فيصل بن أحمد الشميري
بدأ التعليم الإلزامي النظامي المجاني مُبكراً في الدول الغربية، إلا أن بعض المناطق الألمانية كان لها السبق على المناطق الأوروبية الأخرى، في سنِّ تشريعات مبكرة لإلزامية التعليم، قبل أن تتبلور أنظمة التعليم العام الحديثة في القرنين الثامن والتاسع عشر، واستمر زُهاء قرنين بعد ذلك، وبعد الوصول إلى نسب مُتدنية من الأمية لم تتجاوز 1 في المائة في معظم الدول الغربية تقريبًا، حينها لاحت في الأفق فكرة خصخصة التعليم في أبريل من العام 1983م بعد نشر تقرير «الأمةُ في خطر».
(A Nation at Risk)، مع عدة قطاعات أخرى، وبدأت عملية خصخصة التعليم من المنظور النيوليبرالي خلال حقبة التسعينات، بدءاً من سنة 1991م، حيث شكلت الخصخصة نقلة نوعية عبر عدة مراحل بأشكال مُتعددة؛ كإنشاء المدارس الخاصة، والتعاقد، والقسائم التعليمية، والاستقلال المُؤسسي، والشراكات مع القطاع الخاص، ثم الرسوم الجامعية، وغيرها، إلى الآن لم تكتمل الخصخصة في مُعظم دول العالم، مع أن خصخصة التعليم لها ما لها من العيوب التي لا حصر لها، ولها مُميزات لا بأس بها، وهنا يجب القول إن ما حدث في الغرب قد يكون غير مناسب في شرقنا العربي والإسلامي، لعدة اعتبارات كفوارق زمنية، وقيمية، واجتماعية، واقتصادية، وأيدولوجية، إذا ما قارناها بنسب الأمية التي تتراوح ما بين 3 و40 في المائة في معظم الدول العربية والإسلامية، ولم تعد الأمية بمفهومها التقليدي، فالأمية في القرن الواحد والعشرين؛ هي العجز عن مواكبة التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وعدم إجادة لغة أخرى غير اللغة الأم، وهنا يجب التوقف ملياً قبل الولوج في دياجير الخصخصة.
خصخصة التعليم هو تحول فلسفي واقتصادي، خلافاً لما كان يُعرف بمجانية التعليم وبأنه حق إنساني تكفله الحكومة كمنفعة عامة لجميع المواطنين، ليصبح التعليم استثماراً وسلعة تنافسية استهلاكية تخضع لآليات السوق وقوانين العرض والطلب، كإجراء مالي لتخفيض النفقات، عن طريق إعادة هيكلة التعليم لمنح وتمكين المدارس والجامعات استقلالية وتمكينها، مع تقليص الاحتكار الحكومي لقطاع التعليم، وهي على نوعين: خصخصة كلية، وجزئية.
وعادة تُجرى الخصخصة في الدول التي تُعاني من أزمات مالية؛ بهدف تقليل المصروفات بعد ارتفاع تكاليف التعليم نتيجة النمو السكاني غير المدروس، أو بسبب التضخم الاقتصادي للبلد، وأحياناً تكون بسبب تراجع وتدني جودة التعليم المجاني الحكومي مقارنة بحجم الإنفاق المالي المهول، وقد تكون بسبب تدني مستوى الإدارة التعليمية العُليا نتيجة الجمود والبيروقراطية والروتين المُمل، والمركزية الجامحة، مما يؤدي إلى عجز تلك الإدارات في التكيف مع مُتطلبات العصر والمجتمع وسوق العمل. وقد ترجع إلى التطورات المُطردة في عالم التقنيات، فحينها قد تعجز المناهج التقليدية عن مواكبة الثورة التقنية والتكنولوجية والاحتياجات الحديثة، والأخطر من ذلك كله هو فرض الوصاية من بعض الدول على دول أخرى، لتطبيق نظرياتها ومناهجها التعليمية في سبيل تبينها ونقلها.
