د. يحيى جابر
يسعدني اليوم في هذا المقال أن أتحدث عن الشعراء وممارستهم لدور إعلامي في مجتمعاتهم في زمن الجاهلية، قبل ظهور الصحافة المطبوعة بقرون طويلة، وقبل اختراع الإذاعة والتلفزيون والمنصات الرقمية، فقد عرف المجتمع العربي وسيلة إعلامية امتلكت القدرة على صناعة الرأي العام، ونقل الأخبار، والتأثير في الجماهير، وتوثيق الأحداث، والدفاع عن القضايا، وهي الشعر الجاهلي، فلم يكن الشعر مجرد فن أدبي للتسلية أو التغني بالمحبوبة، بل كان مؤسسة إعلامية متكاملة تقوم بوظائف الخبر، والتحليل، والدعاية، والعلاقات العامة، وصناعة الصورة الذهنية، والتأريخ، والتوثيق، حتى إن القبيلة كانت تفرح بولادة شاعرها كما تفرح بولادة قائدها العسكري، لأن القصيدة كانت تمثل سلاحًا إعلاميًا لا يقل أثرًا عن السيف في كثير من المواقف، «المصدرـ ابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه»، ويتصل علم الاجتماع بعلم النفس وبعلم الإعلام فكل العلوم تتصل ببعضها البعض في زوايا كثيرة تخص الإنسان ومداركه، وعقله، وقد اعتمد المجتمع العربي قبل الإسلام على الثقافة الشفوية بصورة كبيرة، إذ كانت نسبة القراءة والكتابة محدودة، لذلك أصبحت القصيدة وسيلة الاتصال الجماهيري الأولى بين القبائل، وكان الشاعر يلقي قصيدته في الأسواق الكبرى مثل سوق عكاظ وسوق مجنة وسوق ذي المجاز، فتنتشر بين الناس بالحفظ والرواية، ثم تنتقل من قبيلة إلى أخرى حتى تصل إلى أنحاء الجزيرة العربية، وهو ما يشبه اليوم انتشار الأخبار عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، إضافة لمهارة البلاغة والوصف وغيرها، «المصدر- الجاحظ، البيان والتبيين»، ويؤكد عدد من الباحثين أن القصيدة الجاهلية أدت وظائف إعلامية متعددة، أهمها نقل الأخبار السياسية والعسكرية والاجتماعية، والتعبير عن مواقف القبائل، والتأثير في اتجاهات الرأي العام، وبناء السمعة، والدفاع عن الهوية القبلية، وهي وظائف تتوافق مع كثير من مهام الإعلام الحديث‘ «المصدرـ عبد الله الغذامي، الثقافة التلفزيونية وسقوط النخبة».
وكان الشاعر يمثل المتحدث الرسمي لقبيلته، فيعلن الانتصارات، ويرد على الخصوم، ويفخر بأمجاد قومه، ويشرح أسباب الحروب، ويبرر المواقف السياسية، ويؤثر في معنويات أفراد القبيلة، ولذلك كان العرب يطلقون على الشاعر لقب «لسان القبيلة»، لأن كلامه يصل إلى الجميع ويؤثر فيهم بصورة مباشرة، «المصدر- ابن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء»، ومن أبرز الوظائف الإعلامية للشعر الجاهلي نقل الأخبار، فقد كانت القصائد تسجل تفاصيل المعارك، وأسماء الفرسان، وأسباب النزاعات، ونتائج الحروب، حتى أصبحت مصدرًا تاريخيًا اعتمد عليه كثير من المؤرخين في دراسة المجتمع العربي قبل الإسلام، ويشير المؤرخون إلى أن جانبًا كبيرًا من تاريخ العرب حفظته القصائد أكثر مما حفظته الوثائق المكتوبة، «المصدرـ ابن خلدون، المقدمة»، كما أدى الشعر وظيفة صناعة الصورة الذهنية، إذ رسم صورة إيجابية للقبيلة القوية والكريمة والشجاعة، وفي المقابل رسم صورة سلبية للأعداء من خلال الهجاء، وهي إستراتيجية إعلامية ما زالت تستخدمها وسائل الإعلام الحديثة في تحسين صورة جهة معينة أو تشويه صورة جهة