عمرو أبوالعطا
منذ أن استقرت مكة المكرمة في قلب الوجدان الإسلامي، تحولت إلى أكثر من مدينة، وأكثر من جغرافيا، وأكثر من مركز ديني يلتف حوله المؤمنون من أطراف الأرض. كانت مكة عبر القرون صورةً متخيلة تسكن ذاكرة العالم، مدينةً يراها الملايين في الدعاء قبل أن يروها في الطريق، وتصل إليهم عبر الروايات والخرائط ووصف الرحالة قبل أن تصل عبر الصورة والضوء.
في القرن التاسع عشر تحديداً، بدأت تلك المدينة تدخل عصراً جديداً من التمثيل البصري، حين انتقلت من عالم الريشة والوصف الأدبي إلى عالم العدسة والتوثيق الضوئي، فصار الحرم المكي موضوعاً للفنانين والمصورين والرحالة والمستشرقين الذين حاولوا الإمساك بسر المكان، أو الاقتراب من جوهره الإنساني والروحي والعمراني.
كانت مكة بالنسبة للمستشرق الأوروبي مدينةً عصية على الاختراق. قدسيتها وحرمة دخولها على غير المسلمين صنعت حولها هالة كثيفة من الغموض، فظهرت في المخيال الغربي باعتبارها المدينة الممنوعة، المدينة التي يسمع عنها العالم أكثر مما يراها. ولهذا جاءت اللوحات الأولى عن مكة محملةً بقدر كبير من الخيال والرغبة في صناعة شرق أسطوري تغمره الرمال والقوافل والطقوس الغامضة. غير أن بعض الفنانين تجاوزوا هذا الميل الاستعراضي، واتجهوا نحو محاولة فهم التجربة الروحية ذاتها، فرسموا الحج بوصفه تجربة إنسانية كونية.
في مقدمة هؤلاء يظهر الفنان الفرنسي ليون بيلي الذي قدم في عام 1861 لوحته الشهيرة «الحجاج الذاهبون إلى مكة»، وهي واحدة من أهم الأعمال الفنية التي تناولت الحج في القرن التاسع عشر. لا تظهر الكعبة في اللوحة، وإنما يظهر الطريق إليها، وكأن الفنان أراد أن يقول إن قدسية الرحلة تبدأ قبل الوصول.
القافلة الطويلة تتحرك في الصحراء تحت ضوء قاسٍ، والجمال تسير بإيقاع بطيء، والوجوه تبدو مرهقة ومضيئة في الوقت ذاته. لم يكن بيلي منشغلاً بالزخرفة الشرقية المعتادة في الفن الاستشراقي، وإنما انصرف إلى تصوير الوقار والتعب والصمت الإنساني الذي يرافق الرحلة إلى الأماكن المقدسة. الصحراء في لوحته ليست فراغاً جغرافياً، وإنما امتحان روحي، والإنسان فيها يبدو صغيراً أمام امتداد الرمل والسماء، غير أن هذا الصغر يتحول إلى قوة معنوية تدفعه نحو مكة.
ثم جاءت تجربة ناصر الدين دينيه لتفتح باباً مختلفاً تماماً في النظر إلى الحجاز. لم يكن دينيه رساماً عابراً للشرق، فقد عاش في الجزائر، واعتنق الإسلام، وزار مكة حاجاً، فخرجت أعماله من منطق المراقبة الخارجية إلى منطق المشاركة الوجدانية. في لوحاته التي تصور الطواف والمسجد الحرام تظهر الكتل البشرية في حركة دائرية متدفقة حول الكعبة، وتبدو الألوان مشبعة بحرارة الشمس الحجازية المنعكسة على الرخام الأبيض. اهتم دينيه بتنوع الوجوه والأعراق، فالحجاج القادمون من أفريقيا وآسيا والمغرب العربي يظهرون باعتبارهم نسيجاً بشرياً واحداً يتوحد داخل الإحرام والطواف. هنا تراجعت النظرة الاستشراقية التقليدية التي ترى الشرق بوصفه مسرحاً للغرابة، وحل محلها إدراك جمالي وروحي لمدينة تجمع البشر داخل تجربة تتجاوز الحدود واللغات.وفي الوقت الذي كانت فيه الريشة تحاول الاقتراب من مكة عبر التأمل الفني، كانت التكنولوجيا الحديثة تقتحم العالم الإسلامي حاملة معها اختراعاً جديداً سيغير تاريخ الرؤية الإنسانية؛ التصوير الفوتوغرافي. ظهرت تقنية الداجيروتيب في أربعينيات القرن التاسع عشر، معتمدة على ألواح فضية مصقولة تنتج صورة فريدة غير قابلة للاستنساخ. ورغم أن الجدل ما زال قائماً حول وجود صور داجيرية مبكرة مؤكدة لمكة، فإن الدراسات التاريخية تشير إلى محاولات جرت لتصوير الحجاز خلال تلك المرحلة، غالباً تحت غطاء بعثات علمية أو جغرافية.
