د. نجوى علي غريب
في زمنٍ أصبحت فيه المعلومة متاحة للجميع، لم يعد السؤال الذي ينبغي أن تطرحه مدارسنا اليوم: ماذا يعرف المتعلّم؟ بل: كيف يفكّر؟
إنّ امتلاك المعرفة لم يعد كافيًا في عالم يتسم بالتغير المتسارع؛ لأن المعرفة التي لا تتحول إلى فهم وتطبيق وتوظيف، لا تصنع متعلمًا قادرًا على التعامل مع تحديات العصر ومتغيراته.
لقد تجاوز دور المدرسة اليوم مرحلة نقل المعلومات وتلقين الإجابات الجاهزة للمتعلم إلى بناء عقل قادر على التساؤل والتحليل والاستنتاج والإبداع والابتكار، وهذا هو جوهر رسالتها، وفي هذا الصدد يبرز التعلم العميق بوصفه تحولًا في طريقة بناء المعرفة؛ فهو لا يكتفي بأن يعرف المتعلم المعلومات، بل يساعده على فهمها، والتفكير فيها والتعامل معها وربطها بخبراته وتوظيفها في تفسير ذاته والعالم من حوله، وبذلك ينتقل المتعلم من مجرد متلقٍ للمعرفة إلى مشارك في بنائها واستخدامها في مواقف جديدة.
ورغم هذا التحوّل الكبير في دور المدرسة إلا أنه ماتزال الكثير من النظم التعليمية تنظر إلى نجاح المتعلم من خلال قدرته على استرجاع المعلومات والإجابة عن الأسئلة المحددة في الاختبارات كمؤشر أساسي على التحصيل، ورغم أهمية المعرفة بوصفها أساسًا لأي تعلم، فإن الاقتصار عليها يجعل التعلم محدود الأثر؛ لأن المتعلم قد يمتلك رصيدًا من المعلومات، لكنه يعجز عن تحليلها أو توظيفها أو استخدامها في مواقف جديدة.
إن التعليم الذي تنشده مدارس المستقبل، وتفرضه تحديات العصر، لا يكتفي بأن يقدّم للمتعلم المعلومات والإجابات الجاهزة، بل يدفعه إلى طرح الأسئلة والبحث عن الأدلة وبناء التفسيرات وربط المعرفة بخبراته وواقعه؛ لذا فالمتعلم اليوم لم يعد بحاجة إلى من يخبره بما ينبغي أن يعرفه، وإنما يحتاج إلى من يساعده على اكتشاف كيف يصل إلى المعرفة بنفسه، وكيف يقيمها، وكيف يوظفها. وهنا يظهر جوهر التعلم العميق، فهو لا ينقل المتعلم من الجهل إلى المعرفة فحسب، بل ينقله من تلقي المعرفة إلى التفكير فيها وبنائها وإنتاجها.
إن الانتقال من ثقافة الحفظ إلى ثقافة التعلم العميق لا يتحقق بمجرد تغيير المصطلحات أو إضافة أنشطة جديدة، بل يتطلب تحولًا فعليا في طريقة التفكير في التعليم ذاته، بحيث يصبح الهدف الأساسي هو بناء الفهم وتنمية القدرة على التفكير، ويبدأ ذلك من داخل الفصل الدراسي من خلال الانتقال من نمط يعتمد على شرح المعلم واستقبال المتعلم للمعلومة إلى بيئة تعلم قائمة على الحوار، وطرح الأسئلة المفتوحة، والاستقصاء، وحل المشكلات. فبدلًا من أن يُطلب من المتعلم حفظ أسباب ظاهرة معينة، يمكن أن يُطلب منه تحليلها ومناقشة آثارها واقتراح حلول لها، وربطها بسياقه الواقعي، فمثلا: في التعلم السطحي قد يُطلب من المتعلم حفظ تعريف الاحتباس الحراري وأسبابه، أما في التعلم العميق، فإنه يُطلب منه تحليل أثره على البيئة، واقتراح الحلول للحد من مخاطره عليها، وتقييم الأدلة التي يستند إليها. فالمتعلم في الحالة الأولى يعرف المعلومة، أما في الثانية فهو يمارس التفكير، يحلل ويقترح ويقيّم.
إن هذا التحول في نمط التعلم يتطلب إعادة النظر في تصميم المناهج الدراسية؛ بحيث لا تكون مجرد قوائم من المعارف والمعلومات، وإنما منظومات تعلم تساعد المتعلم على الربط بين المفاهيم وتطبيقها في مواقف جديدة وتوظيفها في مشروعات أو مهام واقعية تنمّي التفكير والإبداع لدى المتعلم.