ومن المنظور الناعم لخصخصة التعليم، هو تخفيف العبء المالي على الحكومات، وتحويل التمويل إلى قطاعات أخرى، وتحفيز المُنافسة ورفع جودة التعليم ليكون قادراً على التنافسية، فضلاً عن رفع الكفاءة الإدارية وتنويع الخيارات التعليمية عبر التوسع في التخصصات والمسارات المطلوبة، وفتح مجالات الاستثمار في التعليم بوصفه صناعةً مُربحة، قد تُسهم في النمو الاقتصادي الإجمالي، وإن كان ذلك يأتي أحيانًا على حساب قيمّ المُجتمع وأيدولوجياته ونظرته للحياة. إن النظر دون تحيز لمميزات خصخصة التعليم، يتطلب أيضًا عدم إغفال ما قد يترتب عليه من كوارث مُستقبلية، خاصة وأننا نعدُّ دولاً ناشئة في التعليم النظامي الإلزامي أصلاً. ومن أبرز مساوئ الخصخصة: تآكل الهوية الدينية واللغوية والأخلاقية والإنسانية، عبر إدخال مفاهيم ومناهج من خارج بيئتنا والتي قد لا تتوافق البتة مع قيمنا وديننا، وفرض اللغات الأجنبية في تدريسها، مما قد يؤدي إلى إضعاف التلاحم الوطني بين أفراد المجتمع؛ وذلك عبر تقسيم المجتمع بملامح طبقية ضمن فئات مُتباينة (كالمنهج البريطاني، أو الأمريكي، أو الفرنسي، أو الصيني، أو الياباني، وما إلى ذلك)، مما يُضعف القواسم الاجتماعية والثقافية والهوية الوطنية المُوحدة بين أبناء هذه الأمة الواحدة، التي فضلها الله على سائر الأمم. كما قد يترتب على ذلك تفاقم الفجوة بين الطبقات، لتصبح الخصخصة أداة لفرز أبناء الوطن، فعلى قدر امتلاكك للمال يكون مستوى تعليمك وجودته، مما قد يخلق التفاخر الاجتماعي. وهو ما نلحظه حالياً من خلال بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل والدراما التي تكرس ثقافة (أنا إبن فلان، ودرست في مدرسة أو جامعة كذا وكذا)، فتصبح المدرسة أو الجامعة ومقدار رسومها ودعايتها، معيارًا مُصطنعاً للمكانة الاجتماعية، مما قد يشكل ضغطــًا على الأسر مُتوسطة الدخل ومُتدنية الدخل، أما معدومة الدخل فسيترك أبناؤها التعليم بلا شك. كما أن الفرز الطبقي سيُفاقم المأساة، وستكون الطبقات المخملية البرجوازية هي التي تتحكم بمجريات الأمور مُستقبلاً كونها تمسك بزمامها، حينها ستُسحق الطبقات الأخرى؛ لأنهم معزولون عن معاناة تلك الطبقات وعن فهم تحديات وقضايا مجتمعهم.
وأخطر ما في الخصخصة هو جعلها التعليم سلعة استهلاكية قابلة للبيع والشراء، لمن يدفع أكثر، فتزيد معها شهوة الربح والجشع، وتبرز ظواهر مثل سلق الشهادات وطبخ الأبحاث، ويكون غايتها تعظيم الأرباح، وتقليص النفقات، وآخر ما تفكر به، هو بناء الإنسان وأخلاقه وانتمائه، في عملية تغريبية مُستمرة قد تقود أُمتنا للاندثار. حينها سترى تضخم الدرجات المُمنوحة، والنجاح الوهمي في سبيل كسب مزيد من الطلبة وإرضاءً لأولياء الأمور، وستختفي التخصصات الإنسانية والشرعية والفلسفية والتاريخية والاجتماعية وغيرها بحجج واهية، رغم أنها أساس أي علوم، وأساس بناء أي مُجتمع قويم ومستقيم. إن تفعيل الخصخصة بمفهومها القاصر سيخلق سيطرة متناهية للتخصصات العلمية والتكنولوجية وإدارة الأعمال وعدد محدود من التخصصات، فالجشع والطمع سيقوداننا إلى إرهاق كاهل الأسر، وهجرة الكفاءات من القطاعات الحكومية، نظراً للامتيازات والحوافز التي يُقدمها التعليم الخاص، وفي ظل غياب الرقابة، وصعوبة تنفيذها الكامل، على آلاف المدارس والجامعات الخاصة، مما قد يتيح تجاوزات إدارية وتربوية وأخلاقية.
