د. طلال الحربي
حين يوقّع القادة في قصر الصفا، على مقربة من الحرم المكي الشريف، فإن الجغرافيا نفسها تتحول إلى بيان سياسي؛ فليست مصادفة أن تُختار مكة المكرمة، قبلة ملياري مسلم، لتكون مسرح ميلاد «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية. فالمكان هنا ليس إطاراً بروتوكولياً عابراً، بل اختيار يحمل دلالة عميقة على طبيعة المشروع ذاته: أمنٌ ينبثق من رابطة أخوة وعقيدة قبل أن يكون حسابات مصالح باردة، وردعٌ يُبنى على أرضية من الثقة التاريخية المتجذرة بين الدول الثلاث، لا على تحالف ظرفي تمليه أزمة عابرة.
وقّع كل من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وفخامة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ودولة رئيس وزراء جمهورية باكستان الإسلامية محمد شهباز شريف، على وثيقة تنص صراحة على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع، تلبية لدعوة كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، واستقبلهما سمو ولي العهد في الديوان الملكي بقصر الصفا في مكة المكرمة. وبهذا التوقيع، تخرج المنطقة من زمن التفاهمات الثنائية المتفرقة إلى زمن المنظومات الجماعية المتكاملة، في تحول لا يقاس بحجم البيان الرسمي الصادر عنه، بل بحجم إعادة ترتيب موازين الردع في مساحة تمتد من الحرمين الشريفين إلى الأناضول وصولاً إلى جنوب آسيا.
القراءة المتأنية لنص الاتفاقية تكشف أنها لم تولد من فراغ، بل جاءت امتداداً طبيعياً لاتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك التي وقعتها المملكة وباكستان في سبتمبر 2025، والتي أرست المبدأ ذاته على أساس ثنائي. وما حدث اليوم هو ترقية هذا المبدأ من علاقة بين طرفين إلى منظومة ثلاثية تضم تركيا، صاحبة ثاني أكبر جيوش حلف شمال الأطلسي وصناعة دفاعية متقدمة تحديداً في مجال المسيّرات، لتكتمل بذلك معادلة تجمع لأول مرة في تاريخها المعاصر ثلاث قوى محورية في العالم الإسلامي تحت مظلة دفاع جماعي واحدة. و الاتفاقية انطلقت من الروابط التاريخية الراسخة بين الدول الثلاث، وبُنيت على روابط الأخوة والتضامن الإسلامي التي تجمعها، واستندت إلى المصالح الاستراتيجية المشتركة والتعاون الدفاعي الوثيق القائم أصلاً بينها.
وحين نتأمل ثقل هذا التحالف في ميزان القوى الإقليمي والدولي، ندرك أننا أمام كتلة يتجاوز عدد سكانها ثلاثمائة وستين مليون نسمة، تمتد من جدة إلى إسطنبول إلى كراتشي، وتجمع اقتصادات يفوق ناتجها مجتمعة تريليونين ونصف التريليون دولار: أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط، وقوة صناعية عابرة للقارتين، وسوق من أكثر الأسواق الآسيوية حيوية ونمواً. كما تجمع الاتفاقية ثلاثة جيوش من الأعرق تاريخياً والأكثر تحديثاً: منظومة تحديث عسكري سعودية متسارعة تنسجم مع مسار رؤية 2030، وثاني أكبر جيوش الناتو وصناعة دفاعية تركية صاعدة على المستوى العالمي، وقوة عسكرية باكستانية عريقة تُعد القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي. وليست هذه الأرقام تفصيلاً إحصائياً هامشياً، بل هي جوهر الرسالة الاستراتيجية التي يريد التحالف الثلاثي إبلاغها لكل من يفكر في المساس بأمن أي من أطرافه: أن أي استهداف لدولة واحدة سيستدعي تلقائياً ثقل الدول الثلاث مجتمعة، بما يحمله ذلك من كلفة ردع لا يُستهان بها.