كان التصوير في مكة مهمة شبه مستحيلة. الحرارة المرتفعة كانت تفسد المواد الكيميائية، والغبار يهاجم العدسات والألواح الحساسة، والرحلة من جدة إلى مكة مرهقة للمعدات الثقيلة التي كانت تُنقل على ظهور الجمال. فوق ذلك كله كانت قدسية المكان تفرض حساسية اجتماعية وسياسية شديدة تجاه «الآلة الشعاعية» الجديدة. ولهذا تأخر ظهور صور واضحة لمكة مقارنة بمدن مثل القاهرة وبيروت والقدس.
غير أن هذا التأخر انتهى مع ظهور شخصية محورية في تاريخ التوثيق البصري للحجاز، هي شخصية محمد صادق بيه. ففي عام 1861، وأثناء مرافقته للمحمل المصري، التقط أول صور فوتوغرافية معروفة للمسجد الحرام والمسجد النبوي باستخدام تقنية «الكولوديون المبلل»، كانت العملية شديدة التعقيد؛ إذ يتوجب تجهيز اللوح الزجاجي وتعريضه وتظهيره قبل أن يجف، ما استلزم وجود معمل متنقل وخيمة مظلمة بجوار الكاميرا.
تكشف صور محمد صادق بيه عقلية المهندس بقدر ما تكشف عين الفنان. اهتمامه لم ينصب على الجماليات وحدها، وإنما اتجه أيضاً إلى التوثيق المعماري الدقيق. صور الكعبة، والأروقة العثمانية، والمآذن، والمنازل المحيطة بالحرم، والمقامات الأربعة، ومبنى زمزم القديم، تحولت اليوم إلى أهم الوثائق البصرية لفهم عمارة مكة في العصر العثماني المتأخر. الكاميرا هنا لم تعد أداة فرجة، وإنما صارت وسيلة لحفظ الذاكرة العمرانية لمدينة تتغير باستمرار.
وفي ثمانينيات القرن التاسع عشر ظهر المستشرق الهولندي كريستيان سنوك هرخرونيه الذي قدم واحداً من أهم المشاريع الأنثروبولوجية عن مكة. لم يكن هرخرونيه مجرد مصور، وإنما باحثاً يسعى لفهم المجتمع المكي من الداخل. أنتج مجموعة واسعة من الصور التي تجاوزت تصوير الحرم لتشمل الأسواق، والأحياء، والحجاج، والوجوه اليومية للمدينة. استعان بطبيب مكي يُعتقد أنه عبد الغفار، تعلم التصوير وساعده في التقاط لقطات يصعب على الأجانب الوصول إليها.
تكتسب صور هرخرونيه أهميتها من أنها قدمت مكة بوصفها مدينة عالمية نابضة بالحياة. نرى الحجاج القادمين من جاوة والهند والمغرب والسودان وتركستان، ونرى اختلاف الملابس والعمائم وطرق الجلوس والطعام، ونرى الأسواق الضيقة والمقاهي الشعبية والحركة التجارية المتدفقة في «سوق الليل» و»المدعى» الصورة هنا لم تعد مجرد مشهد ديني، وإنما تحولت إلى دراسة اجتماعية كاملة عن مدينة تجمع العالم الإسلامي داخل مساحة واحدة.
تكشف تلك الصور أيضاً عن النسيج العمراني المكي القديم، ذلك النسيج الذي اختفى جزء كبير منه مع التوسعات الحديثة. البيوت الحجرية متعددة الطوابق كانت ترتفع حول الحرم في تكوين عضوي متشابك، والرواشين الخشبية البارزة تسمح بدخول الهواء والضوء وتحفظ الخصوصية في آن واحد. الأزقة الضيقة كانت تقود كلها نحو المسجد الحرام، وكأن التخطيط العمراني نفسه يتحرك حول المركز الروحي للمدينة.
الجبال المحيطة بمكة، مثل جبل أبي قبيس وقعيقعان وخندمة، ظهرت في اللوحات والصور باعتبارها جدراناً طبيعية تحرس الحرم، بينما كانت القلاع العثمانية الجاثمة فوق المرتفعات تذكر بالحضور السياسي والعسكري للدولة.
المسجد الحرام ذاته بدا في القرن التاسع عشر عالماً عمرانياً مختلفاً تماماً عما نراه اليوم. الأروقة العثمانية بقبابها الصغيرة وأعمدتها الرخامية أحاطت بالصحن، والمقامات الأربعة توزعت حول الكعبة، ومبنى زمزم بقبة مميزة استقر داخل ساحة الطواف، والمنبر الرخامي وباب بني شيبة شكلا جزءاً من المشهد البصري للحرم. صور محمد صادق بيه تُعد المرجع الأهم لفهم هذه التفاصيل التي اختفى كثير منها لاحقاً.