ومن خلال ذلك يجب أن نُؤمن بأفضلية مجانية التعليم على الأقل في العقود الثلاثة القادمة، لكن مع تطويره ورفع جودته؛ فالتعليم المجاني ليس ترفاً ولا عبئاً على أي دولة مُقتدرة تجيد التخطيط ودراسة المستقبل، بل هو السبيل لنهضة الأمم وحضارتها عبر بناء الإنسان أولاً. ولنا في اليابان وسنغافورة وكوريا وماليزيا وغيرها أمثلة حيّة؛ فحين انتهت تلك الدول وبدأت من الصفر، كان بناء الإنسان هو القاعدة الأساسية والهدف الأول للبناء، فهو اللبنة الأولى لقيادة أي تحول مُستقبلاً في سبيل خلق الاستقرار، والأمن القومي، والهوية، والعدالة الاجتماعية. فالمورد البشري صمام أمان لتكافؤ الفرص لجميع أبناء الوطن، بحيث يكون التفوق الأكاديمي والعلمي مرهوناً بالجدِّ والاجتهاد والمثابرة، لا بالقدرة المالية، وستكون مجانية التعليم سيكون جسر العبور لجميع طبقات المجتمع للوصول إلى المناصب القيادية والوظائف المرموقة وليس محصوراً لأبناء النخبة فقط.
مجانية التعليم هو الترسيخ العملي للهوية الوطنية الجامعة لكافة أطياف المجتمع وخلفياتهم تحت سقف دراسي واحد، يذيب كل الفوارق الطبقية والعرقية والطائفية، ويُعزز اللُّحمة والانسجام بين كافة أبناء الوطن؛ مما يساعد في الاستدامة الثقافية والقيمية عبر الحفاظ على المناهج الدينية المُعتدلة، والحفاظ على اللغة العربية التي تُعتبر فخر اللغات، وكذلك الحفاظ على المناهج التاريخية المُشرفة، التي تشكل وجدان وكينونة المجتمع لحمايته من التشويه والتهميش، لصالح مناهج دخيلة على مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
قد ينظر المُشرّع وواضعو الخطط، إلى أن خصخصة التعليم على المدى القصير ربحٌ آني، لكن العائد الحقيقي من مجانية التعليم يكون على المدى البعيد في صنع الكفاءات العلمية من المتميزين والمُبتكرين والمُبدعين في كافة مَناحي الحياة وفي كافة المجالات؛ فالإنسان هو جوهر بناء أي مُجتمع، وأبناء الوطن ومن في مقامهم هم اللبنات الحقيقية والرئيسة والأساسية لتقدم الأمة ونهضتها.
قد يكون هناك قصور في التعليم المجاني ولا نختلف على ذلك، ولكنه يُعالج بعدة طرق أهمها: التحول من المركزية المُفرطة إلى اللامركزية إدارياً، عبر منح المناطق التعليمية نوعًا من الاستقلالية المرنة في إدارة مناطقها، وتطوير أنشطتها التعليمية المُختلفة، مع التقييم المركزي الصارم بعد وضع شروط وضوابط ومعايير قوية قابلة للقياس.
