أنس تشكالا
في أحد الأيام، سأل حكيمٌ تلميذه: «كم يحتاج الإنسان ليعيش سعيدًا؟» فأخذ التلميذ يعدّد: بيتًا واسعًا، وسيارةً جميلة، وحسابًا مصرفيًا مطمئنًا، وسفرًا متكررًا، وأشياء أخرى كثيرة. ابتسم الحكيم وقال: «كلما أطلت القائمة، ابتعدت عن الجواب. فالإنسان لا يتعب من قلة ما يملك دائمًا، بل من كثرة ما يظن أنه يحتاج إليه».
ولعل هذا هو السؤال الذي يواجه الإنسان المعاصر أكثر من أي وقت مضى: أين تنتهي الحاجة، وأين يبدأ الترف؟ فالحياة الحديثة لا تكتفي بتلبية احتياجاتنا، بل تصنع لنا احتياجات جديدة كل يوم. وما إن نقتني شيئًا حتى يظهر ما هو أحدث منه، وما إن نبلغ غايةً حتى تُرسم لنا غاية أخرى. وهكذا يجد الإنسان نفسه في سباق لا يعرف له خط نهاية.
لقد أصبحنا نعيش في عالمٍ يتقن صناعة الرغبات أكثر من صناعة الأشياء. فالإعلانات لا تبيع المنتجات وحدها، بل تبيع أنماطًا من الحياة، وصورًا للنجاح، وأحلامًا جاهزة.
إنها تقنعنا بأن السعادة مؤجلة إلى أن نشتري هذا الهاتف، أو نسكن ذلك المنزل، أو نسافر إلى تلك الوجهة. وحين نحقق واحدة منها، نكتشف أن الشعور بالاكتمال لم يدم طويلًا، لأن السوق كان قد أعدّ لنا رغبة جديدة.
وليس الخطأ في أن يسعى الإنسان إلى تحسين حياته؛ فالإسلام لا يدعو إلى الزهد السلبي، ولا يعادي الجمال أو النعمة. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الوسائل إلى غايات، ويصبح الامتلاك معيارًا للقيمة، وكأن الإنسان يُقاس بما يملك لا بما يكون.
ومن أغرب مفارقات عصرنا أن البيوت أصبحت أكبر، بينما ضاق الوقت الذي يجتمع فيه أفراد الأسرة. وكثرت الأجهزة التي توفر الراحة، لكن الراحة النفسية أصبحت أكثر ندرة. وازدادت وسائل الاتصال، بينما يشكو كثيرون من الشعور بالوحدة. وكأننا نجحنا في جمع الأشياء، لكننا لم ننجح دائمًا في جمع المعاني.
ولعل السؤال الذي لا نطرحه على أنفسنا بما يكفي هو: هل هذا الشيء أحتاج إليه حقًا، أم أنني أريده فقط لأن الآخرين يملكونه؟ فكثير من قراراتنا الشرائية لا تصنعها الحاجة، بل تصنعها المقارنة. نشتري لأن غيرنا اشترى، ونسافر لأن غيرنا سافر، ونسعى إلى أسلوب حياة لا يناسبنا، فقط لأن صورته تبدو جميلة على الشاشات.
وقد أدرك علماء النفس هذه الظاهرة، فتحدثوا عن «التكيف مع المتعة»، حيث يعتاد الإنسان بسرعة على ما يمتلكه، فلا يعود مصدرًا للسعادة كما كان في البداية. ولهذا فإن البحث الدائم عن المزيد لا ينتهي، لأن المشكلة ليست في الشيء الجديد، بل في الطريقة التي نتعامل بها معه.
وفي تراثنا الإسلامي، نجد توازنًا بديعًا بين الأخذ بأسباب الدنيا، وعدم الارتهان لها. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه أن يرزقه الكفاية، لا الإسراف، وأن يجعل الغنى غنى النفس قبل غنى اليد. فليس الغني من كثرت أمواله، وإنما من استغنى قلبه عن اللهاث وراء ما لا ينتهي.
ومن يتأمل حياة كثير من الناس يلاحظ أن أجمل ذكرياتهم لا ترتبط غالبًا بأغلى ما اشتروا، بل بأبسط ما عاشوا. جلسة عائلية دافئة، أو رحلة مع الأصدقاء، أو كتاب غيّر طريقة التفكير، أو حديث صادق مع والدين، أو دعاء في ساعة سكون. هذه اللحظات لا تُشترى، لكنها هي التي تمنح الحياة معناها الحقيقي.
ولا يعني هذا أن المال بلا قيمة، فهو نعمة عظيمة إذا وُضع في موضعه، وكان وسيلةً للخير والعطاء والاستقرار. لكن الخطر يكمن في أن يتحول من خادم إلى سيد، ومن وسيلة إلى غاية. فحين يحدث ذلك، يبدأ الإنسان في امتلاك الأشياء، ثم تنتهي الأشياء إلى امتلاكه.
إن الفرق بين الحاجة والرغبة ليس اقتصاديًا فحسب، بل هو فرق في طريقة النظر إلى الحياة. فالحاجة تُشبع، أما الرغبة إذا تُركت بلا ضابط، فإنها تتكاثر. ولذلك فإن الحكمة ليست في أن نملك كل ما نشتهي، بل في أن نعرف ما الذي يستحق أن نشتهيه أصلًا.
وربما كانت البساطة، التي يظنها بعض الناس حرمانًا، شكلًا من أشكال الحرية. فالإنسان الذي لا تثقل كاهله الكماليات الزائدة، ولا يطارد كل جديد، يكون أقدر على توجيه وقته وجهده لما هو أبقى أثرًا؛ لعلاقاته، وعلمه، وعبادته، وعطائه للمجتمع.
وفي النهاية، ليست المشكلة في كثرة ما نملك، بل في اتساع المسافة بين ما نملك وما نظن أننا نحتاج إليه. فكلما ضاقت هذه المسافة، اقترب الإنسان من الرضا، وكلما اتسعت، ازداد شعوره بالنقص، ولو كانت خزائنه ممتلئة.
ولعل السعادة ليست أن نحصل على كل ما نريد، بل أن نعرف ما الذي نحتاج إليه حقًا، ثم نحسن شكر الله عليه. فالحياة لا تُقاس بعدد الأشياء التي جمعناها، وإنما بعدد القيم التي عشناها، والقلوب التي أسعدناها، والأثر الطيب الذي تركناه. وبين ما نملك وما نحتاج، تتحدد جودة حياتنا، ويُختبر معنى الغنى الحقيقي.