«الجزيرة» - وائل العتيبي:
لم يعد نجاح موسم الحج والعمرة يُقاس بعدد الحجاج والمعتمرين الذين يصلون إلى المشاعر المقدسة، بل بما يعيشونه من تجربة متكاملة تبدأ قبل إصدار التأشيرة، وتمتد حتى عودتهم إلى أوطانهم. وبين هاتين المحطتين، أعادت المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة بناء منظومة خدمة ضيوف الرحمن على أسس جديدة، جعلت التقنية، والتكامل المؤسسي، والبنية التحتية، والتشريعات، والبعد الإنساني ركائز رئيسة في مشروع وطني متكامل تقوده رؤية السعودية 2030، بهدف الارتقاء برحلة الحج والعمرة إلى نموذج عالمي يجسد مكانة المملكة بصفتها خادمة الحرمين الشريفين.
ويكشف التقرير السنوي لبرنامج خدمة ضيوف الرحمن لعام 2025 عن تحول نوعي تجاوز مفهوم إدارة مواسم الحج والعمرة إلى صناعة تجربة إيمانية متكاملة، تتداخل فيها الخدمات الرقمية مع منظومة النقل، وتتقاطع فيها جودة الحياة مع التطوير التشريعي، في إطار مشروع يُعد من أكبر مشاريع إدارة التجمعات البشرية والخدمات الدينية في العالم.
ويعكس هذا التحول مستوى متقدمًا من النضج المؤسسي؛ إذ نجح البرنامج في تنفيذ 87 مبادرة بالشراكة مع أكثر من 60 جهة حكومية، إلى جانب تنسيق أكثر من 600 خطة عمل، وتطوير 102 مؤشر أداء تشغيلي، بما عزز التكامل بين الجهات، ورفع كفاءة التنفيذ والمتابعة. كما حقق البرنامج نسبة 100 % في تنفيذ المبادرات المعتمدة، مدعومًا بحزمة من التشريعات والتنظيمات التي أسهمت في رفع جودة الخدمات، وترسيخ الحوكمة، والحد من الحج غير النظامي، وتعزيز التحول الرقمي في منظومة الحج والعمرة.
وتستند هذه المنظومة إلى توجيهات القيادة السعودية التي جعلت خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما أولوية وطنية، امتدادًا للرسالة التي حملتها المملكة منذ تأسيسها، وتجسيدًا لمستهدفات رؤية 2030 التي تنظر إلى خدمة ضيوف الرحمن بوصفها رسالة دينية وحضارية وإنسانية، قبل أن تكون مهمة تشغيلية.
أرقام تروي قصة التحول
لا تحكي أرقام عام 2025 قصة زيادة في أعداد القادمين فحسب، بل تكشف عن حجم التحول الذي شهدته منظومة الحج والعمرة. فقد استقبلت المملكة أكثر من 19.5 مليون حاج ومعتمر من الخارج، بينهم 18.03 مليون معتمر، متجاوزة المستهدف المرحلي للبرنامج، في مؤشر يعكس تنامي الثقة العالمية بمنظومة الحج والعمرة السعودية.
كما سجلت نسبة رضا المعتمرين 94 %، فيما بلغت نسبة رضا الحجاج 91 %، وهو إنجاز تحقق قبل خمس سنوات من الموعد المستهدف في رؤية 2030، بما يؤكد أن المملكة لم تعد تقيس نجاح الموسم بعدد القادمين فحسب، وإنما بجودة التجربة التي يعيشها ضيف الرحمن في مختلف مراحل رحلته.
رحلة تبدأ قبل الوصول
أصبح التحول الرقمي نقطة الانطلاق الأولى في رحلة ضيف الرحمن، بعدما تجاوز عدد مستخدمي تطبيق «نسك» 40 مليون مستخدم في أكثر من 190 دولة، فيما ارتفع عدد التأشيرات الصادرة للعمرة والزيارة والتأشيرات الأخرى إلى 15.03 مليون تأشيرة.
وفي الوقت نفسه، اختُصر متوسط زمن إنهاء إجراءات الوصول من 120 دقيقة إلى 15 دقيقة فقط، في واحدة من أبرز القفزات التشغيلية التي شهدتها منظومة الحج والعمرة.
كما واصلت مبادرة «طريق مكة» توسعها، ليستفيد منها خلال عام 2025 نحو 314 ألف حاج، ليرتفع إجمالي المستفيدين منذ إطلاقها إلى أكثر من 1.2 مليون حاج، عبر استكمال إجراءات السفر في بلدانهم قبل الوصول إلى المملكة.
وشهدت مبادرة «حج بلا حقيبة» توسعًا ملحوظًا، إذ ارتفع عدد المستفيدين منها خلال عامين من 680 ألف حاج إلى أكثر من مليون حاج، بما يعكس نجاح المبادرات الاستباقية في تبسيط رحلة الحاج منذ مغادرته وطنه.