وفي إطار السعي لجودة التعليم المجاني، لا بد من إعادة الاعتبار المادي والمعنوي للمُعلم في المُجتمع كي يواكب الاحتياجات المتزايدة والتضخم، مع رفع قيمته المعنوية في المجتمع من خلال منحه امتيازات ودرجات عليا في كافة مناحي الحياة تجعله يشعر بالمسؤولية العالية، وتعزيز الانتماء الحقيقي للمعلم، وتجعل المجتمع يعيد له قيمته ومكانته، فهو القائد والجندي المعلوم في مواجهة الأعداء من الجهل والأمية والأفكار الدخيلة، هو الزارع للقيم والأخلاق والسلوك القويم، كما أن رفع مُعدل دخل المُعلم بناءً على أدائه وحرصه وتفانيه واجتهاده، سيشكل بيئة خصبة للنوابع والمبدعين لمزيدٍ من العطاء والبذل والإبداع. قد يكون من الصعب تطبيق ذلك على كافة المدارس لكن يجب البدء أولاً في إنشاء مدارس نموذجية في كل منطقة، مع إعادة مفهوم تصميم المدارس التقليدية لتضم مساحات خضراء، ورفع مُعدل الاستفادة من الإضاءة والتبريد والتهوية الطبيعية، وتفعيل إنتاج الطاقة النظيفة والمستدامة، وإضافة مرافق ترفيهية ورياضية وفنية، فالبيئة المدرسية المُتميزة هي أولى المغريات لأولياء الأمور والطلبة على حدٍ سواء، لكسر احتكار وجشع المدارس الخاصة، وإخضاع كافة المدارس للحوكمة والتقييم الصارم والرقابة الدائمة، عن طريق تنفيذ تقييم دوري للإدارة وللمعلم وللطلاب، وتقييم للمدخلات والمخرجات، وكذلك تقييم للبيئة التعليمية عموماً، والتي بموجبها تُصرف المُكافآت أو تُقرّ العقوبات.
إن تقديم المكافآت والأغذية المُدعمة للطلبة سبيلان لا يجب التوقف عندهما، فليست رفاهية أو مُساعدة اجتماعية إحسانية عاطفية، بقدر ما هي أداة استثمارية واقتصادية سيادية، تستهدف تعظيم العائد من رأس المال البشري، وتسهم في تخفيف العبء المالي للأسر، كما أن منح المكافأة المالية للطلبة يتيح فرصة أكبر لتفرغهم للبحث العلمي والابتكار والتحصيل الأكاديمي عالي الجودة، ويعزز مفهوماً قيميًا لدى المُجتمعات بأن الجدَّ والاجتهاد والذكاء لهم قيمة مادية ومعنوية، تُضافي التفوق في المجالات الأخرى خصوصاً الترفيه والرياضة، كما أن المكافأة المالية تُقلل من نسبة الانسحاب ومواصلة التعليم، مما يرفع من نسب التخرج والقدرة على مواصلة الدراسات العليا، وخفض نسبة الأمية، كل ذلك سيؤدي إلى توطين الكفاءات الفذة، وجذب المُبدعين والمُتميزين، ومنع هجرة العقول النيرة. إن توفير مكافأة مُنتظمة للطلبة يُعزز الانتماء والولاء للوطن، وترفع مُعدل البذل والاجتهاد والإبداع والنبوغ والشعور بالمسؤولية، مع ضرورة ربطها بالانتظام والاجتهاد والتفوق وتنفيذ الواجبات والمهام. ولنا في الغرب مثال، فما زالت الدول الغربية المُتقدمة تعليمياً تُعطي جزءًا كبيرًا من ميزانيتها الضخمة للتعليم، وسنبدأ من الأعلى حتى الأدنى، طبقاً لبيانات 2025م، فالدول (فنلندا، السويد والدنمارك) تُسجل أعلى نسبة تمويل حكومي للتعليم بنسبة تتجاوز 92 في المائة في كافة المراحل الدراسية، أما في (بريطانيا، أستراليا، أمريكا، وكندا) فتتراوح نسبة التمويل الحكومي للتعليم ما بين 58-82 في المائة، حيث يقتصر الدعم على المدارس الأساسية، مع خصخصة بنسبة 47-74 في المائة للتعليم الجامعي.