أخرى، «المصدرـ حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء»، ومن وظائف الشعر أيضًا الدعاية والإقناع، حيث كانت القصائد تحفز على القتال، وتشجع على الكرم، وتدعو إلى الوفاء، وتحذر من الغدر، وتنشر القيم الاجتماعية السائدة، وهو ما يعرف اليوم بالإعلام الاقناعي الذي يسعى إلى تغيير الاتجاهات والسلوكيات لدى الجمهور، وامتاز الشعر الجاهلي بخصائص إعلامية جعلته شديد التأثير، منها البلاغة العالية، والإيجاز، وقوة الصور البيانية، وسهولة الحفظ، والإيقاع الموسيقي، والتكرار المقصود لبعض المعاني، وهي عناصر تساعد الرسالة الإعلامية على الوصول بسرعة إلى الجمهور والبقاء في الذاكرة لفترات طويلة، «المصدر- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز»، كما اعتمد الشعراء على المصداقية، إذ إن نقل خبر غير صحيح أو المبالغة غير المقبولة كان يعرض الشاعر للنقد والتكذيب من القبائل الأخرى، ولذلك كان كثير من الشعراء يحرصون على وصف الوقائع كما شاهدوها مع توظيف الأسلوب البلاغي، وهو ما يشبه اليوم أهمية التحقق من المعلومات في العمل الإعلامي، «المصدرـ ابن قتيبة، الشعر والشعراء»، وكانت أسواق العرب تمثل منصات إعلامية مفتوحة، يجتمع فيها آلاف الناس من مختلف القبائل للتجارة والأدب والخطابة والشعر، فتلقى القصئد أمام جمهور واسع، ثم تنتشر شفهيًا في جميع الاتجاهات، ولذلك وصفها بعض الباحثين بأنها أول منصات إعلام جماهيري في الجزيرة العربية، «المصدرـ شوقي ضيف، العصر الجاهلي»، ومن أشهر الشعراء الذين مارسوا هذا الدور الإعلامي امرؤ القيس، وزهير بن أبي سلمى، وعنترة بن شداد، وطرفة بن العبد، والنابغة الذبياني، والأعشى، حيث حملت قصائدهم رسائل سياسية واجتماعية وأخلاقية وتاريخية، إضافة إلى الوصف الدقيق للبيئة والحياة اليومية والعلاقات الإنسانية، وهو ما ذكره ابن سلام الجمحي، في «طبقات فحول الشعراء»، ولم تقتصر الرسائل الإعلامية على الحروب، بل تناولت الاقتصاد والتجارة والرحلات، ووصف الأسواق، والإبل، والخيل، والطقس، والنجوم، والطرق، والعادات الاجتماعية، والزواج، والضيافة، مما جعل القصيدة الجاهلية سجلًا معرفيًا متكاملًا للحياة العربية قبل الإسلام كما ذكر شوقي ضيف، في «العصر الجاهلي»، وتشير دراسات الاتصال الحديثة إلى أن أي رسالة إعلامية تحتاج إلى مرسل، ورسالة، ووسيلة، وجمهور، وتأثير، وهي العناصر التي توفرت جميعها في الشعر الجاهلي؛ فالمرسل هو الشاعر، والرسالة هي القصيدة، والوسيلة هي الإلقاء والرواة، والجمهور هو القبائل، أما التأثير فيظهر في تغيير المواقف وإثارة الحماسة وصناعة السمعة وانتقال الأخبار، «المصدر- محمد عبد الحميد، نظريات الإعلام واتجاهات التأثير»، كما يمكن اعتبار الرواة أول شبكة توزيع إعلامية في التاريخ العربي، إذ كانوا يحفظون القصائد وينقلونها بدقة من مجلس إلى آخر ومن قبيلة إلى أخرى، وهو ما ضمن انتشار الرسائل الإعلامية على نطاق واسع رغم غياب وسائل الطباعة والاتصال الحديثة، ومع ظهور الإسلام استمر الشعر في أداء دوره الإعلامي، لكن رسالته اتجهت إلى الدفاع عن الدعوة الإسلامية ونشر القيم الجديدة، وهو ما يؤكد أن الشعر كان وسيلة اتصال جماهيري مرنة تتكيف مع المتغيرات السياسية والاجتماعية