن الحادي والعشرين يعيد صياغة هذه المعادلة على أسس مختلفة، تتقدم فيها قوة الاقتصاد، وأمن سلاسل الإمداد، والسيطرة على الممرات التجارية، بوصفها أدوات لا تقل تأثيرًا عن الجيوش والأساطيل، فالقواعد العسكرية ما زالت تؤدي دورها في حماية المصالح، والأساطيل ما زالت تحرس البحار، لكن الأسواق أصبحت أكثر حساسية تجاه الأزمات من ميادين القتال، والموانئ باتت أكثر تأثيرًا في موازين القوة من كثير من المنصات العسكرية، وأصبحت حركة السفن وسلامة الممرات البحرية عنصرًا حاسمًا في استقرار الاقتصاد العالمي، ولهذا لم تعد معادلات الردع تُبنى على ميزان السلاح وحده، بل على قدرة الدول على حماية المصالح الاقتصادية وصون استقرار التجارة العالمية، لأن النفوذ في عالم اليوم لا يُقاس فقط بما تملكه الدول من قوة عسكرية، بل أيضًا بما تملكه من قدرة على ضمان استمرار تدفق التجارة والطاقة وحماية الثقة في الاقتصاد الدولي، ولعل هذه الحقيقة هي التي تفسر جانبًا من التغير في السلوك السياسي لدول الخليج، فهذه الدول لم تعد تنظر إلى أمنها من زاوية الدفاع عن الحدود فحسب، بل من زاوية الدفاع عن مشروع اقتصادي هائل يجري بناؤه منذ سنوات، فالاستثمار، والتكنولوجيا، والمدن الذكية، والممرات اللوجستية، والطاقة الجديدة، والسياحة، كلها أصبحت مكونات أساسية في مفهوم الأمن الوطني ومن هنا لم يعد الاستقرار نتيجة للتنمية، بل أصبح شرطًا سابقًا عليها، وأصبح الحفاظ عليه جزءًا من معادلة القوة، لا نقيضًا لها.
ومن هذه الزاوية أيضًا يمكن فهم الحضور السعودي في المشهد، فالرياض لم تعد تتحرك باعتبارها عاصمة تسعى إلى احتواء أزمة عابرة، وإنما باعتبارها دولة تنظر إلى المنطقة من أفق أبعد، أفق يتجاوز إدارة الصراع إلى إعادة تشكيل البيئة التي تمنع تكراره، فمشروعات التحول الاقتصادي الكبرى، والربط اللوجستي بين القارات، والاستثمارات العابرة للحدود، لا يمكن أن تزدهر في بيئة تتبدل فيها قواعد الأمن كل بضعة أشهر، أو تصبح فيها الممرات البحرية رهينة لتوازنات هشة، وهنا تبدو السياسة في صورتها الأكثر نضجًا، فالقوة ليست في أن تمتلك القدرة على خوض الحرب متى شئت، بل في أن تجعل كلفة الحرب على الجميع أعلى من مكاسبها المحتملة، وهذه هي فلسفة الردع الحديثة، ردع لا يقوم على استعراض القوة فقط، بل على بناء شبكة من المصالح تجعل الحفاظ على الاستقرار خيارًا عقلانيًا لجميع الأطراف.
ليس من المبالغة القول إن الأزمة الراهنة كشفت عن تطور لافت في طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، فهذه العلاقة التي قامت لعقود على شراكة إستراتيجية راسخة، دخلت مرحلة أكثر نضجًا وتوازنًا، لم تعد فيها الرياض مجرد طرف يتلقى نتائج القرارات الكبرى، بل أصبحت شريكًا فاعلًا في مناقشة خياراتها وتقدير مآلاتها، فالولايات المتحدة ما زالت تمثل القوة العسكرية الأكبر في العالم، غير أن تعقيدات الشرق الأوسط وتشابك مصالحه الاقتصادية والأمنية جعلا من الصعب صياغة أي مقاربة مستدامة لأمن المنطقة من دون الإصغاء إلى الرؤية السعودية، بوصفها الدولة الأكثر تأثيرًا في معادلات الاستقرار الإقليمي، وصاحبة الثقل السياسي والاقتصادي الذي يجعل أمنها جزءًا من أمن الاقتصاد العالمي، ولعل هذا هو التحول الأبرز الذي أفرزته السنوات الأخيرة، فالمملكة لم تعد تُقاس مكانتها بما تمتلكه من عناصر القوة التقليدية فحسب، بل بما راكمته من ثقل سياسي، وما أطلقته من مشروع تنموي طموح، وما أصبحت تؤديه من دور محوري في استقرار أسواق الطاقة والاقتصاد الدولي، ومن هنا لم يعد صوت الرياض يُستمع إليه باعتباره تعبيرًا عن موقف سياسي، بل باعتباره قراءة إستراتيجية لتداعيات أي قرار على أمن المنطقة والعالم.
غير أن هذا التحول لا يعني أن الشرق الأوسط أصبح على أعتاب استقرار دائم، فما زالت الأزمات البنيوية قائمة، وما زالت فجوة الثقة بين واشنطن وطهران عميقة، وما زالت الحسابات الإقليمية والدولية تجعل أي خطأ في التقدير قادرًا على إعادة إشعال دوائر التوتر، إلا أن ما أثبتته هذه الأزمة هو أن بناء نظام أمني أكثر استقرارًا لن يكون ممكنًا من خلال منطق القوة وحده، بل عبر شراكات إستراتيجية تُنصت إلى الدول التي تتحمل الكلفة المباشرة لأي اضطراب، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، التي باتت تنظر إلى أمن المنطقة بوصفه شرطًا لاستدامة التنمية، لا مجرد ملف سياسي عابر.
إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى هدنة جديدة بقدر ما يحتاج إلى تصور جديد للأمن، تصور يقوم على احترام سيادة الدول، وضمان حرية الملاحة، وعدم استخدام الممرات البحرية أدواتٍ للضغط السياسي، وإقامة شبكة من المصالح الاقتصادية المتبادلة تجعل التعاون أكثر جدوى من الصدام، فالتاريخ أثبت أن السلام الذي تحرسه المصالح يكون، في كثير من الأحيان، أكثر رسوخًا من السلام الذي تفرضه موازين السلاح وحدها، وربما لهذا السبب لن يتوقف المؤرخون كثيرًا عند الصواريخ التي لم تُطلق، بقدر ما سيتوقفون عند اللحظة التي أدركت فيها المنطقة أن مستقبلها لا يُصنع في غرف العمليات العسكرية وحدها، بل في غرف القرار التي تُوزَن فيها كلفة الحرب بميزان الاقتصاد، وتُقاس فيها قيمة النفوذ بقدرته على حماية الاستقرار لا على إشعال الحرائق، ففي عالم يعاد تشكيله على وقع الأزمات، لم تعد الدول تُقاس بما تمتلكه من أدوات القوة فحسب، بل بما تمتلكه من قدرة على تحويل هذه القوة إلى استقرار، وتحويل الجغرافيا من ساحة تنافس إلى مساحة تعاون، وعندما تنجح السياسة في أن تجعل البحر ممرًا للتجارة بدل أن يكون ميدانًا للمواجهة، فإنها تكون قد حققت انتصارًا قد لا تلتقطه عدسات الكاميرات، لكنه يبقى، في حساب التاريخ، أعمق أثرًا وأكثر دوامًا.