غير أن الأخطر من قراءة الأرقام هو قراءة الرؤية التي تقف خلف هذه الخطوة، وهي رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان للأمن الإقليمي والعالمي، القائمة على قناعة راسخة بأن الاستقرار لا يُبنى بالتمنيات ولا بالاعتماد الحصري على مظلات خارجية، بل بشراكات استراتيجية متعددة الأطراف تعكس تنويعاً واعياً لخيارات الأمن الوطني، وتترجم الثقل السياسي والاقتصادي والديني الذي تحظى به المملكة في العالمين العربي والإسلامي إلى إطار عملي قادر على الحماية والمنعة. فالمملكة، بقيادة ولي العهد، لم تعد تكتفي بموقعها التقليدي كقوة استقرار إقليمية، بل تتحرك بثبات نحو صياغة معمارية أمنية جديدة تشارك في تصميمها لا تنتظر رسمها من طرف آخر، وهذا بالضبط ما يفسر توقيت الاتفاقية وسياقها الإقليمي المشحون بتصعيد متكرر واستهدافات تعرضت لها دول خليجية في الأشهر الأخيرة.
ومن اللافت أن نص البيان الرسمي حرص، رغم صراحة بند الردع المشترك، على التأكيد أن جوهر الاتفاقية دفاعي صرف، لا يستهدف أي دولة، وأن غايتها المعلنة هي تحقيق الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة والعالم سعياً إلى مستقبل آمن ومزدهر. وهذا التمييز الدقيق بين الردع والعدوان هو تحديداً ما يميز الفلسفة الأمنية التي تتبناها القيادة السعودية: القوة أداة لحماية السلم لا لتقويضه، والتحالف وسيلة لصون الاستقرار لا لاستدراج المواجهة. فالمملكة التي تقود اليوم أكبر مشروع تنموي وتحويلي في تاريخها عبر رؤية 2030، تدرك أن استمرار مسيرة التنمية والازدهار رهين باستقرار إقليمي راسخ، وأن كل استثمار في الأمن الجماعي هو في جوهره استثمار في مستقبل التنمية ذاته.
وتتجاوز الاتفاقية، بند الردع العسكري إلى تأسيس إطار مؤسسي منظم للتعاون الدفاعي الشامل، يمتد ليشمل التدريبات العسكرية المشتركة، ونقل التقنية، والتكامل في التصنيع الدفاعي، والتطوير التكنولوجي المشترك، وتبادل المعلومات الاستخباراتية رفيعة المستوى؛ بما يجعلها منصة بناء طويلة المدى لا وثيقة مناسبة عابرة تُطوى بانتهاء مراسم التوقيع. وهذا البعد المؤسسي هو ما يمنح الاتفاقية قدرتها على الصمود والتطور، إذ ينقلها من كونها تعهداً سياسياً إلى منظومة عمل قابلة للتفعيل والتوسع بحسب متطلبات المرحلة.ولكل طرف من أطراف الاتفاقية مكسبه الاستراتيجي الخاص الذي ينسجم مع مصالحه العليا؛ فباكستان، الحليف التاريخي للمملكة منذ عقود، ترى في الاتفاقية ترسيخاً لشراكة عميقة ورافداً اقتصادياً ودفاعياً أوسع مع أكبر اقتصادات المنطقة. وتركيا، العضو الفاعل في حلف الناتو وصاحبة الصناعة الدفاعية الصاعدة، تفتح بهذه الاتفاقية عمقاً استراتيجياً جديداً نحو الخليج العربي وآفاقاً واسعة للتكامل الصناعي والتجاري. أما المملكة، فتضيف إلى مكانتها القيادية إطاراً عملياً يحول ثقلها السياسي والديني إلى منظومة حماية ملموسة، ويؤكد قدرتها على قيادة تحالفات إقليمية نوعية تصون مصالحها ومصالح شركائها في آن واحد.وإذ تنتقل الاتفاقية الآن من لحظة الإعلان إلى مسار البناء والتفعيل، فإن نجاحها سيكون في قدرة الأطراف الثلاثة على ترجمة مبدأ «الأمن الواحد» إلى آليات عمل مشتركة فاعلة، تستوعب تعقيدات المشهد الإقليمي المتغير وتستجيب لتحدياته بسرعة وكفاءة. غير أن الثابت، بمعزل عن تفاصيل المرحلة المقبلة، أن مكة المكرمة كتبت اليوم سطراً جديداً في سجل تاريخها الممتد؛ فمنها انطلقت للعالم رسائل السلام على مر العصور، ومنها ينطلق اليوم عهدٌ بين ثلاث أمم كبرى بأن أمنها، كقبلتها، واحد لا يتجزأ.