د. أماني بنت خلف الغامدي
في خضم الثورة الرقمية وتسارع أدوات الذكاء الاصطناعي، يميل العالم اليوم إلى الإفراط في التركيز على التقنيات المتقدمة والمعادلات البرمجية، متناسيًا أن المخرجات التقنية في نهاية المطاف صُممت لتخدم مجتمعًا بشريًا معقدًا. وبينما تتسابق المؤسسات الأكاديمية لتأسيس كليات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، من المهم أن ينشأ التزامٌ موازٍ لا يقل أهمية يهدف إلى فهم «الإنسان» الذي يُصمم هذه التقنيات ويستهلكها. ويبرز السؤال لماذا تحتاج الكليات الإنسانية في السعودية إلى تعزيز «أنثروبولوجيا» المستقبل؟
من هذا المنطلق، تتجلى الحاجة الماسة في الجامعات السعودية لاستحداث وتفعيل تخصص علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) ضمن كلياتها الإنسانية، ليس فقط كفرع معرفي يقرأ الماضي والحاضر، بل كركيزة إستراتيجية تفكك تحولات المستقبل وتدعم رؤية المملكة 2030 في تنميتها الثقافية والاجتماعية.
سأجيب عن السؤال الأهم ماذا يقدم علم الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي؟ قد يبدو علم الإنسان للبعض دراسة قديمة ترتبط بالمجتمعات البدائية أو الآثار، لكن الأنثروبولوجيا الحديثة هي علم قراءة السلوك البشري والسياقات الثقافية. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تبرز قيمة هذا التخصص في نقاط جوهرية من أهمها أنسنة الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته حيث تفتقر خوارزميات الذكاء الاصطناعي إلى الفهم العميق للقيم، والأخلاق، والتنوع الثقافي. وهنا يأتي دور الأنثروبولوجيا العامة أو الرقمية (Digital Anthropology) للحد من الانحيازات الخوارزمية، وضمان إدراك الخوارزميات للتنوع الاجتماعي والثقافي للجمهور الموجهة إليه، ومن المهم للغاية فهم التفاعل بين الإنسان والتقية (HCI). فالتقنية لا تعمل في فراغ؛ بل تعيد تشكيل مفاهيم مثل الهوية، والعلاقات، وأسلوب الحياة. كما يسهم باحث علم الإنسان في تحليل كيفية تبني المجتمعات للحلول الذكية وتأثيرها على النسيج الاجتماعي والأسري. كذلك لاشك في تزايد الحاجة إلى تصميم تقنيات موجهة للإنسان (Human-Centred AI) حيث إن أكبر المطورين والشركات التقنية العالمية اليوم يستعينون بباحثين أنثروبولوجيين لبناء منتجات تناسب السلوك البشري الحقيقي، وليس فقط المفترض تقنيًا.
ثم يأتي السؤال الذي نركز عليه في هذه المقالة وهو لماذا يجب أن تلتفت الجامعات السعودية إلى تخصص الأنثروبولوجيا في عصر الذكاء الاصطناعي؟ وقد طرحت منذ مدة غير بعيدة إحدى أقوى الجامعات السعودية الرغبة في إلغاء التخصصات الإنسانية على رغم ما تشهده المملكة العربية السعودية من تحولات اجتماعية وثقافية واقتصادية غير مسبوقة في إطار رؤية 2030. هذا التحول الوطني السريع يتطلب أدوات منهجية دقيقة لفهمه وتوجيهه، وهو ما يجعله وقتاً مثالياً لدمج علم الإنسان في الكليات الإنسانية بالجامعات السعودية لأسباب واضحة أهمها توثيق وفهم الهوية السعودية في زمن العولمة حيث تحتضن المملكة تنوعاً ثقافياً وجغرافياً وتراثياً غنياً للغاية، كما سوف يتيح علم الإنسان توثيق هذا التراث المادي وغير المادي بأدوات علمية رصينة، وفهم كيفية الحفاظ على الهوية الوطنية وسط انفتاح ثقافي ورقمي شاسع.
ومن المهم أيضا أن نستوعب أن صناعة السياسات التنموية والاجتماعية والمشاريع التنموية و برامج إصلاح التعليم والرعاية الصحية لا يمكن أن تنجح دون فهم عميق للبيئة الاجتماعية المستهدفة، كما أن خريجي علم الإنسان سوف يقدمون لصناع القرار تحليلات ميدانية عميقة (Qualitative الجزيرة Ethnographic Data) تتجاوز الأرقام والإحصاءات الجافة المجردة.
لذا فإن تطوير الكليات الإنسانية وتجسير الفجوة مع العلوم التقنية مهم للغاية في هذه المرحلة الجوهرية وإن كانت العلوم الإنسانية اليوم تواجه تحديات عالمياً من حيث تراجع الإقبال عليها وقلة فرص الدعم البحثي لها إذا ما ظلت محصورة في النظريات التقليدية، وبالتالي فإن إدخال الأنثروبولوجيا -وبالأخص الأنثروبولوجيا الرقمية والثقافية- يعيد حيوية الكليات الإنسانية السعودية، ويجعل مخرجاتها قادرة على العمل جنباً إلى جنب مع المهندسين والمبرمجين في مشاريع الذكاء الاصطناعي، والمدن الذكية، والتصميم الحضري.
وفي الختام فإن الاستثمار في فهم الإنسان أهم اليوم من أي وقت مضى مع التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي بقدرته الفائقة على معالجة البيانات لا يستطيع استبدال النظرة الأنثروبولوجية الدقيقة التي تفسر المعنى، والمعتقد، والسلوك البشري، ولا شك أن استحداث تخصص علم الإنسان في الكليات الإنسانية بالجامعات السعودية لم يعد رفاهية أكاديمية، بل هو ضرورة استراتيجية لتأهيل كوادر وطنية قادرة على حراسة الهوية الوطنية، وصياغة الأخلاقيات التقنية، وضمان أن تشكيل المستقبل الرقمي للمملكة يستند، في المقام الأول، إلى فهم عميق للإنسان ومجتمعه.