ليلى أمين السيف
هناك أطفال يكبرون وهم يظنون أن بيوتهم تشبه كل البيوت. يظنون أن الخوف طبيعي وأن الاعتذار الدائم فضيلة وأن مراقبة تعابير وجه الأم أو الأب قبل كل كلمة مهارة يجب أن يتقنوها كي ينجوا. ثم يكبرون ويكتشفون أن ما عاشوه لم يكن تربية بل كان رحلة طويلة من المشي فوق الزجاج.
إذا كنت ابنا أو ابنة لأم أو أب نرجسي أو شديد السيطرة أو يستخدم الحب وسيلة للمكافأة والعقاب فأريد أن أحدثك بقلب هادئ.
أولا لم تكن المشكلة فيك.
الطفل بطبيعته يصدق والديه. فإذا قالت له أمه إنه فاشل، صدق. وإذا شعر أن حبها له مشروط بالطاعة أو الإنجاز أو تلبية رغباتها عاش عمره كله يحاول أن يستحق ذلك الحب. كبرت وأنت تظن أن عليك إرضاء الجميع.
أن تعتذر حتى عندما لا تخطئ.
أن تشعر بالذنب إذا قلت: «لا»
أن تتحمل الإهانة لأنك تخاف فقدان الحب. ولعلك إلى اليوم ما زلت تسمع صوتها في داخلك حتى وإن كنت تعيش في مدينة أخرى.
لكن اسمعني جيدا ليس مطلوبا منك أن تكره أمك أو أباك، وليس مطلوبا منك أيضا أن تدمر نفسك لإرضائهما . في مجتمعاتنا يختلط البر بالاستسلام بينما بينهما فرق كبير.
البرهو الإحسان والاحترام والدعاء وصلة الرحم. أما الاستسلام للإساءة وإلغاء نفسك وقبول الإهانة باسم البر فليس هذا برا بل ظلم للنفس.
ضع حدودا ولكن دون وقاحة، تحدث بأدب لكن لا تسمح لأحد أن يسحق كرامتك.
إذا تحول كل لقاء إلى إهانة فقلل اللقاءات. إذا كانت المكالمات تستنزف روحك فاجعلها أقصر.
إذا كان كل حديث ينتهي بتجريحك فلا تدخل في معارك لإثبات براءتك لأن بعض الناس لا يبحثون عن الحقيقة بل عن السيطرة.
تذكر دائما أنك لست مسؤولا عن تغيير أمك أو أبيك.
قد تقضي سنوات تحاول إقناعهما أو تنتظر اعتذارا لن يأتي. اشفِ الطفل الذي في داخلك.
قل له ما كان يحتاج أن يسمعه:
أنت كاف. أنت محبوب. أخطاؤك لا تنقص من قيمتك ولست مسؤولا عن سعادة الجميع. واختر الناس الذين يمنحونك الطمأنينة لا الذين يعيدون فتح جراحك.
قد لا تستطيع تغيير والديك ليس لأنك قصّرت بل لأنهما في الغالب لا يريان نفسيهما مخطئين. هما يعتقدان أنهما يربيان كما ينبغي وأن الشدة والسيطرة وكثرة الانتقاد والتدخل في كل تفاصيل حياتك ليست إلا حرصا وخوفا عليك. وقد لا يدركان أن ما يعتبرانه تربية يترك في قلبك جراحا تمتد لسنوات.
والمؤلم أن الابن أو الابنة الأكثر برا، والأكثر صبرا هو الذي يتحمل غالبا النصيب الأكبر من هذا الضغط؛ لأنه يبقى قريبا ويسامح ويعود في كل مرة فيزداد الاعتماد عليه ويشتد الخناق حوله.
إنها معادلة قاسية؛ فأنت تحب والديك وتريد برهما كما أمرك الله، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى أن تحمي نفسك من الأذى النفسي، ولهذا فإن النجاة ليست في تغييرهما فذلك أمر قد لا يملكه الأبناء وإنما في أن تتعلم كيف تنجو بنفسك دون أن تفقد إنسانيتك.
أن تبر والديك لكن لا تهمل نفسك، أن تحسن إليهما لكن لا تسمح للألم أن يلتهم روحك.
وإذا رزقك الله أبناء فلا تجعلهم يدفعون ثمن الجراح التي حملتها معك من طفولتك.
اكسر السلسلة.
اجعل بيتك مكانا يشعر فيه الطفل بالأمان لا بالخوف، بالحوار لا بالصراخ، بالحب غير المشروط لا بالمقايضة، وبالاحتواء لا بالإذلال.
قد لا تستطيع أن تغير الماضي لكنك تستطيع أن تمنع الماضي من أن يصبح مستقبلا لأطفالك.
فأجمل انتصار يحققه الإنسان ليس أن يغير والديه، بل أن يمنع الألم من أن يعبر إلى الجيل الذي بعده.
أن تنجو بنفسك وتبر والديك وتحسن إلى أبنائك؛ فحينها فقط تنتهي الحكاية عندك ولا تبدأ من جديد في حياة من تحب.
** **
- يمنية مقيمة في السويد