د. إبراهيم بن جلال فضلون
في العلاقات الدولية، لا توجد قوة مطلقة، بل توجد قوة تتكيف مع الزمن، وأخرى تعجز عن فهم أن الزمن قد تغير. لذلك فإن الدول التي تكتفي بإدارة الأزمات، وتؤجل معالجة أسبابها، تبدو في ظاهرها مستقرة، بينما تكون في داخلها منهمكة في استهلاك رصيدها الاستراتيجي. إنها تشبه شركة تحقق أرباحًا مرتفعة، لكنها تبيع أصولها عامًا بعد عام، حتى يأتي يوم تكتشف فيه أن الميزانية ما زالت جميلة، أما المستقبل فقد أصبح فارغًا. فهل ينطبق هذا القانون على إسرائيل؟.. وهل إسرائيل قوية عسكريًا؟. لكن السؤال الذي يستحق البحث هو: هل ما زالت الركائز الأربع التي قام عليها المشروع الإسرائيلي تحتفظ بالصلابة نفسها التي امتلكتها في العقود الأولى؟ لأن الدول لا تقاس بما تملكه من قوة، بل بما تبقى لها من ركائز تستطيع حمل تلك القوة.
لقد تنبأ بذلك سفر الأمثال (16:18): «الغطرسة تسبق السقوط»، فالجيوب الاستيطانية التي تقوم على القوة المطلقة والعنف تفقد مبرر بقائها متى ما عجزت عن توفير الأمان لمن توطنت فيهم، وتلك هي بداية النهاية، فتصدع الركائز الاستراتيجية وظهور علامات الزوال المبكر، تجعلنا نعي جملة «باي باي إسرائيل»، فتاريخ الأمم والدول لا يُقاس بسنوات عمرها القصيرة، بل بقدرتها على التكيف والاستمرار في مواجهة الأزمات الوجودية، كما أن الإمبراطوريات لا تبدأ رحلتها نحو التراجع يوم تهزم في الميدان، وإنما يوم تعجز عن إدراك أن الأدوات التي صنعت مجدها لم تعد كافية لصناعة مستقبلها. وحين نمعن النظر في البنية الاستراتيجية والعقيدة الأمنية التي قامت عليها إسرائيل، نجد أنها أُسست منذ انطلاقتها على منظومة صلبة عُرفت بـ «الأعمدة الأربعة»: (الردع، الإنذار المبكر، الدفاع ونقل المعركة إلى أرض الخصم، والحسم العسكري السريع). غير أن التحولات الكبرى التي شهدها العقد الأخير، والحروب الممتدة حتى عام 2026، كشفت عن تصدع غير مسبوق في هذه المنظومة، لتدخل الدولة العبرية مرحلة حرجة من تاريخها المعاصر تتناسل فيها أسئلة البقاء والزوال.
أولاً: تفكك منظومة الردع والإنذار المبكر
على مدى عقود، ارتكزت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على فكرة الردع المطلق؛ أي بناء قوة عسكرية باطشة تمنع أي طرف إقليمي من التفكير مجرد التفكير في مواجهتها، غير أن ذلك العمود قد سقط تماماً حين نجحت فصائل المقاومة في اختراق الحدود الشمالية والجنوبية، وتوجيهها ضربات صاروخية ومسيرات متطورة من جبهات متعددة ضمت غزة، لبنان، وإيران، ودون خشية من العواقب العسكرية الكبرى. أما عمود «الإنذار المبكر» فلم يكن بأفضل حال؛ فقد انهارت منظومة الاستخبارات العسكرية التقليدية، وعجزت شبكات الموساد والشاباك وأمان عن التقاط الإشارات المعقدة للهجمات الكبرى، مما وضع الداخل الإسرائيلي في حالة صدمة عسكرية استراتيجية غير مسبوقة، وأثبت أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي لصناعة الأمان في بيئة إقليمية ملتهبة.
ثانياً: سقوط الدفاع والحسم:
من الخاطف إلى الاستنزاف، فعلى صعيد الدفاع، كانت العقيدة التقليدية تقوم على حماية الجبهة الداخلية بمنظومات متطورة كالقبة الحديدية، ونقل المعركة سريعاً إلى أرض الخصم عبر حروب خاطفة. إن الواقع الجديد قد أظهر عجز المنظومات الدفاعية عن اعتراض كافة الرشقات الصاروخية والمسيرات النوعية، فسقطت مباشرة في المدن الكبرى مثل تل أبيب وحيفا وإيلات. أما التحول الاستراتيجي كان تحول المدن الإسرائيليّة إلى ساحة مواجهة ممتدة، وتبع ذلك نزوح مئات الآلاف من المستوطنين، وانتقال الجيش من خوض حروب خاطفة حاسمة إلى مستنقع حروب الاستنزاف طويلة الأمد التي تقوض الاقتصاد وتستنزف القدرات البشرية.