والدينية، إن دراسة الشعر الجاهلي من منظور إعلامي تكشف أنه لم يكن مجرد تراث أدبي، بل كان منظومة اتصال جماهيري متقدمة بالنسبة لعصرها، استطاعت أن تنقل الأخبار، وتحفظ التاريخ، وتبني الهوية، وتصنع الرأي العام، وتؤثر في السلوك الجمعي. ولذلك يمكن القول إن الشعر الجاهلي يمثل أحد أقدم النماذج العربية للإعلام الجماهيري، وأن كثيرًا من وظائف الإعلام الحديث كانت تمارس بالفعل عبر القصيدة قبل أكثر من 1500 عام، وهو ما يجل الشعر الجاهلي شاهدًا على عمق التجربة الاتصالية في الحضارة العربية، «المصدرـ محمد عبد الحميد، نظريات الإعلام واتجاهات التأثير؛ شوقي ضيف، العصر الجاهلي»، ومن الجوانب الإعلامية المهمة في الشعر الجاهلي تحديد أجندة المجتمع، إذ كان الشاعر يختار القضايا التي تستحق الاهتمام ويمنحها مساحة واسعة في قصائده، سواء كانت قضية ثأر، أو صلح، أو بطولة، أو كرم، أو مظلمة، فتتحول هذه القضايا إلى حديث القبائل وأولوية في مجالسها، ويشبه ذلك ما تعرفه نظريات الإعلام الحديثة بـ»ترتيب الأولويات»، حيث لا تخبر وسائل الإعلام الناس بما يفكرون فيه فقط، بل تحدد لهم أيضًا ما ينبغي أن يفكروا فيه، «المصدرـ ماكسويل ماكومبس ودونالد شو، نظرية ترتيب الأولويات؛ محمد عبد الحميد، نظريات الإعلام واتجاهات التأثير»، كما مارس الشعر الجاهلي دورًا بارزًا في إدارة الأزمات الإعلامية، فعندما تتعرض القبيلة لهزيمة أو اتهام أو إساءة، يبادر شاعرها إلى صياغة رواية مضادة تفسر الحدث وتدافع عن قومه وتعيد بناء صورتهم أمام القبائل الأخرى، وهي وظيفة تماثل اليوم إدارة السمعة المؤسسية والاتصال أثناء الأزمات، «المصدرـ ابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه»، ومن أبرز مظاهر التأثير الجماهيري أن القصيدة لم تكن تبقى حبيسة مجلس واحد، بل تنتقل عبر الرواة والتجار والوفود والمسافرين، فتصل إلى مناطق بعيدة خلال فترة قصيرة مقارنة بوسائل الاتصال المتاحة آنذاك، وقد أدى ذلك إلى تكوين شبكة اتصال واسعة جعلت الجزيرة العربية مترابطة إعلاميًا رغم اتساع مساحتها وتعدد قبائلها، وخلوها من دولة يحتمون بها، ولم يكن التأثير مقتصرًا على الرجال، بل كانت النساء والأطفال وكبار السن يحفظون القصائد ويتناقلونها، مما جعل الرسالة الإعلامية تصل إلى مختلف فئات المجتمع، وساعد الوزن والقافية والإيقاع الموسيقي على سرعة الحفظ والاسترجاع، وهي خصائص لا تزال تعتمد عليها الرسائل الإعلامية والإعلانية الحديثة لتثبيت المعلومات في ذاكرة الجمهور، «المصدرـ عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز»، كما يمكن ملاحظة أن الشعر الجاهلي استخدم ما يعرف اليوم بـالتأطير الإعلامي، إذ إن الشاعر لا يكتفي بسرد الحدث، بل يقدمه ضمن إطار معين يخدم موقف قبيلته؛ فيبرز بعض التفاصيل، ويغفل أخرى، ويستخدم ألفاظًا وصورًا تؤثر في تفسير الجمهور للحدث، وهذه الآلية تعد من أهم نظريات الإعلام المعاصر فيفسير كيفية تشكيل الرأي العام، «المصدرـ روبرت انتمان، نظرية التأطير الإعلامي؛ محمد عبد الحميد، نظريات الإعلام واتجاهات التأثير»، وكان للشعر كذلك دور في التوثيق المعرفي، إذ حفظ أسماء الأماكن والجبال والوديان والقبائل والأنساب والعادات والملابس