د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير عند نطاق 3.50 % - 3.75 % في اجتماعه في 29 يوليو 2026، جاء هذا القرار وسط انقسام واعتراض ثلاثة أعضاء من أصل 12 عضوا في لجنة السوق المفتوحة ممن فضلوا رفع أسعار الفائدة بربع نقطة مئوية لمواجهة الضغوط التضخمية المستمرة، وول ستريت تغلق على انخفاض حاد بعد تثبيت المركزي الأمريكي أسعار الفائدة، في وقت تفاقمت فيه خسائر منيت بها أسهم شركات الرقائق المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتراجع مؤشر ستاندرد اند بورز 500 بواقع 111.36 نقطة، بما يعادل 1.5 % إلى 7317.42 نقطة، ونزل مؤشر ناسداك المجمع 420.02 نقطة أو 1.68 % إلى 24460.08 نقطة، وهبط مؤشر داو جونز الصناعي 1129.03 نقطة، او 2.14 % إلى 51618.29 نقطة.
فيما انخفض كذلك الدولار أمام اليورو، وارتفع اليورو 0.3 % امام العملة الأمريكية إلى 1.1419 دولار، رغم أن تثبيت أسعار الفائدة يدعم قوة الدولار واستقراره خصوصا مع تراجع رهانات التيسير النقدي، أيضا تراجعت عوائد سندات الخزانة قصيرة الأجل بالتزامن مع ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات بنحو 25 نقطة أساس، مسجلة أكبر زيادة شهرية منذ مارس 2026، وبعد فشل رهان المستثمرين على أن الاحتياطي سيواصل مكافحة التضخم عبر رفع أسعار الفائدة في يوليو 2026، اعتبرت استجابة غير صحية لقرار السياسة النقدية، اعتبره بعض المستثمرين مؤشرا على تراجع ثقة الأسواق في التزام الاحتياطي بكبح التضخم، واعتبر بعض المستثمرين إن زيادة انحدار منحنى العائد لأسعار السندات قصيرة الأجل يعكس تآكل جزء من المصداقية التي اكتسبها الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم.
جاء قرار مجلس الاحتياطي متماشيا مع التوقعات على نطاق واسع، بالإبقاء على سعر الفائدة القياسي عند النطاق الذي تم تثبيت أسعار الفائدة، ويواجه المجلس ضغط لرفع أسعار الفائدة في سبتمبر 2026 إذا تسارع التضخم، في خيار قد يزيد من حدة التساؤلات عن كيفية وفاء كيفن وارش رئيس البنك بالتزامه بإعادة التضخم إلى المستوى المستهدف البالغ 2 %، وكان المعدل أقل من هذه النسبة في أوائل 2021، خصوصا عندما تولى وارش رئاسة الاحتياطي الاتحادي في مايو 2026 صرح انه لا يتسامح مع التضخم الذي ظل يتجاوز المستهدف الذي حدده البنك المركزي لأكثر من خمس سنوات، ويرى أن الأسواق قامت بمعظم العمل بنفسها، خصوصا عندما استجاب المستثمرون مباشرة للبيانات الاقتصادية، بدلا من الاعتماد على التوجيهات المستقبلية الصادرة عن البنك المركزي.
كان التضخم يتسارع في الولايات المتحدة نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والغذاء بسبب الحرب في الشرق الأوسط، وزيادة الطلب المدفوع بالاستثمار في مراكز البيانات والإنفاق الآخر المرتبط بالذكاء الاصطناعي إلى 3.5 % في يونيو 2026 مسجلا تباطؤا ملحوظا مقارنة بنسبة 4.2% في شهر مايو، وهو أكبر انخفاض منذ 6 سنوات، لكن ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين إلى 3.5 %، وهي نسبة لا تزال عالية، خلال الاثني عشر شهرا المنتهية في يونيو 2026، بعدما قفز 4.2 % في مايو ليسجل اكبر ارتفاع سنوي منذ أبريل 2023، وارتفع مؤشر التضخم إذا استثني مكونات الغذاء والطاقة المتقلبة 2.6 % على أساس سنوي في يونيو بعد صعوده 2.95 في مايو، واجه البنك المركزي معضلة بين احتواء التضخم ودعم النمو الاقتصادي، وقد تكون هذه الخطوة بتثبيت الفائدة دعما للنمو الاقتصادي.
فيما تملك اقتصادات دول الخليج قدرة على امتصاص أثر بقاء الاحتياطي أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة مستفيدة من قوة المراكز المالية الحكومية، وارتفاع أسعار النفط، واستمرار زخم برامج التنويع الاقتصادي والاستثمارات في البنية التحتية.
ينعكس قرار الاحتياطي بشكل مباشر على السياسة النقدية الخليجية عبر آلية ربط العملات بالدولار، تثبيت الفائدة يمنح اقتصادات الخليج قدرا من الاستقرار والوضوح في تكاليف التمويل، استقر سعر اتفاقيات إعادة الشراء الريبو في السعودية عند 4.25 %، رغم استمرار الضغوط على القطاعات الأكثر حساسية للفائدة، وفي مقدمتها العقارات والانشاءات وتجارة التجزئة، وكذلك تكتسب أهمية بالغة لقطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات المتوسطة الكبرى.
استقرار أسواق النفط وتماسكها يظلان صمام أمان لدعم التوازنات المالية وخطط الإنفاق الحكومي، رغم بقاء العوامل الجيوسياسية ستبقى المحرك الرئيسي لأسواق النفط.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أ القرى سابقا