د. منصور المالك
كل شيء في عالمنا اليوم يتغير ويتغير بسرعة كبيرة والحديث عن الطاقة اليوم لم يعد حديثًا عن مورد يُستخرج ويُصدَّر، بل عن منظومة اقتصادية وصناعية ومالية وتقنية متكاملة تعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي. فالتنافس بين الدول لم يعد يُقاس فقط بحجم احتياطيات النفط والغاز أو كميات الإنتاج، وإنما بالقدرة على إدارة سلسلة القيمة كاملة؛ من الإنتاج إلى التصنيع، ومن التمويل والاستثمار إلى التقنية والابتكار وصناعة الأسواق.
ومن هذا المنطلق وفي قلب هذا التحول، تملك المملكة العربية السعودية فرصة تاريخية للانتقال من موقع أحد أهم منتجي ومصدري الطاقة في العالم إلى موقع أكثر شمولًا وتأثيرًا: قيادة اقتصاد الطاقة العالمي، على أن تكون الرياض المركز الذي تنطلق منه هذه المنظومة.
تاريخياً لم تُبنَ المكانة السعودية في أسواق الطاقة بين ليلة وضحاها. فعلى مدى عقود، رسخت المملكة موقعها بوصفها أحد أهم أعمدة أمن واستقرار الطاقة العالمي، مستندة إلى موارد هائلة، وقدرات إنتاجية متقدمة، وسياسات متزنة أكسبتها ثقة الأسواق والحكومات والمستثمرين.
لكن يتوجب علينا إدراك أن المرحلة المقبلة تتجاوز تصدير الطاقة إلى مرحلة تعظيم قيمتها الاقتصادية والصناعية داخل المملكة. ومن هنا تكتسب خطوة جمع حقيبتي الطاقة والصناعة والثروة المعدنية تحت قيادة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان أهمية إستراتيجية خاصة؛ فهي تعكس توجهًا نحو المزيد من التكامل بين الطاقة والصناعة والتعدين، وتفتح المجال أمام بناء سلاسل قيمة متكاملة تبدأ من الموارد ولا تنتهي عند تصديرها، بل تمتد إلى تصنيعها وتمويلها وتطوير التقنيات المرتبطة بها.
وتظهر ملامح هذا التحول في التوسع الكبير الذي تشهده المملكة في الطاقة المتجددة وتخزين الكهرباء، بالتوازي مع مشروعات الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء. ويمثل مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر، باستثمارات بلغت نحو 8.4 مليارات دولار عند الإغلاق المالي، نموذجًا لحجم الطموح السعودي في بناء صناعات طاقة جديدة قادرة على المنافسة عالميًا.
ولدينا جميعاً القناعة أن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند إنتاج الكهرباء النظيفة أو الهيدروجين. فالفرصة الأكبر تكمن في بناء صناعات كاملة حول الطاقة: الوقود المستدام للطيران، والبتروكيماويات منخفضة الانبعاثات، والفولاذ الأخضر، والأسمدة النظيفة، وتقنيات تخزين الطاقة، إضافة إلى توفير الكهرباء والبنية التحتية لمراكز البيانات ومراكز الذكاء الاصطناعي التي يتوقع أن تصبح من أكبر مصادر الطلب الجديد على الطاقة عالميًا. وهنا يظهر الفارق بين دولة تنتج الطاقة ودولة تقود اقتصاد الطاقة.
الرياض ليست اليوم هيوستن، وليست سنغافورة، ولا ينبغي لها بالضرورة أن تكون نسخة من أي منهما. فهيوستن بنت مكانتها التاريخية حول شركات النفط والغاز والخدمات المرتبطة بها، بينما رسخت سنغافورة موقعها بوصفها مركزًا عالميًا للتجارة والتداول والخدمات المالية واللوجستية.
أما مدينتنا الجميلة وعشقنا الكبير مدينة الرياض، فتملك فرصة لبناء نموذج مختلف يجمع عناصر القوة التي نادرًا ما تجتمع في مدينة واحدة: قاعدة إنتاجية ضخمة للطاقة، وموارد طبيعية هائلة، وقدرات مالية واستثمارية كبيرة، وصندوقًا سياديًا عالميًا ممثلًا في صندوق الاستثمارات العامة، ومشروعات عملاقة، وقطاعًا صناعيًا متناميًا، وموقعًا جغرافيًا يربط آسيا وإفريقيا وأوروبا، إلى جانب قدرة متزايدة على استقطاب الشركات ورؤوس الأموال والتقنيات العالمية. ولذلك، فإن الهدف لا ينبغي أن يكون مجرد استقطاب المزيد من شركات الطاقة إلى الرياض، وإنما بناء سوق عالمي للطاقة من الرياض.
