أنور الدوامي
اعتاد معظمنا أن يبدأ أسبوعه بخمسة أيام عمل، وينتظر يومي الإجازة وكأنهما أمرٌ بديهي لا يحتاج إلى تفسير. لكن قليلين من يتوقفون ليتساءلوا: من الذي قرر أن يكون أسبوع العمل خمسة أيام؟ ولماذا ثماني ساعات يوميًا؟ ولماذا يومان للإجازة؟ وهل هذا النظام هو الأفضل فعلًا، أم أنه مجرد إرث تاريخي استمر حتى يومنا هذا؟
قبل الثورة الصناعية في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، لم تكن ساعات العمل محددة كما نعرفها اليوم. كان كثير من العمال يعملون ستة أو سبعة أيام في الأسبوع، وقد تمتد ساعات العمل إلى اثنتي عشرة أو ست عشرة ساعة يوميًا، في ظروف شاقة لا تراعي صحة الإنسان ولا حياته الأسرية.
ومع اتساع الثورة الصناعية، بدأت المطالبات بتحسين بيئة العمل، وبرز الشعار الذي غيّر مفهوم العمل في العالم: “ثماني ساعات للعمل، وثماني ساعات للراحة، وثماني ساعات للنوم”. لم يكن هذا الشعار مجرد مطلب عمالي، بل كان اعترافًا بأن الإنسان لا يستطيع أن يكون منتجًا إذا استُنزفت طاقته بالكامل.
وفي عام 1926 اتخذ هنري فورد، مؤسس شركة فورد للسيارات، قرارًا اعتُبر حينها جريئًا، عندما اعتمد أسبوع عمل من خمسة أيام بدلاً من ستة، مع تقليل ساعات العمل. لم يكن دافعه إنسانيًا فقط، بل اقتصاديًا أيضًا؛ إذ أثبتت التجربة أن العامل المرتاح أكثر إنتاجية، وأقل عرضة للأخطاء والغياب، وأكثر ولاءً لعمله. ومنذ ذلك الوقت بدأت الحكومات والشركات حول العالم تتبنى هذا النموذج حتى أصبح المعيار السائد في معظم الدول.
أما عطلة نهاية الأسبوع، «الويكند» لم تأتِ صدفة. ففي الدول الغربية كان يوم الأحد عطلة دينية، ثم أضيف إليه السبت ليحصل العامل على يومين متتاليين يعيدان إليه نشاطه. وفي كثير من الدول الإسلامية أصبحت الجمعة والسبت عطلة رسمية مراعاةً ليوم الجمعة، مع الحفاظ على الارتباط بالأسواق العالمية.
واللافت أن النظام الذي نعتبره اليوم ثابتًا ليس سوى اجتهاد بشري، بدليل أن كثيرًا من الدول والشركات بدأت تعيد النظر فيه. فقد طبقت بعض الجهات أسبوع عمل من أربعة أيام، أو قلصت ساعات العمل، بعد أن أثبتت التجارب أن الإنتاجية لا ترتبط دائمًا بطول ساعات الدوام، بل بجودة الإدارة، ووضوح الأهداف، وصحة الموظف النفسية والجسدية.
ومن المفارقات أن عصرنا هذا يوصف بأنه عصر السرعة والتقنية، ومع ذلك يشكو معظم الناس من ضيق الوقت أكثر من أي وقت مضى. فبدل أن تمنحنا التقنية وقتًا إضافيًا، أصبحنا نلهث خلف الوقت. بل ظهرت صناعة كاملة تقوم على “شراء الوقت”؛ فخدمات التوصيل، والتنظيف، والعمالة المنزلية والمساعدات الرقمية، وحتى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، كلها تهدف إلى اختصار الوقت. ومع ذلك، ما زال كثيرون يشعرون أنهم لا يملكون وقتًا لأنفسهم.
لكن السؤال الأهم: إذا كان العمل يوفر لنا حياة كريمة، فهل يستحق أن يأخذ الحياة نفسها؟
العمل ضرورة، وهو مصدر الرزق والاستقرار، لكنه ليس الحياة كلها. فالإنسان ليس موظفًا فقط، بل هو أب أو أم، وزوج، وابن، وصديق، وله حق على نفسه أيضًا. وكل ساعة يقضيها في العمل هي ساعة تُقتطع من وقت أسرته، أو من صحته، أو من تعلمه، أو من راحته، ولذلك فإن إدارة الوقت ليست مجرد مهارة شخصية، بل قضية تمس جودة الحياة بأكملها.