ولو ذكرنا مثالين لدولتين مُتميزتين علميًا؛ سنغافورة: حيث تمنح الحكومة السنغافورية مُكافأة مالية تُودع في حساب الطلبة من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية، والمتميزين منهم يُمنحون حتى وهم في الجامعة، كما أن الأوائل لهم مكافآت خاصة، لضمان تحفيز جميع الطلبة. وإن تطرقنا للتجربة الفنلندية والدول الإسكندنافية عُموماً، تلك التي تُعطي كل الطلبة حتى الجامعيين راتباً شهريًا لمجرد أنه مُسجل ومنتظم، وبنظرة عميقة فلسفية، فهو يؤدي وظيفة قومية لصالح مُستقبل الدولة، كما أنها تَمنح مُكافآت إضافية ومنح بحثية للمتميزين والمبتكرين. والأمثلة كثيرة لدولٍ حول العالم؛ كمنح الجدارة في أمريكا، وحوافز الالتزام في بريطانيا. وعموماً يجب أن يُنظر للمكافآت المالية ودعم التغذية بمثابة عقد رعاية عبقري، فالاستثمار في عقل الطالب المُجتهد والمُجد هو مشروع أكثر ربحية للأمن الاقتصادي والمعرفي والتكنولوجي للدولة حالياً ومستقبلاً. تعدُّ تغذية الطلبة أداة إستراتيجية لرفع الكفاءة العقلية والإنتاجية التعليمية والصحية؛ إذ إن تقديم الوجبات يُقلل من مستويات هرمون الإجهاد الذي يُؤثر على التركيز والتحصيل العلمي، كما تساعد التغذية المُدعمة على الحفاظ على مستوى سكر الدم، مما يمنح الطلبة طاقة ذهنية صافية ومُستدامة. وتسهم الوجبات الخاضعة للرقابة الصحية في تحسين ضغط الدم وتقليل مُستويات السمنة، مما يقي من مخاطر صحية عديدة. أما اجتماعيًا، فهي تُخفف من العبء المالي عن الأسر، وتقلل نفقات الدولة في قطاع الصحة مُستقبلاً، فضلاً عن كونها شبكة أمان للأسر ذوي الدخل المحدود والطلبة المُغتربين والبعيدين عن أهلهم. وتُشير الدراسات العلمية إلى التغذية المدرسية مُحفز أكبر للانتظام، وتقليل نسب الغياب والتسرب. كما أن استعراض الوجبات يمثل نموذجاً للطلبة في كيفية انتقاء غذائهم الصحي، ونشر ثقافة غذائية تشمل التنوع والتوازن في المكونات، مما يسهم في تشكيل الوعي الصحي لدى الطلبة وأسرهم ومجتمعهم. وهناك الكثير من الدول حول العالم التي ما زالت تُقدم للطلبة الوجبات المدرسية؛ على سبيل المثال لا الحصر: ـ فنلندا، والسويد، والدنمارك، وفرنسا، وأمريكا، واليابان، وبريطانيا، وكوريا الجنوبية، واليونان، وإستونيا، وغيرها الكثير، ولكن كانت الآلية تختلف بين المجانية الكاملة، أو الدعم الجزئي، أو الأسعار الرمزية أو الارتباط بمعدل الدخل والمعدل ونحو ذلك. ومن أهمُتطلبات المرحلة لتطوير التعليم المجاني في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: رقمنه وبناء بيئات تعليمية جاذبة، وذكية وتفاعلية، تشمل مُختبرات مُتطورة، ومعامل مُجهزة، وملاعب رياضية، مع تحفيز المهارات الفردية، وتوفير أجنحة خاصة بكل تخصص لاكتشاف ميول واتجاهات الطلبة منذُّ المراحل الأولى. وبإمكاننا جعل التعليم المجاني على قدرٍ عالٍ من التنافسية، والذي قد يتفوق على القطاع الخاص عبر تحديث المناهج بناءً على مخرجات من مراكز الأبحاث المحلية والإقليمية والدولية؛ فنحن ولله الحمدّ نمتلك منهجًا ربانيًا يدعو للعلم والتقدم، ويرسخ مبدأ البحث والـتأمل والتدبر. ويتطلب ذلك تحويل المناهج التقليدية إلى مناهج تفاعلية، بعيداً عن رتابة الحفظ والتلقين والنقل والنسيان، وربطها بالتطبيقات العملية لحلّ مشكلات واقعية، مما يُعزز من الابتكار ويبتعد عن التقليد.
