د. عبدالمحسن الرحيمي
شهد العالم خلال العقود القليلة الماضية تحولًا لافتًا في الطريقة التي تُصنع بها القيمة الاقتصادية. فبعد أن ارتبطت الثروة بالأرض في الاقتصاد الزراعي، ثم بوسائل الإنتاج في الاقتصاد الصناعي، ثم برأس المال في الاقتصاد المالي، أصبحت المعرفة، والابتكار، والبيانات، والملكية الفكرية، تمثِّل أصولًا تتزايد أهميتها في بناء القدرة التنافسية للأفراد والمؤسسات والدول. ولم يعد هذا التحول مجرد انتقال في أدوات الاقتصاد، بل أصبح انتقالًا في تعريف مصدر القيمة ذاته.
ويقدم الطب أحد أوضح النماذج على هذا النوع من التحولات. فبعد نجاح العلماء في فك الشفرة الجينية للإنسان، لم يعد العلاج يُصمم على أساس خصائص المرض وحدها، بل أصبح يُبنى على الخصائص البيولوجية لكل مريض، ليظهر ما يُعرف اليوم بالطب الشخصي. ولم يكن ذلك تطورًا في وسائل العلاج فقط، بل تحولًا في الطريقة التي يُفهم بها الإنسان، حيث أصبحت خصوصيته البيولوجية نقطة الانطلاق في بناء القرار الطبي.
وتشير التقارير الدولية إلى أن الاقتصاد يسير في اتجاه يحمل ملامح مشابهة. فقد أوضحت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الأصول غير الملموسة أصبحت تمثِّل جزءًا متزايدًا من القيمة الاقتصادية، بينما يؤكد المنتدى الاقتصادي العالمي أن رأس المال البشري، والمهارات، والابتكار، أصبحت من أهم محركات النمو والتنافسية. وفي الوقت نفسه، يبين مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل إنتاج المعرفة وتحليلها وتقييمها، الأمر الذي يعزِّز انتقال القيمة تدريجيًا من الأصول المادية إلى الإنسان نفسه.
وانعكس هذا التحول على الطريقة التي تُقاس بها القيمة الاقتصادية. فالإنتاج العلمي، والملكية الفكرية، والخبرة، والسمعة المهنية، والهوية الرقمية، والقدرة على الابتكار، أصبحت جميعها تدخل بصورة متزايدة في تقييم الأفراد والمؤسسات. ومع كل تقدم في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، تتسع القدرة على توصيف هذه العناصر وقياس أثرها، لتصبح جزءًا من القرارات الاقتصادية والاستثمارية.
ولعل التحول الأكثر عمقًا لا يكمن في ظهور أصول اقتصادية جديدة، بل في انتقال الاقتصاد نفسه من قياس ما يملكه الإنسان إلى قياس ما يمثله الإنسان. فالقيمة لم تعد ترتبط بالأصول المادية وحدها، بل أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بما ينتجه العقل، وما يبتكره الإنسان، وما يبنيه من ثقة، وما يملكه من معرفة، وما يضيفه من أثر اقتصادي ومجتمعي.
وعندما تُقرأ هذه التحولات بوصفها مسارًا واحدًا، تظهر بنية اقتصادية متفردة تتكون لكل إنسان من المعرفة، والابتكار، والملكية الفكرية، والهوية الرقمية، والثقة، والقدرة المستمرة على إنتاج القيمة. وهي بنية تشبه، في ترابط عناصرها وتميزها، الجينوم الذي يميز كل إنسان بيولوجيًا، ويمكن النظر إليها بوصفها «جينوم المال».
وفي هذه المرحلة، لا يصبح الإنسان حاملًا للثروة فحسب، بل يصبح هو نفسه مصدرًا متجددًا للقيمة الاقتصادية. فكلما ازدادت أهمية المعرفة والابتكار، أصبحت قدرة الإنسان على إنتاج القيمة أكثر أهمية من حجم الأصول التي يمتلكها. ولم يعد رأس المال يقتصر على الموارد المالية أو المادية، بل أصبح يشمل الرصيد المعرفي، والقدرة على الابتكار، والسمعة، والثقة، والهوية الرقمية، بوصفها أصولًا تنمو مع الزمن وتؤثر بصورة مباشرة في المكانة الاقتصادية.
