د.عبدالرحمن الحبيب
«تراجعت النظرة العالمية للولايات المتحدة العام الماضي مع بداية ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية، على الرغم من أن معظم الناس كانوا ينظرون إلى الولايات المتحدة بنظرة أكثر إيجابية من الصين، إلا أن الوضع تغير هذا العام»، حسبما جاء بمقدمة تقرير استطلاع الرأي العام العالمي السنوي لمركز بيو للأبحاث بواشنطن.
فماذا تكشف النتائج؟ وما هي ردود الفعل في الصحافة الصينية والأمريكية؟
تبرز النتائج تحوّلاً تاريخياً في الرأي العام العالمي. تحظى الصين الآن بنظرةٍ أكثر إيجابية من الولايات المتحدة في 25 دولة من أصل 36 دولة، خاصة في العديد من دول آسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط، بل حتى بين بعض شركاء الولايات المتحدة الأوربيين فضلاً عن جارتيها كندا والمكسيك. بالمقابل، تنال الولايات المتحدة نظرة أكثر إيجابية من الصين في ست دول فقط، بينها أربع دول في آسيا والمحيط الهادئ: الهند، واليابان، والفلبين، وكوريا الجنوبية.
أظهرت النسبة العالمية العامة انخفاضاً حاداً في تفضيل أمريكا على الصين من 58 % و54 % خلال عامي 2023 و2024 إلى 48 % 36 % خلال عامي 2025 و2026 على التوالي؛ مقابل ارتفاع تفضيل الصين من 32 و33 % خلال عامي 2023 و2024 إلى 38 و46 % خلال عامي 2025 و2026 على التوالي.
بالانتقال إلى أسئلة الاستطلاع ونقاط قوة كل دولة، يوضح التقرير أنه في مجال الثقة في كل من الرئيسين الأمريكي ترامب والصيني شي كانت منخفضة عمومًا، رغم حصول شي على تقييم أعلى في 22 دولة من أصل 36 دولة شملها الاستطلاع.
ومن المجالات التي لا تزال الولايات المتحدة تتفوق فيها على الصين، هي الحريات الشخصية، يذكر التقرير: «لأكثر من عقد من الزمان، سألنا الناس عما إذا كانوا يعتقدون أن حكومتي الولايات المتحدة والصين تحترمان الحريات الشخصية لشعبيهما. أظهرت بياناتنا باستمرار وجود فجوة، حيث يميل الناس إلى القول بأن الحكومة الأمريكية تحترم حريات شعبها أكثر..»
وبشير التقرير إلى أن السياسة الخارجية لكل من الصين والولايات المتحدة ركزت بشكل كبير على الدول متوسطة الدخل في السنوات الأخيرة، ونتيجة لذلك، تضمن الاستطلاع أسئلة إضافية حول تصورات السياسة الخارجية الأمريكية والصينية في البلدان متوسطة الدخل: «أبدى سكان 17 دولة متوسطة الدخل مخاوف أكبر بشأن السياسة الخارجية للولايات المتحدة مقارنةً بالصين. وقال 75 % منهم، في المتوسط، إن الولايات المتحدة تتدخل في شؤون الدول الأخرى بشكل كبير أو نسبي، بينما قال 45 % الشيء نفسه عن الصين.»
بعد نشر التقرير، سارعت الصحافة الصينية للاحتفاء به واعتبرته تفوقاً مذهلاً في قوتها الناعمة على الولايات المتحدة. كما وصفته بعض وسائل الإعلام الغربية مثل بلومبيرغ، بأنه انتصار للقوة الناعمة.
بينما شكك بعض المحللين في هذا الانتصار، بحجة أن التدقيق في النتائج يكشف أن الصين تتفوق أساساً في مجالات الإقراض والشراء، بينما القوة الناعمة تشير إلى القدرة على الجذب والإقناع من خلال الثقافة والقيم، لا الإكراه باستخدام القوة الصلبة (العسكرية أو الاقتصادية) كما كتب المحلل الجيوسياسي بوبي غوش، الذي خلص إلى أنه «بالتدقيق، يتضح أن الفوز ليس من نصيب أحد.» (فورين بوليسي).
أما أكثر الملاحظات تداولاً، فهي أن النتائج لا تعني حبَّاً بالصين ودعماً لها، بل نتيجة السخط العالمي من الإدارة الأمريكية خلال السنتين الأخيرتين. هذا النمط سبق أن لوحظ مؤقتاً بعد بعض الانتخابات الأمريكية على مدى ثلاثة عقود ثم يعود تفوق القوة الناعمة الأمريكي؛ وهي ظاهرة أطلق عليها هندريك أونيسورج، مدير معهد العلوم السياسية بجامعة بون، وصف «بندول القوة الناعمة»، نظراً لتقلباتها.