والأسلحة والحيوانات والنباتات والظواهر الطبيعية، ولذلك اعتمد عليه اللغويون والمؤرخون والجغرافيون في تفسير كثير من جوانب الحياة العربية قبل الإسلام، «المصدرـ ابن منظور، لسان العرب؛ شوقي ضيف، العصر الجاهلي»، ومن الملاحظ أن القصيدة الجاهلية جمعت بين الخبر والرأي في آن واحد؛ فهي تنقل الوقائع، ثم تقدم تفسيرًا وتحليلًا وموقفًا منها، وهو ما نجده اليوم في المقالات الصحفية وبرامج التحليل السياسي، حيث يمتزج عرض المعلومات بقراءة دلالاتها وتأثيراتها، لقد أثبت الشعر الجاهلي أن الإعلام لا يرتبط بوجود الصحف أو الشاشات أو التقنيات الرقمية، وإنما يرتبط بقدرة الرسالة على الوصول إلى الجمهور والتأثير فيه وصناعة المعرفة والاتجاهات، ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار الشعر الجاهلي أول مدرسة إعلامية عربية، كما هم الرحالة، أسهمت في بناء الوعي الجمعي، وحفظ التاريخ، ونقل الثقافة، وصناعة الرموز، وترسيخ الهوية، لتبقى قصائده حتى اليوم مصدرًا أدبيًا وإعلاميًا وتاريخيًا بالغ الأهمية، ومن الوظائف الإعلامية التي مارسها الشعر الجاهلي بناء الهوية الجماعية للمجتمع العربي، إذ أسهم في ترسيخ قيم الشجاعة والكرم والوفاء وحماية الجار ونصرة المظلوم، حتى أصبحت هذه المبادئ جزءًا من الثقافة السائدة بين القبائل، ولم تكن القصائد تنقل تلك القيم فحسب، بل كانت تغرسها في نفوس الأجيال المتعاقبة وتدفعهم إلى الاقتداء بها، ولذلك تحول الشعر إلى أداة لصناعة الوعي الجمعي وتشكيل السلوك الاجتماعي، وهو ما يعد من أهم أهداف الإعلام في مختلف العصور، كما أدى الشعر الجاهلي دورًا محوريًا في حفظ اللغة العربية وتوثيق مفرداتها وأساليبها البلاغية، فأصبحت القصائد مرجعًا رئيسيًا لعلماء اللغة والنحو والبلاغة، واستندت إليها المعاجم العربية في تفسير كثير من الألفاظ، كما اعتمد عليها المفسرون في بيان دلالات عدد من الكلمات الواردة في القرآن الكريم، وهو ما منح الشعر وظيفة إعلامية وثقافية وتعليمية في الوقت نفسه، «المصدرـ ابن منظور، لسان العرب؛ السيوطي، المزهر في علوم اللغة»، ولم يكن الشاعر ناقلًا للأحداث فقط، بل كانصانعًا للرأي العام، ويمارس ودور علم الاجتماع والنفس والإعلام وغيرها، إذ إن قصيدة هجاء واحدة قد تؤدي إلى إضعاف مكانة قبيلة بين العرب، بينما تستطيع قصيدة مدح أن ترفع من شأن زعيم أو فارس أو قبيلة كاملة، ولذلك كانت القبائل تتنافس في استقطاب كبار الشعراء للدفاع عنها، كما تعتمد المؤسسات اليوم على المتحدثين الرسميين وخبراء الاتصال المؤسسي لتحسين صورتها وتعزيز مكانتها أمام الجمهور، «المصدر ـ ابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه»، ومن منظور علم الاتصال، فإن الشعر الجاهلي استوفى جميع عناصر العملية الإعلامية؛ فالمرسل هو الشاعر، والرسالة هي القصيدة، والوسيلة تتمثل في الإلقاء والرواة، والجمهور هم أفراد القبائل، أما التغذية الراجعة فتظهر في استجابة الناس بالمدح أو النقد أو الرد بقصائد جديدة، وهو ما يتوافق مع النماذج الحديثة للاتصال الجماهيري التي تقوم على التفاعل المستمر بين المرسل والمتلقي، «المصدرـ محمد عبد الحميد، نظريات الإعلام واتجاهات التأثير، وساعدت الأسواق الأدبية الكبرى، وفي