مرفت بخاري
من مكة لا تُولد الاتفاقيات كما تُولد في عواصم العالم، بل تُولد وهي تحمل رسالةً تتجاوز حدود السياسة، فهذه المدينة التي وحّدت القلوب على قبلة واحدة، أصبحت اليوم شاهدة على إرادةٍ تسعى إلى أن توحّد المصالح، وتحمي الاستقرار، وتؤكد أن قوة الأمة تبدأ حين تجتمع على رؤية واحدة.
وحين اجتمعت المملكة العربية السعودية، والجمهورية التركية، وجمهورية باكستان الإسلامية، لم يكن الذي جمعها مجرد توقيع اتفاقية، بل اجتماع إرادات تؤمن بأن ازدهار الأوطان لا ينفصل عن أمنها، وأن التنمية لا تستدام إلا إذا أحاطتها القوة بالحكمة، والشراكة بالمسؤولية، ولم يكن اجتماعًا عابرًا، بل إعلانًا بأن المستقبل تصنعه الدول التي تتقن فن الاجتماع على المصالح العليا، لا على المصالح الآنية.فليست القوة أن تمتلك جيشًا أكبر، ولا أن ترفع صوتك أعلى، بل أن تجعل الآخرين يرون في حضورك ضمانةً للاستقرار، وأن يصبح اسمك في زمن الاضطراب مرادفًا للثقة، لا للخوف.لكن الحدث لا يتوقف عند لحظة الاجتماع، بل يمتد إلى ما يحمله من دلالات، فالسؤال الحقيقي، ليس ماذا ستفعل هذه الاتفاقية غدًا، بل ماذا تقول للعالم اليوم؟
تقول إن زمن الدول التي تواجه التحولات منفردة يتراجع، وأن المستقبل تكتبه الشراكات التي تجمع بين الإرادة السياسية، والقدرة الاقتصادية، والعمق الحضاري، والمملكة وهي تقود هذا المسار، لا تؤسس لتحالف عسكري فحسب، بل تفتح بابًا لتكامل يمكن أن يمتد إلى الاستثمار، والصناعة، ونقل المعرفة، وبناء الثقة بين شعوب ترتبط بتاريخ طويل، ومصالح متشابكة.
ولعل تركيا وباكستان، وقد واجه اقتصادهما في السنوات الأخيرة تحديات كبيرة، تنظران إلى هذا النوع من الشراكات بوصفه فرصة لتعزيز الاستقرار، وجذب الاستثمارات، وتوسيع آفاق التعاون الصناعي والتقني، فالاقتصاد لا يزدهر في بيئة مضطربة، والاستثمار يبحث دائمًا عن أفق يتكئ على الثقة قبل أن يتكئ على الأرقام.
وهكذا، تصبح اتفاقية مكة أكثر من وثيقة دفاعية، وتغدو إعلانًا بأن الأمن والتنمية ليسا طريقين متوازيين، بل طريقًا واحدًا لا يكتمل أحدهما إلا بالآخر.غير أن الاتفاقيات الكبرى لا تُقاس بحبر التوقيع، بل بالأثر الذي تتركه في وجدان الشعوب، فالمواطن البسيط، أيًا كانت جنسيته، لا يشغله عدد البنود، ولا تفاصيل البروتوكولات، بقدر ما يعنيه السؤال الأهم، ماذا ستضيف هذه الخطوة إلى أمنه، واستقرار وطنه، ومستقبل أبنائه؟
ومن هنا تتجاوز اتفاقية مكة للدفاع المشترك بعدها العسكري، لتلامس البعد الإنساني، فالسعودي يقرأها امتدادًا لدور وطنه في صناعة الاستقرار، والتركي قد يراها نافذةً لتعزيز الشراكات التي تدعم اقتصاد بلاده، وتوسع آفاق صناعاتها، والباكستاني قد يجد فيها أملًا في تعاون يفتح أبوابًا جديدة للاستثمار والتنمية، ويمنح بلاده مساحة أوسع للنهوض بعد سنوات من التحديات الاقتصادية.
وحين تلتقي المصالح الاستراتيجية مع الإرادة السياسية، لا تكون المكاسب حكرًا على الحكومات، بل تمتد آثارها إلى الشعوب، فالاستقرار يجذب الاستثمار، والاستثمار يصنع فرص العمل، وفرص العمل تبني مستقبلًا أكثر اطمئنانًا، وهكذا تتحول الاتفاقيات، عندما تُحسن الدول استثمارها، من وثائق تُحفظ في الأرشيف، إلى واقع ينعكس على حياة الناس.ستظل الوحدة أعظم منهج علّمنا إياه الإسلام، قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ، وما اجتمعت الإرادات على الخير إلا ازداد الأمن رسوخًا، واتسعت آفاق التنمية، وقويت الأوطان بأبنائها وشركائها.
قد يقرأ البعض هذه الاتفاقية بعين الشك، أو يحاول أن يختزلها في حسابات السياسة الضيقة، لكن الشعوب التي أنهكتها الأزمات تعرف أن كل خطوة تُرسخ الاستقرار، وتحمي المصالح، وتفتح أبواب التعاون، هي استثمار في مستقبل أبنائها قبل أن تكون اتفاقًا بين الحكومات.
ولهذا فإننا لا نرى في اتفاقية مكة للدفاع المشترك مجرد وثيقة تُوقَّع، بل وعدًا بأن يكون الغد أكثر استقرارًا، وأن تبقى أوطاننا عصية على الفتن، وأن يرث أبناؤنا منطقةً تُبنى فيها الجسور، ويُصان فيها الإنسان قبل المكان، فالأوطان لا تورث أبناءها الثروات وحدها، بل تورثهم أيضًا أمنًا صُنِع بالحكمة، وحُفِظ بوحدة الكلمة، وحسن التدبير.