نحن تعلمنا من مولانا خادم الحرمين الشريفين ومن سمو ولي عهده ملهم الرؤية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان أن المستحيل ليس في قاموسنا وأن الطموح هو خطة عمل لنا في تحقيق نمو بلدنا وازدهار اقتصادنا ويمكن أن يتجسد هذا الطموح مستقبلًا في مبادرة إستراتيجية تحت مسمى «مبادرة الرياض لاقتصاد الطاقة العالمي»، تعمل على جمع شركات الطاقة والصناعة والتعدين، والمؤسسات المالية وصناديق الاستثمار، وشركات التقنية والذكاء الاصطناعي، ومراكز الأبحاث، والجامعات، والمستثمرين وصناع القرار في منظومة اقتصادية واحدة.
ومن هذه المنظومة يمكن أن تنشأ منصات لتمويل وتداول مشروعات وأصول الطاقة، وأسواق للعقود والمنتجات الجديدة، ومراكز للبحث والتطوير، وحاضنات لشركات تقنيات الطاقة، ومؤسسات متخصصة في تمويل المشروعات العابرة للحدود.
ولكي تصبح الرياض عاصمة لاقتصاد الطاقة، فإنها تحتاج أيضًا إلى أن تصبح أحد أهم مراكز تمويل الطاقة في العالم. وهنا تبرز التقنيات المالية الحديثة، وفي مقدمتها الترميز الرقمي للأصول (Tokenization)، الذي يمكن أن يسمح مستقبلًا بتحويل بعض أصول ومشروعات الطاقة إلى أدوات استثمارية رقمية منظمة، بما يوسع قاعدة المستثمرين ويتيح تطوير نماذج جديدة لتمويل مشروعات الطاقة والبنية التحتية.
ويأتي إلى جانبه البلوك تشين لتوثيق التعاملات والعقود وشهادات الطاقة النظيفة وتتبع الانبعاثات، بينما سيكون الذكاء الاصطناعي عنصرًا أساسيًا في إدارة شبكات الكهرباء، والتنبؤ بالطلب، وتحسين الإنتاج، ورفع الكفاءة، وإدارة التداول والمخاطر.
القيمة الحقيقية لا تكمن في استخدام كل تقنية على حدة، وإنما في دمج الطاقة والصناعة والتمويل والتقنية داخل منظومة تنظيمية واستثمارية واحدة تستطيع استقطاب رأس المال العالمي. وهو مشروع يمكن أن يجمع تريليونات الدولارات وضخها في اقتصادنا.
الفرصة أمام المملكة اليوم أكبر من زيادة إنتاج النفط أو الغاز أو الكهرباء أو الهيدروجين. الفرصة الحقيقية هي أن تنتقل المملكة تدريجيًا من تصدير منتجات الطاقة إلى صناعة أسواق الطاقة نفسها. فالدولة التي تستضيف الشركات والمستثمرين والبنوك والمنصات ومراكز الأبحاث والتقنيات التي تحدد مستقبل الصناعة، لا تستفيد فقط من بيع الطاقة، وإنما تستفيد من كل حلقة في سلسلة القيمة العالمية المحيطة بها.
وهذا التحول يتطلب استمرار تطوير البيئة التنظيمية والاستثمارية، واستقطاب المؤسسات العالمية، وتطوير الأسواق المالية المتخصصة، وتعميق البحث العلمي، وتأهيل الكفاءات الوطنية، وتسريع التشريعات المتعلقة بالتقنيات والأصول الرقمية بما يحقق أعلى مستويات الشفافية والثقة وحماية المستثمرين.
إن ما تشهده المملكة اليوم ليس مجرد تطوير لقطاع الطاقة، وإنما بداية لإعادة صياغة موقعها داخل الاقتصاد العالمي. فالمنافسة في العقود المقبلة لن تُحسم فقط بحجم الاحتياطيات أو كميات الإنتاج، بل بالقدرة على امتلاك المعرفة والتقنية، وابتكار أدوات التمويل، واستقطاب رأس المال، وبناء الصناعات، وصناعة الأسواق التي يقصدها العالم عندما يريد الاستثمار أو التجارة أو الابتكار في الطاقة. والرياض لا تحتاج إلى أن تصبح نسخة أخرى من هيوستن أو سنغافورة. بل تستطيع أن تقدم نموذجًا جديدًا يجمع الطاقة والصناعة والتعدين والتمويل والاستثمار والتقنية والذكاء الاصطناعي في مركز عالمي واحد.
وإذا نجحت المملكة في بناء هذه المنظومة المتكاملة وهي قادرة إن شاء الله، فلن يكون السؤال مستقبلًا ما إذا كانت الرياض قادرة على أن تصبح عاصمة لاقتصاد الطاقة العالمي، بل:
ما هي الخطوة التالية؟