ومن الخطوات المُهمة لرفع مستوى التعليم المجاني: إنشاء شراكات مع جهات ناجحة ضمن إطارنا العربي والإسلامي والدولي بما يناسب بيئتنا وثقافتنا، وتعزيز مبدأ التبادل الثقافي لإتاحة الفرص للطلبة المُتميزين عبر منح تنافسية، وتنظيم رحلات علمية دورية، داخلية وخارجية. ومن النقاط الجوهرية التي قد تنتشل التعليم المجاني: ربط الميزانيات بالمخرجات وجودتها، بحيث تمنح المدارس المُتميزة مكافآت أعلى، وتمويلاً إضافيًا، تشجيعاً لها على الاستمرار في الإبداع، وتحفيزًا للبقية عبر معايير صارمة تقيس جودة المخرجات والأنشطة. كما يجب ألا نغفل عن التقييم السنوي لأداء المُعلمين وتفعيل الرخصة المهنية السنوية، عبر اختبارات وتقييمات حقيقية تجعل المُعلم شعلة نشاط يواكب كافة المتغيرات، وربط الأجر بالإنتاجية، ووضع حوافز مُقننة ترتبط بمدى تطور وجودة المستوى الدراسي للطلبة، مع تفعيل دور المجتمع من خلال تنشيط المجالس المجتمعية لإشراك أولياء الأمور والنخب والمؤثرين وإعطائها صلاحيات الرقابة على الأداء العام للمدارس والمُعلمين والعملية التعليمية، كلٍّ في نطاقه ومنطقته، مع ضمان الشفافية المُطلقة لكافة التقارير التحصيلية والأدائية والمالية، للحفاظ على النزاهة والسلامة المهنية والسمعة الاكاديمية.
كما أن التوسع في إنشاء مدارس وأكاديميات مُتخصصة مُوازية، سيكون له دور في تحسين العملية التعليمية والفنية والتقنية؛ كمدارس خاصة بالموهوبين، ومدارس خاصة بالفنون والتصاميم، ومدارس خاصة بالتقنيين، ومدارس خاصة بالرياضيين (الأولمبية)، ومدارس فنية كالتعليم الزراعي، والتجاري، والصناعي، والبيطري، والمهني، وغيرها. كما يمكن تحويل المدارس والجامعات في أوقات الفراغ إلى محطات ثقافية وتدريبية ورياضية، تخدم المجتمع، مما يزيد من ولاء المجتمع للمدرسة والجامعة. ولا يجب أن ننسى أهمية الاهتمام بالنوابغ وإشهارهم عبر الوسائل الإعلامية بتعدد قنواتها لتشجيع التنافس البناء، وشحذ الهمم لدى القابعين في المنطقة الوسطي بين التقوقع والنبوغ.
وعلى ضوء ما سبق وفي ظل الظروف التي تعيشها كثير من الدول العربية والإسلامية، فليس من الأولوية التوسع المُتعجل في خصخصة التعليم، بل إصلاح التعليم العام، ورفع جودته وتحويله إلى نظام تنافسي، تحت عين وبصر الحكومة، مع الاستفادة من القطاع الخاص، دون التفريط في مجانية الوصول وتكافؤ الفرص. نحن بحاجة ماسة إلى مدارس حكومية يستطيع الطلبة أن يدخلوها فقراء ويخرجوا منها علماء، وأن تكون أبواب الجامعة مفتوحة أمام صاحب العقل والمثابرة، لا أمام صاحب الحساب المصرفي الأكبر. نحتاج إلى تعليم يجعل ابن العامل والفلاح والموظف، وابن رجل الأعمال يقفون على الدرجة نفسها من السلم، ثم يحدد الاجتهاد والنبوغ موقع كل واحد منهم. فإذا كانت الأمم تُبنى بالإنسان، فإن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به الدولة يكون في عقل ذلك الإنسان؛ ولهذا يجب أن نتساءل: كم ستوفر لنا خصخصة التعليم، وكم سنخسر إذا أهملنا الإنسان؟ فالتعليم الجيد ليس عبئاً على الدول، بل هو أحد أثمن استثماراتها حاليًا ومُستقبلاً.
** **
- دكتور باحث في كلية علوم الأغذية والزراعة جامعة الملك سعود