ويمتد التغيير كذلك إلى أساليب التقويم؛ إذ لا يمكن بناء متعلم مفكّر باستخدام أدوات تقيس قدرته على الحفظ فقط؛ لذلك ينبغي أن تتنوع أدوات التقويم؛ لتشمل مهام الأداء والمشروعات ودراسات الحالة والأسئلة التي تتطلب التفسير والتحليل والتبرير، بحيث يصبح الاختبار وسيلة للكشف عن عمق الفهم، وليس مجرد قياس لكمية المعلومات التي يستطيع المتعلم استرجاعها، وبذلك تتحول المدرسة من بيئة تركز على سؤال: ماذا حفظ المتعلم؟ إلى بيئة تهتم بسؤال أكثر عمقًا: كيف يفكّر المتعلّم فيما تعلّمه؟ وكيف يستطيع توظيفه في فهم العالم من حوله؟ وفي هذا يكمن جوهر الانتقال الحقيقي نحو التعلم العميق.
إن الحاجة إلى التعلم العميق لم تعد خيارًا تربويًا مرتبطًا باتجاه تربوي حديث، وإنما أصبحت ضرورة تفرضها طبيعة العصر ومتطلبات المستقبل، ويعود ذلك لعدة أسبا ب، من أبرزها :
أولًا: التحوّل في طبيعة المعرفة في عصر الاقتصاد المعرفي: إن عصر الاقتصاد المعرفي أعاد تعريف قيمة المعرفة؛ فلم تعد تتمثل في امتلاكها أو تخزينها، وإنما في القدرة على توظيفها وإنتاج قيمة جديدة منها. ومن ثم، لم يعد دور المدرسة نقل المعرفة فحسب، بل بناء متعلم قادر على استثمارها في فهم المشكلات واتخاذ القرارات والتكيف مع المتغيرات.
ثانيًا: التحوّل في متطلبات التعلم ومهارات المستقبل: إن مجتمعات المستقبل لا تحتاج إلى متعلمين يجيدون حفظ المعلومات واسترجاعها، بقدر حاجتها إلى أفراد يمتلكون مهارات التفكير النقدي والإبداعي، وحل المشكلات، والتعاون، وهذه المهارات لا تُكتسب بالتلقين، وإنما من خلال تعلم عميق يجعل المتعلم شريكًا في بناء المعرفة.
ثالثًا: التحوّل الذي فرضه الذكاء الاصطناعي على دور المتعلّم والمدرسة: فمع الذكاء الاصطناعي لم يعد التحدي في الوصول إلى المعرفة، بل في القدرة على تقييمها وتفسيرها وتوجيه استخدامها، لقد أصبحت الحاجة ملحة إلى عقل ناقد قادر على التعامل مع مخرجات التقنية بوعي، وتحويلها من معلومات جاهزة إلى معرفة ذات معنى.
إن تحقيق التعلم العميق يتطلّب تحولًا في أدوار عناصر العملية التعليمية. فالمعلم لم يعد ناقلًا للمحتوى فقط، بل أصبح مصممًا لخبرات تعليمية تدفع المتعلمين إلى التساؤل والاستقصاء والتحليل، والمتعلم لم يعد مستقبلًا للمعلومات، بل أصبح باحثًا ومشاركًا في بناء المعرفة. أما التقويم فلم يعد يركّز على قياس قدرة المتعلم على تذكر المعلومات فقط، وإنما على قياس قدرته على تفسيرها وتطبيقها وتحليلها وإنتاج أفكار جديدة.
كما تحتاج المدرسة اليوم إلى الانتقال من ثقافة السؤال ذي الإجابة الواحدة إلى ثقافة الحوار والاستكشاف وحل المشكلات وتنفيذ المشروعات؛ لأن التفكير لا ينمو في بيئة تقدّم للمتعلم الإجابات، وإنما في بيئة تعلمه كيف يبحث عنها، وبذلك يصبح التعلم العميق أكثر من مجرد أسلوب تدريس؛ إنه رؤية مختلفة لوظيفة المدرسة نفسها.
إنّ الرهان الحقيقي لمدارسنا اليوم لم يعد أن تجعل المتعلّم يعرف أكثر فقط، بل أن تجعله يفكّر بصورة أعمق؛ لأن بناء الإنسان القادر على التعلّم المستمر والتكّيف مع المتغيرات وابتكار الحلول، هو الغاية الأسمى لأي نظام تعليمي يسعى إلى إعداد أجيال قادرة على قيادة المستقبل والمشاركة الفاعلة في بنائه، فمستقبل التعليم لا تحدّده كمية المعلومات التي يحملها المتعلّم، بل عمق التفكير الذي يمتلكه في التعامل معها.
** **
- أستاذ المناهج وطرق التدريس بجامعة المدينة العالمية