أما المحمل المصري والشامي فقد شكلا ذروة الدراما البصرية في ذلك العصر. المحمل، بكسوته المطرزة وهودجه الضخم، تحول في لوحات المستشرقين إلى رمز احتفالي هائل، حيث الخيول العربية والسيوف والحشود والمواكب العسكرية. غير أن صور محمد صادق بيه قدمت وجهاً آخر للمحمل، وجهاً تنظيمياً وإدارياً يعكس حضور الدولة ونظامها في إدارة موسم الحج. ظهرت الخيام في منى وعرفات، والجنود بملابسهم الرسمية، والقوافل في مسيرها الطويل عبر الصحراء.
ومن خلال المقارنة بين الريشة والعدسة تظهر الفروق العميقة بين الرؤيتين. اللوحة الفنية كانت تميل إلى المنظور الملحمي، فتضخم الضوء والمسافات، وتعيد تشكيل الواقع وفق الإحساس الداخلي للفنان. أما الصورة الفوتوغرافية فقد اتجهت إلى التوثيق والالتزام بالأبعاد الحقيقية. الرسام يستطيع حذف ما يراه قبيحاً أو غير مناسب، بينما العدسة تسجل التفاصيل كما هي؛ البيوت المتهالكة، ضيق الأزقة، ازدحام الحشود، آثار الغبار على الجدران. ولهذا اكتسبت الصور قيمة تاريخية وعلمية ضخمة في دراسة تطور مكة العمراني والاجتماعي.
ورغم ذلك، فإن الصورة الفوتوغرافية لم تكن خالية من الرؤية الذاتية. زاوية الالتقاط، وطريقة توزيع الضوء، واختيار اللحظة، كلها عناصر تعكس حساسية المصور. غير أن الفارق الجوهري تمثل في أن العدسة منحت المشاهد مساحة أوسع لاستخلاص الحقيقة بنفسه، بعيداً عن الانفعالات الرومانسية التي كانت تحيط بكثير من اللوحات الاستشراقية.
تقنياً، كان التصوير في مكة معركة يومية مع الطبيعة. الحرارة العالية كانت تتسبب في تبخر المواد الكيميائية، والرمال الدقيقة تتسلل إلى العدسات والكاميرات الخشبية، والألواح الزجاجية الهشة مهددة بالكسر طوال الرحلة من جدة إلى مكة. لذلك تبدو الصور التي وصلت إلينا اليوم أشبه بمعجزات تقنية نجت من ظروف قاسية. ومع تطور تقنية «الألبومين» التي استخدمت بياض البيض لتثبيت المواد الحساسة على الورق، أمكن إنتاج نسخ متعددة من الصور، فانتشرت صورة مكة للمرة الأولى على نطاق واسع في العالم الإسلامي وأوروبا.
لم تكن تلك الصور معزولة عن أدب الرحلات الذي سبقها. رحالة مثل جون لويس بوركهاردت وريتشارد بيرتون قدموا أوصافاً تفصيلية لمكة قبل انتشار التصوير، فجاءت بعض اللوحات لاحقاً تجسيداً بصرياً لتلك النصوص. غير أن الصور الفوتوغرافية عادت أحياناً لتصحح مبالغات الرحالة، مقدمة مكة مدينةً واقعية تعيش تحديات البيئة وشظف الحياة اليومية، وفي الوقت نفسه تحتفظ بمهابتها الروحية.
في تلك الأعمال جميعها ظهرت مكة باعتبارها «مدينة الحركة». الحشود تطوف بلا توقف، القوافل تدخل وتغادر، الأسواق تضج بالبشر، والأعراق المختلفة تلتقي في مساحة واحدة. حتى الصور ذات التعريض الطويل التي جعلت الأشخاص المتحركين يظهرون كظلال باهتة منحت إحساساً غريباً بديمومة الطواف واستمرار الزمن داخل الحرم.
اليوم، بعد أكثر من قرن ونصف على تلك اللحظات الأولى للتوثيق البصري، تكتسب هذه اللوحات والصور قيمة استثنائية. كثير من الأحياء القديمة اختفى، والقلاع أزيلت، والتضاريس تغيرت، والتوسعات الحديثة أعادت تشكيل المجال العمراني المحيط بالحرم. ولهذا صارت أعمال محمد صادق بيه، وسنوك هرخرونيه، وناصر الدين دينيه، وليون بيلي، بمثابة ذاكرة بصرية كبرى تحفظ ملامح مكة التي غابت.