د.عبدالله بن موسى الطاير
ليست الحرب أسوأ المراحل في العلاقة بين طرفين، فقد يكون أشد منها خطورة أن تبقيا معلقتين بين الحرب والسلام، من دون قواعد واضحة للمواجهة أو تسوية مستقرة تمنعها. هذا هو الوضع في منطقتنا؛ فمذكرة التفاهم تحتاج إلى تفاهم، ووقف إطلاق النار يحتاج إلى هدنة، والضربات المتبادلة يصفها كل طرف بأنها دفاع عن النفس، ويحرص على ألا يسميها حرباً.
ما يجري ليس حالة استثنائية، فهو ظرف سياسي معروف، وخطورته لا تأتي من حادث عابر، بل من طبيعة العلاقة نفسها، فقبل نحو سبعين عاماً، لخّص الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي ريمون آرون أحد أشكال هذا المأزق بعبارته الشهيرة «السلام مستحيل، والحرب غير مرجحة»، وهي عبارة تكاد تصف ما يجري اليوم على ضفتي الخليج. المفارقة أن انخفاض احتمال الحرب الشاملة هو نفسه ما يسمح باستمرار هذه الحالة، فكل طرف يعتقد أن الآخر لا يريد الذهاب إلى النهاية، ولذلك يستطيع اختبار حدود احتماله مرة بعد أخرى، وكل خطوة تبدو في ذاتها محدودة ومعقولة، لكن تراكمها هو الذي يصنع الخطر، فالحروب الكبرى كما ناقشت سابقاً في هذه الزاوية لا تبدأ بقرار واع بخوضها، فالكثير منها بدأ بحسابات خاطئة.
المشكلة ليست بالضرورة في وجود رغبة متعمدة في إشعال الحرب، وإنما في الغموض الذي يحيط بالنوايا عندما يكون صانع القرار تحت الضغط. فعندما تنص صيغة ما على بذل «أفضل الجهود لضمان المرور الآمن» في مضيق هرمز، قد تفهمها واشنطن بمعنى حرية الملاحة، بينما تراها طهران اعترافاً بحقها في التحكم بالمضيق، وعندها يفسر كل طرف ما لم يقله الطرف الآخر على أسوأ الاحتمالات. هنا تظهر «المعضلة الأمنية»، فالدولة التي تتخذ خطوة لحماية نفسها قد تدفع خصمها إلى الاعتقاد بأنها تستعد لمهاجمته، فيرد بخطوة دفاعية أخرى تبدو للطرف الأول عملاً عدائياً. وتكمن خطورة هذه المعضلة في أن حسن النية لا يكفي للخروج منها، فالرسالة التي ُيقصد بها الطمأنة قد تفهم على أنها تهديد. ثم يأتي العامل النفسي ليزيد الوضع تعقيداً، فالإنسان يستطيع التعامل مع خطر محدد أفضل من تعامله مع تهديد مفتوح لا يعرف متى يبدأ ولا أين ينتهي.
تشير دراسات اتخاذ القرار في الأزمات إلى أن استمرار التهديد لا يجعل المسؤولين بالضرورة أكثر حذراً، فالعكس قد يحدث حين تضيق دائرة المعلومات التي يستمعون إليها، وتتصلَّب المواقف أكثر، ويصبح اللجوء إلى الردود المألوفة أسرع، في وقت تتضاعف فيه الحاجة إلى المرونة. ويزداد الأمر سوءاً عندما يشعر أحد الأطراف بأنه يخسر، فالدراسات تشير إلى أن القادة يكونون أكثر استعداداً للمجازفة عندما يعتقدون أنهم يحاولون استعادة موقع فقدوه، مقارنة باستعدادهم لقبول تسوية تبدو لهم اعترافاً بالهزيمة. ولهذا فإن حديث طرف عن أنه «يفقد صبره»، ورد خصمه بأن «من يضرب سيتلقى الرد»، ليس مجرد تبادل لعبارات التهديد، وإنما وصف للبيئة التي يمكن فيها لضربة محدودة أن تتجاوز حدودها، من دون أن يكون ذلك هو القرار أراده أي من الطرفين.
اللغة التي نستخدمها لتعريف مثل هذه الأزمات تمثِّل خطراً غير منظور، فنحن نلجأ إلى تعبيرات مثل «الصراع المعلق» و«الحرب الباردة» و«وقف إطلاق النار»، وهي تعبيرات توحي بأن الأزمة مستقرة، وأنها قابلة للإدارة والمراقبة، لكن التاريخ لا يسعفنا بضمانات من هذا القبيل، فقد ظل النزاع حول ناغورنو كاراباخ يوصف لسنوات بأنه صراع معلق، أو خامل، وكان يثبت في أكثر من مرة أنه لم يكن كذلك. كما أن الهدنة الكورية صمدت أكثر من سبعين عاماً، لكنها بقيت هدنة ولم تتحول إلى سلام، ولا ينبغي افتراض أن استمرارها الطويل هو نتيجة تصميم سياسي محكم.
وصف الحالة الأمريكية الإيرانية الراهنة بأنها «وقف هش لإطلاق النار»، يوحي بوجود حد أدنى يصعب تجاوزه، بينما تؤكد الأحداث عبر التاريخ إن مثل هذا الحد ليس مضموناً.
حالة اللا سلم واللا حرب ليست وضعاً مستقراً يمكن البقاء فيه إلى ما لا نهاية، وإنما مسار يميل نحو المزيد من المخاطر، وأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962م لم تنته بسلام لأن النظام الدولي آنذاك كان مصمماً بطريقة تمنع الكارثة، بل لأن قادة في لحظات حاسمة اتخذوا قرارات منضبطة أكثر مما كانت تفرضه عليهم قواعد المواجهة. ومن الصعب بناء أمن منطقة بأكملها، فضلاً عن ممر تعبر منه نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية، على افتراض أن الحكمة الفردية ستظهر في كل مرة، وفي اللحظة المناسبة.
يحتاج التفاوض أحياناً إلى قدر من الغموض حتى يتمكّن الأطراف من الوصول إلى الاتفاق، لكن الغموض البناء أداة دبلوماسية، وليس ترتيباً أمنياً مستداماً، وإذا طال الغموض وعدم اليقين أكثر مما ينبغي، فإنه لا يعود وسيلة لتأجيل الحرب، بل قد يصبح الطريق الأسرع إليها.