ويفرض هذا التحول أسئلة لم يعرفها الاقتصاد التقليدي من قبل. فإذا أصبحت القيمة الاقتصادية للفرد أكثر قابلية للتوصيف والقياس، فإن ذلك لا يغير طريقة تقييم الأفراد والمؤسسات فحسب، بل يفتح الباب أمام إعادة التفكير في الأدوات الاقتصادية التي تعبر عن هذه القيمة. فالاقتصاد عبر تاريخه كان يطور أدواته كلما تغير مصدر الثروة، والانتقال من اقتصاد الأصول إلى اقتصاد الإنسان قد يقود مستقبلًا إلى نماذج جديدة لتمثيل القيمة الفردية، وتمويلها، وتبادلها.
ومن هنا يكتسب السؤال الوارد في عنوان هذا المقال مشروعيته. فإذا أصبحت القيمة الاقتصادية لكل إنسان قابلة للقياس بدرجة متزايدة من الدقة، فهل يأتي يوم تصبح فيه هذه القيمة أساسًا لأدوات اقتصادية ومالية جديدة تعبر عنها؟ وليس النقاش هنا حول شكل العملة، بل حول مصدر القيمة التي تمثِّلها. فالعملة، عبر التاريخ، لم تكن سوى وسيلة للتعبير عن قيمة يعترف بها المجتمع ويتبادلها، وعندما يتغير مصدر تلك القيمة، يصبح من الطبيعي أن تتطور الأدوات التي تعبر عنها.
وتضع هذه التحولات مسؤوليات جديدة على الجامعات، ومراكز الأبحاث، والجهات التنظيمية. فكما قادت المؤسسات العلمية أبحاث الجينوم والطب الشخصي، فإنها مطالبة اليوم بدراسة التحولات التي يشهدها الاقتصاد الرقمي، وصياغة أطر علمية وتشريعية تستوعب العلاقة بين الذكاء الاصطناعي، والملكية الفكرية، والهوية الرقمية، ورأس المال البشري، بما يضمن توظيف هذه التحولات في تعزيز التنمية والابتكار.
وفي المملكة العربية السعودية، تهيئ مستهدفات رؤية المملكة 2030 بيئة واعدة للمشاركة في هذا الحوار العالمي، من خلال الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والبحث والتطوير، وتنمية رأس المال البشري، وتعزيز منظومة الابتكار. ولا تقتصر أهمية هذه الاستثمارات على تطوير التقنيات، بل تمتد إلى الإسهام في إنتاج مفاهيم اقتصادية جديدة تنطلق من قراءة علمية للتحولات العالمية، وتثري الفكر الاقتصادي من منظور سعودي.
لقد أعاد الجينوم البشري تعريف الإنسان في الطب، وقد تحمل التحولات الاقتصادية والرقمية إعادة تعريف مماثلة للإنسان في الاقتصاد. فكلما ازدادت قيمة المعرفة، والابتكار، والثقة، والهوية الرقمية، أصبح الإنسان نفسه الأصل الاقتصادي الأكثر أهمية. وعندها لن يكون السؤال الاقتصادي الأكثر تأثيرًا: كم يملك الإنسان؟ بل: ما القيمة التي يمثلها؟ وإذا كان هذا السؤال سيعيد تشكيل الفكر الاقتصادي كما أعاد الجينوم تشكيل الطب، فإن العالم قد يكون على أعتاب مرحلة جديدة، يصبح فيها الإنسان نقطة البداية لفهم القيمة الاقتصادية، كما أصبح نقطة البداية في الطب الشخصي. وربما يكون «جينوم المال» هو الاسم الذي يصف هذه المرحلة.