منظومة نقل تستوعب الملايين
واكب هذا النمو تطويرٌ شامل لمنظومة النقل والمنافذ؛ إذ ارتفعت الطاقة الاستيعابية للرحلات الدولية المتجهة إلى جدة والمدينة المنورة بنسبة 10% لتصل إلى 25.31 مليون مقعد، فيما بلغ عدد الركاب الدوليين 22.22 مليون مسافر.
وسجل مطار الملك عبدالعزيز الدولي رقمًا قياسيًا باستقبال 53.4 مليون مسافر خلال عام 2025، فيما استفاد 9.6 ملايين راكب من قطار الحرمين السريع، واستخدم 1.87 مليون راكب قطار المشاعر المقدسة، كما استفاد أكثر من 15.3 مليون راكب من مشروع حافلات مكة عبر أكثر من 1.09 مليون رحلة، إلى جانب 1.63 مليون مستفيد من مشروع حافلات المدينة، في منظومة هدفت إلى تقليص زمن التنقل، ورفع كفاءة الحركة، وتمكين الحاج والمعتمر من أداء مناسكه في أجواء أكثر يسرًا وطمأنينة.
الإنسان في قلب المنظومة
ولم يقتصر التطوير على الجوانب التشغيلية، بل امتد إلى البعد الإنساني، حيث استقبلت الروضة الشريفة في المسجد النبوي أكثر من 16 مليون زائر خلال عام 2025، فيما بلغت نسبة رضا الزائرين 88 %.
وشهدت المنطقة المركزية في المدينة المنورة إنشاء أربعة طرق مؤنسنة، وتطوير 19 ألف متر من مسارات الحركة، وإنشاء أكثر من 3 آلاف متر من الممرات المخصصة للمشاة والأشخاص ذوي الإعاقة.
كما استفاد أكثر من 600 ألف من كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة من مبادرات تحسين التجربة، إلى جانب تفعيل مئات عربات الجولف داخل المسجد الحرام، وتطوير مرافق وخدمات تسهم في تسهيل الحركة والوصول، بما يجسد حرص المملكة على أن تكون راحة ضيف الرحمن جزءًا أصيلًا من رسالتها.
رحلة إيمانية تتجاوز المناسك
ولأن رحلة المسلم لا تنتهي بانتهاء أداء المناسك، واصل البرنامج تعزيز البعد الثقافي والإثرائي للزيارة، مسجلًا أكثر من 55 مليون زيارة للمواقع التاريخية والوجهات الإثرائية خلال عام 2025.
كما ارتفع عدد زوار الوجهات الإثرائية في مكة المكرمة بنسبة 50 % مقارنة بالعام السابق، ليصل إلى أكثر من 3.18 ملايين زائر، مع تحقيق نسبة رضا بلغت 95.4 %.
وفي السياق ذاته، تواصلت أعمال تطوير درب الهجرة النبوية عبر تأهيل مسار يمتد 470 كيلومترًا، وإنشاء محطات ومواقع تعريفية توثق أحداث الهجرة النبوية، إلى جانب تطوير 18 موقعًا تاريخيًا و69 وجهة إثرائية، بما يعزز ارتباط الزائر بالسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، ويكرس مكانة مكة المكرمة والمدينة المنورة وجهتين دينيتين وثقافيتين عالميتين.
حضور عالمي وشراكة مجتمعية
انعكست هذه الجهود على المكانة الدولية للمدينتين المقدستين، إذ جاءت مكة المكرمة في المرتبة الخامسة عالميًا من حيث عدد الزوار الدوليين، فيما تقدمت المدينة المنورة إلى المرتبة السابعة عالميًا في مؤشر الأداء السياحي، بما يعكس تنامي جاذبية المملكة بوصفها وجهة دينية وثقافية ذات حضور عالمي.
وفي الوقت ذاته، شهد القطاع غير الربحي نموًا لافتًا؛ إذ شارك 184,569 متطوعًا ومتطوعة في خدمة ضيوف الرحمن، إلى جانب تأهيل 1,098 من العاملين في القطاع غير الربحي، وتنفيذ 114 مبادرة، في صورة تجسد ترسيخ ثقافة العمل التطوعي، وتحويل خدمة الحجاج والمعتمرين إلى مسؤولية وطنية يشارك فيها القطاعان الحكومي والخاص، إلى جانب القطاع غير الربحي.
من إدارة الموسم إلى صناعة التجربة
تكشف منجزات برنامج خدمة ضيوف الرحمن لعام 2025 أن المملكة تجاوزت مفهوم إدارة مواسم الحج والعمرة إلى بناء منظومة متكاملة تصنع تجربة ضيف الرحمن منذ إصدار التأشيرة وحتى مغادرة الأراضي المقدسة. إنها رحلة توظف التقنية، والتخطيط، والاستثمار في الإنسان، والتكامل المؤسسي، لتقديم نموذج عالمي في خدمة ملايين المسلمين، وترسيخ مكانة المملكة بصفتها خادمة الحرمين الشريفين، وقائدة لأحد أكبر المشاريع الإنسانية والدينية في العالم، حيث تتحول كل رحلة حج أو عمرة إلى تجربة إيمانية وثقافية وإنسانية راسخة في وجدان كل من يقصد أطهر بقاع الأرض.