كم من أبٍ يعود إلى منزله متعبًا فلا يجد القدرة على الحديث مع أبنائه، أو متابعة دراستهم، أو تعديل سلوك يحتاج إلى توجيه مبكر. وكم من أم أو أب يكتشف بعد سنوات أن أبناءه كبروا، لكن أجمل لحظاتهم مرت وهو منشغل في اجتماعات أو رسائل عمل لا يتذكر معظمها اليوم ذهبت مهب الريح.
والتوازن لا يعني التقليل من قيمة العمل، بل وضعه في مكانه الصحيح. فالعمل وسيلة لبناء حياة كريمة، وليس غاية تُستهلك فيها الحياة.
ومن الجوانب التي كثيرًا ما نغفلها أيضًا، أن الإنسان يحتاج إلى وقت لتطوير نفسه. فتعلم لغة جديدة، أو قراءة كتاب، أو حضور دورة تدريبية، أو ممارسة هواية، أو الرياضة، كلها ليست كماليات، بل استثمارات طويلة الأجل في الإنسان نفسه. وإذا انتهى اليوم بالعمل فقط، فمن أين يأتي وقت النمو الشخصي؟
ولا يقل الترفيه والسفر أهمية عن ذلك. فهما وسيلة لاستعادة النشاط وتجديد التفكير. حتى الجلوس مع الأسرة، أو التأمل، أو التخطيط للمستقبل، أو التفكير بهدوء في حل المشكلات، كلها أعمال لا تقل أهمية عن إنجاز المهام الوظيفية.
أما ضغط العمل، ففي كثير من الأحيان لا يكون سببه كثرة الأعمال بقدر ما يكون نتيجة ضعف الإدارة، وسوء التخطيط، والاجتماعات غير الضرورية، أو قياس الالتزام بعدد ساعات التواجد في المكتب بدلًا من جودة النتائج.
والأسوأ من ذلك حين يتحول احتياج الموظف إلى راتبه إلى وسيلة ضغط، فيُبتز بصورة مباشرة أو غير مباشرة تحت شعار: “إن لم يعجبك الوضع فالباب مفتوح”. وهذه ليست إدارة، بل استغلال لحاجة الإنسان إلى لقمة العيش.
ولا يتوقف أثر الضغط عند نهاية الدوام. فكثير من الموظفين يغادرون مكاتبهم بينما تبقى عقولهم فيها. يفكرون في رسالة لم تصل، أو اجتماع الغد، أو قرار قد يُتخذ بحقهم. يذهبون إلى أسرهم بأجسادهم، بينما تظل عقولهم معلقة في العمل. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الضغط إلى أرق، وهواجس، وتشتت ذهني، وربما احتراق وظيفي يفقد الإنسان متعة الحياة نفسها.
ورغم أن اليوم أربع وعشرون ساعة كما كان قبل مئة عام، فإننا نشعر وكأن السنة أصبحت تمر في أشهر، والشهر في أيام، واليوم في ساعات. وربما لا تكمن المشكلة في قلة الوقت، بل في كثرة ما نحاول حشره داخل الوقت.
ولعل أجمل ما يمكن أن نسعى إليه ليس زيادة ساعات العمل، ولا زيادة ساعات الراحة، وإنما تحقيق التوازن بين العمل، والنوم الكافي، والأسرة، والتطوير الشخصي، والترفيه، والتأمل، والتخطيط للمستقبل. فلكل جانب من جوانب الحياة حق، وإذا طغى جانب على آخر اختل الميزان.
وفي النهاية، يبقى السؤال: هل نقيس نجاح العمل بعدد الساعات التي يقضيها الموظف خلف مكتبه، أم بما ينجزه وهو يتمتع بصحة جيدة، وأسرة مستقرة، وعقل حاضر؟
قد ننجح في إدارة الشركات، لكن النجاح الحقيقي هو أن ننجح أيضًا في إدارة حياتنا. اسأل الله أن يرزقنا وإياكم بركةً في الوقت، وجودةً في العمل، وسعةً في الرزق والحياة.