مقدمتها سوق عكاظ، على رفع جودة الرسائل الإعلامية؛ إذ كان الشعراء يتنافسون أمام جمهور واسع في قوة الحجة، وبلاغة الأسلوب، ودقة الوصف، وحسن الأداء، فتنتشر القصائد المتميزة بين القبائل بسرعة كبيرة، بينما تتلاشى القصائد الضعيفة، وهو ما يشبه المنافسة الحالية بين المؤسسات الإعلامية على جودة المحتوى وكسب ثقة الجمهور، كما أثبت الشعر الجاهلي قدرة كبيرة على تشكيل الاتجاهات والسلوكيات، فلم يكن يكتفي بعرض الوقائع، بل يدعو إلى الشجاعة، ويحض على الكرم، ويذم البخل، ويحذر من الغدر، ويشجع على الوفاء بالعهد، ويعزز قيم التضامن الاجتماعي، وهي وظائف تتفق مع مفهوم الإعلام التوجيهي الذي يسعى إلى بناء القيم الإيجابية داخل المجتمع، «المصدرـ عبد الله الغذامي، النقد الثقافي؛ محمد عبد الحميد، نظريات الإعلام واتجاهات التأثير»، ولعل من أبرز مظاهر نجاح الشعر الجاهلي كوسيلة إعلامية سرعة انتشاره، فقد كانت القصيدة تنتقل من شاعر إلى راوٍ، ثم إلى التجار والوفود والمسافرين، حتى تصبح معروفة في مختلف أنحاء الجزيرة العربية خلال فترة وجيزة، رغم غياب الطباعة ووسائل الاتصال الحديثة، الأمر الذي يؤكد قوة الاتصال الشفهي في المجتمع العربي القديم، «المصدرـ شوقي ضيف، العصر الجاهلي»، ولم تقتصر الرسائل الإعلامية في الشعر على السياسة والحرو، بل امتدت إلى الاقتصاد والتجارة، ووصف الأسواق، والبيئة، والطقس، والنجوم، والحياة الاجتماعية، والعلاقات الإنسانية، والأنساب، والعادات والتقاليد، وهو ما جعل القصيدة الجاهلية سجلًا معرفيًا شاملًا لحياة العرب قبل الإسلام، واستفاد منه المؤرخون والجغرافيون وعلماء الاجتماع في دراسة تلك المرحلة، «المصدرـ ابن قتيبة، الشعر والشعراء؛ ابن خلدون، المقدمة»، وتؤكد القراءة الإعلامية للشعر الجاهلي أن العرب عرفوا مفهوم الرسالة الجماهيرية قبل ظهور وسائل الإعلام الحديثة بقرون طويلة، فقد استطاعت القصيدة أن تنقل الخبر، وتفسره، وتقنع الجمهور، وتصنع الصورة الذهنية، وتحافظ على الهوية، وتوثق التاريخ، وتبني السمعة، وتؤثر في القرارات والمواقف الاجتماعية والسياسية، ولذلك يعد الشعر الجاهلي بحق أحد أقدم وأقوى نماذج الإعلام الجماهيري في الحضارة العربية، وما زالت آثاره العلمية والثقافية والإعلامية حاضرة في الدراسات الأكاديمية حتى اليوم، ومن الخصائص الإعلامية التي ميزت الشعر الجاهلي أنه لم يكن يخاطب فردًا واحدًا، بل كان يستهدف جمهورًا واسعًا من مختلف القبائل، ولذلك جاءت لغته واضحة وقوية وقابلة للحفظ والتداول، حتى أصبحت القصائد تنتقل بسرعة بين الأسواق والمجالس والرحلات التجارية، وتؤدي دورًا يشبه نشرات الأخبار والبرامج الحوارية في العصر الحديث، إذ تنقل الوقائع، وتفسرها، وتؤثر في مواقف الناس واتجاهاتهم، كما امتلك الشعر الجاهلي قدرة كبيرة على صناعة الرموز والقيادات المجتمعية، فقد حول كثيرًا من الفرسان والزعماء إلى شخصيات خالدة في الذاكرة العربية من خلال المدح وتسجيل البطولات،
أخيراً: الشعر الجاهلي، بلاغي إعلامي بالدرجة الأولى، يمارس دور الاتصال الفعال وقتها، يعطينا فكرة عن أن الإبداع ومهارة التفكير والأسلوب والنصوص لها تأثير بالغ.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام