صالح الشادي
ذات يوم زارني الصديق الشيخ أنور بن الثامر بن مهيد، وهو صاحب علم ومعرفة.. وكنت أتألم من حصوات الكلى وأنتظر موعدي لإجراء عملية التفتيت، فأشار عليَّ باستخدام منقوع بذرة الخِلَّة. نقعت ملعقة طعام من البذور، ثم صفيتها وشربت كوباً كل اثنتي عشرة ساعة، واستمررت على هذا المنهج عدة أيام. بعدها بأسابيع، ذهبت إلى المستشفى ليفحصني طبيب الكلى، فقال لي: «ليس لديك حصوات!» كانت مفاجأة حقيقية، خاصة وأنني لم أكن من قبل ممن يحرصون على الطب الشعبي أو يهتمون به، رغم متابعتي له وكتابتي عن تاريخه في المملكة والجزيرة العربية من خلال أطروحتي للدكتوراه. لكن هذه التجربة الشخصية كانت كافية لإعادة طرح أسئلة كانت راقدة في ذاكرتي البحثية.
الطب الشعبي في كل دول العالم لم يأت من فراغ، بل نما عبر الممارسة والتجربة والملاحظة المتراكمة، عقداً بعد عقد وجيلاً بعد جيل.
قبل وصول الطب الحديث، كان سكان الجزيرة العربية مثلا يعتمدون على المعالجين بالأعشاب الذين ورثوا مهنتهم أباً عن جد، والعلاج في جوهره يعتمد على نباتات الأرض دون تدخل كيميائي أو تصنيعي. والأمم ذات العمق الحضاري -العرب والصينيون والهنود- برعوا في هذا المجال واستطاعوا السيطرة على الكثير من الأمراض، تاركين إرثاً ضخماً من المعارف والتجارب التي كانت سباقة في كثير من الأحيان إلى ما وصل إليه العلم لاحقاً. بذرة الخلة نفسها، التي كانت سبب تجربتي، تحمل في تركيبها الطبيعي خصائص مهدئة ومذيبة قد تساعد في تفتيت الترسبات الكلوية وتوسيع المسالك البولية، وهي معروفة في التراث الشعبي منذ قرون، لكن الدراسات العلمية حولها لا تزال محدودة مقارنة بما يستحقه هذا الإرث.
مع دخول الطب في سوق التجارة، تحولت الأولوية من العلاج النهائي إلى إدارة المرض، فتضخمت أسهم شركات الأدوية، وتكاثر «زبائن» الأمراض المزمنة كالضغط والسكر، وغيره. وأصبح المريض عميلاً دائماً لا زبوناً مؤقتاً. في هذا السياق، تراجع الطب الشعبي ليس لعدم فعاليته، بل لعدم الاعتراف به أكاديمياً- إما رغبة في تحييده، أو جهلاً به، أو بسبب غياب التنظيم والرقابة الذي يفتح المجال أمام الاستغلال المادي أحياناً. إن الثروة التي نملكها في أعشاب برية، وبذور مهملة، ووصفات متوارثة، قد تكون مفتاحاً للتخلص من فكرة السموم وجشع التجار، لكنها تبقى حبيسة البيوت والعطارين ما لم نمنحها الاهتمام الذي تستحقه.
لماذا لا يعود الاهتمام بالطب الشعبي في عالمنا العربي، إلى جانب الطب النبوي، فيُجمع ويُدوَّن ويُدرس علمياً وبحثياً ويُطوَّر؟ لقد كتبنا عنه في أطروحاتنا دون أن نأخذ به في حياتنا، واكتفينا بتسجيله توثيقاً تاريخياً بينما هو بحاجة ماسة إلى منهجية بحثية حديثة تختبر فعالياته وتفصل تداخلاته وتضبط استخداماته. ليس المطلوب استبدال الطب الحديث بالشعبي، بل إعادة الاعتبار للمعرفة المحلية ودمجها في منظومة علاجية متكاملة تخضع للبحث والتجربة السريرية، بعيداً عن التهميش من جهة، وعن التقديس الأعمى من جهة أخرى.
إن في إحياء هذا التراث ما يعيد للعرب مكانتهم في عالم الطب، كما كانت لهم في عصور الازدهار، حين كان العلاج غاية لا سلعة، وكانت المعرفة ميراثاً للجميع لا احتكاراً للقلة.