أحمد الأسمري
في صيف 1945، كان النظام النازي في ألمانيا قد سقط، وانهار حليفه الفاشي في إيطاليا، وبقيت اليابان تقاتل وحدها. مدنها تتهاوى تحت القصف، وأسطولها فقد قدرته، والحصار يشتد عليها، لكن قادتها ظلوا يراهنون على جعل غزو الجزر اليابانية مكلفاً إلى حد يدفع الحلفاء إلى التفاوض.
كانت معركة أوكيناوا قد كشفت حجم الثمن المتوقع؛ مقاومة يابانية شرسة، وآلاف القتلى، واستعداد للقتال حتى النهاية. وفي يوليو، طالبت واشنطن ولندن وبكين اليابان بالاستسلام، وتوعدها إعلان بوتسدام بـ«دمار سريع وكامل». لم تستجب طوكيو، وكانت الولايات المتحدة قد اختبرت قبل ذلك بأيام أول قنبلة ذرية في صحراء نيومكسيكو.
عند الثامنة والربع من صباح 6 أغسطس، ظهرت القاذفة «إينولا غاي» فوق هيروشيما، وأسقطت قنبلة «الولد الصغير». في لحظات تحولت المدينة إلى نار وركام، ومات عشرات الآلاف، ثم واصل الإشعاع قتل من نجا من الانفجار.
لم تعلن اليابان استسلامها. وفي 8 أغسطس أعلن الاتحاد السوفيتي الحرب عليها، وبدأت قواته في اليوم التالي اجتياح منشوريا، ثم جاءت الضربة النووية الثانية في اليوم نفسه. حملت القنبلة اسم «الرجل البدين»، وكان هدفها ناجازاكي، فحلّت بها كارثة أخرى أكدت أن ما وقع في هيروشيما لم يكن ضربة يتيمة، وأن مدناً جديدة قد تختفي بالطريقة نفسها.
عندها تدخل الإمبراطور هيروهيتو، وحسم انقسام القيادة الذي استمر حتى اللحظات الأخيرة، قبل أن يعلن في 15 أغسطس قبول الاستسلام. وفي 2 سبتمبر، وقّع ممثلو اليابان وثيقته على متن البارجة الأمريكية «ميسوري». انتهت الإمبراطورية التي اجتاحت شرق آسيا إلى استسلام كامل ومذل، واحتلال أمريكي، ونزع للسلاح، ودستور جديد، وصوت إمبراطور يطلب من شعبه احتمال ما لا يحتمل.
وما زال الجدل قائماً حول العامل الذي حسم الحرب: القنبلتان، أم دخول السوفييت، أم الحصار والانهيار الذي سبق ذلك كله. لكن الثابت أن الصدمة النووية كسرت ما بقي من إرادة الاستمرار، وقدمت القنبلة بوصفها سلاحاً قادراً على إنهاء حرب عجزت الوسائل التقليدية عن حسمها.
ومذاك، بقي النووي خارج ميادين القتال. غير أن الحروب المستعصية تعيد دائماً إغراء «الحسم الأخير». ومع تعثر الحسم في حرب إيران، قد تتزايد الضغوط على الرئيس ترمب لتوسيع خياراته، ولا سيما إذا نجحت مساعي نتنياهو واللوبي الصهيوني في دفع المواجهة نحو مزيد من التصعيد. وعندها قد تستهويه فكرة الإخضاع بضربة مروّعة، فيميل إلى استخدام قنبلة نووية تكتيكية ضد هدف ما، أملاً في دفع طهران إلى الاستسلام.
اليابان عام 1945 كانت دولة مهزومة ومحاصرة، تواجه الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي معاً. أما إيران اليوم فتقف وسط إقليم ملتهب، وشبكة من الحلفاء والخصوم والمصالح الدولية المتداخلة. وما عجّل بإنهاء حرب قبل ثمانية عقود قد لا ينهي حرباً أخرى، لكنه سيجهز على الحاجز الذي حمى البشرية منذ ناجازاكي.