ثالثاً: العقيدة التقليدية في مواجهة الواقع الجديد
يُعد التحول الجذري والعميق في معادلة الصراع، حيث ينتقل الكيان الإسرائيلي من مرحلة الهيمنة المطلقة والأمن المستدام إلى مرحلة الهشاشة البنيوية والعجز الاستراتيجي. فبينما كانت العقيدة التقليدية تقوم على هندسة الردع المطلق، والاستباق الاستخباري، وحماية الجبهة الداخلية بنقل المعركة إلى أرض الخصم، وتحقيق حسم عسكري سريع، يبرز الواقع الميداني المعاصر ليعصف بهذه الركائز أجمعها. لقد تحولت منظومة الردع إلى حالة من التآكل أمام ضربات الجبهات المتعددة، وسقطت هيبة الاستخبارات أمام المفاجآت الاستراتيجية، وغدت المدن الكبرى ساحة حرب مفتوحة ومستنزفة، ليجد المشروع الصهيوني نفسه عاجزاً عن حسم أي مواجهة، ساجداً تحت وطأة أزمات وجودية متداخلة تعجل بانهياره من الداخل.
رابعًا: الخطايا الأربع والتصدع الداخلي
إلى جانب السقوط العسكري، يشير المحللون إلى ما يمكن تسميته بالخطايا الأربع التي تقود بنية الدولة المحتلة من الداخل نحو الانهيار، وهي أشبه بمقدمات زوال الممالك التاريخية:
الأزمات الديموغرافية والاجتماعية: تفاقم الصراع الحاد بين التيار العلماني والصهيونية الدينية المتطرفة.
الاستنزاف الاقتصادي والهجرة العكسية: ارتفاع معدلات الفقر وتصاعد موجات الهجرة العكسية للعقول والأموال نحو الغرب.
العزلة الدبلوماسية: تراجع الغطاء الدولي وفقدان الشرعية الأخلاقية والسياسية في المحافل الأممية.
التفكك المؤسسي: غياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة في ظل حكومات يمينية متطرفة تعمق الشرخ المجتمعي.
وهنا تتلاقى رؤى المفكرين الكبار مثل الدكتور عبد الوهاب المسيري والمؤرخ إيلان بابيه، اللذين أكدا مراراً أن الجيوب الاستيطانية التي لم تستطع دمج سكانها الأصليين أو حسم صراعاتهم بالقوة المطلقة، يظل مصيرها المحتوم هو التفكك البنيوي من الداخل حين يتلاشى الشعور بالأمان وتتآكل مقومات البقاء.
المستقبل: هل هو الجيل الصهيوني الأخير؟
تتطابق التحذيرات التاريخية التي أطلقها شخصيات إسرائيلية بارزة، مثل «أبراهام بورغ» الذي تحدث عن احتمالية أن يكون هذا هو الجيل الصهيوني الأخير، و «نفتالي بينيت وإيهود باراك» اللذين حذرا من خطر تفكك الدولة في العقد الثامن تشبهاً بالتاريخ اليهودي القديم - مع المعطيات الحالية على الأرض.. ولعل التراجع الحاد في الروح القتالية وارتفاع معدلات رفض الخدمة العسكرية والاحتياط، فضلاً عن تآكل الدعم الغربي غير المشروط وتحول الرأي العام العالمي نحو رفض نظام الفصل العنصري، كلها مؤشرات تؤكد أن إسرائيل باتت تعتمد في بقائها على مقومات خارجية وليست ذاتية، وهو ما يضع المشروع الصهيوني برمته أمام مفترق طرق تاريخي لا مهرب فيه من استحقاقات السقوط النهائي.
وقفة: «إن العروش التي تُبنى على القوة وحدها، وتتجاهل حق الشعوب في الحياة والعدالة، إنما تُبنى على رمال متحركة؛ مهما طال أمد بنائها فلابد أن تبتلعها عواصف التاريخ.» وحين تتساقط الأعمدة التي أقيمت عليها الدولة، وحين يعجز السلاح عن تأمين المستوطن أو جلب الاستقرار، يصبح السؤال عن مستقبل هذا الكيان ليس تساؤلاً نظرياً، بل حقيقة تاريخية تتكشف فصولها يوماً بعد يوم أمام أعين العالم.