لم تكن الأودية على امتداد العصور والأزمنة مجرد ذكريات عابرة وناقلة للسيول في حياة البشر، ولا كانت الشعبان التي حولها مجرد ناقلة للمياه لباطنها، بل أسهمت الأودية في إخصاب الأرض ونموها وسد رمق الجوع والعطش، ولم تكن محطات عبور فقط بل كانت مساكن ومستراحاً للبدو الرحل وشرايين الحياة النابضة ومهد الحضارات ومسرح الأحداث التاريخية، وخلدت فيها القصص والأشعار وربطت بين البلدان.
مع مرور الزمن تحولت ضفاف ومجاري هذه الأودية إلى مستقرات حضارية وأقيمت عليها الأسواق التجارية ومحطات استراحة القوافل، ورسمت خرائط لطرق التجارة والحجاج ومرجعيات جغرافية وحدوداً للبلدات، وساهمت في تنشيط الدورة الاقتصادية بالبلاد وازدهار التجارة مع القرى المجاورة وشكلت الأودية النواة الأولى لنشأه القرى والمدن وساهمت في ازدهارها.
بهذه المقدمة الموجزة سنتحدث عن وادي الباطن بمحافظة الحريق الواقعة جنوب غرب الرياض ضمن سلسلة جبال طويق الزاخرة بالكثير من الأودية والشعاب والخشوم والجبال، ومن هنا سوف نتحدث عن أعظم أوديتها وأبرز معالها الطبيعية وهو وادي الباطن المعروف بوادي الحريق الكبير الواقع جنوب المحافظة الذي يشقها من غربها إلى شرقها محاذياً لجبالها الجنوبية مروياً بأراضيها ومزارعها، وسمي الباطن لاتساع باطنه وانخفاضه عن جوانبه وأرضه ذات رمل خفيف وحصباء دقيقة تسمى جرعاء كما قال الشاعر محسن بن عثمان الهزاني -يرحمه الله- في إحدى قصائده منها هذا البيت:
يا شيت مالي حيلة غير أنني
على شاطي الجرعا أمام الخراوع
الباطن ملتقى أودية الحريق الشمالية والغربية والجنوبية (تسمى بسيول الأيمن والأيسر) التي تصب في الوادي الكبير (الباطن) المسمّى وادي المجاميع لالتقاء وتجمع السيول فيه، قال الشاعر محسن بن عثمان الهزاني:
خلاف الجفا والهجر واليأس والرجا
بالأقدار يسقي دار وادي المجامع
شكل وادي الباطن والجبال المطلة عليه جنوباً شرياناً حيوياً في الذاكرة الثقافية والتاريخية لأهالي الحريق وما جاورها وارتبط في أذهانهم، فرسم بموقعه الإستراتيجي وضفافه مساحات للفرح والانبساط والبهجة يوم كان محطة استراحة القوافل وطرق الحجاج وطريقاً للتجارة، وتقام عليه الاحتفالات وصلاة العيدين والاستسقاء والاحتفالات، وصار ملاذاً آماناً للبادية عند نزوحهم للحريق لغرض التبادل التجاري مع الأهالي. أقيمت عليه الأسواق الموسمية وغدا مصدر رزق للحاضرة والبادية في البيع والشراء باستقبال البضائع من البلدات المجاورة.
كانت الحريق مقصداً للحاضرة والبادية من البلدات المجاورة من القويعية والرين وغيرها، وكانت الحريق مقصداً لهم لشراء التمور التي تعد من أهم مصادر التجارة بين سكان هذه المنطقة آنذاك، وكانت البادية تتقيض من بلد الحريق عدة أشهر أثناء مرورهم عن طريق التبادل التجاري (المقايضة). وكذلك كان منطلقاً لرحلات الحج والسفر، وكان الطريق الرئيسي لدخول البلدة للقادمين من الناحية الغربية والشرقية قبل وصول طرق المواصلات، وقامت على ضفافه كثير من المزارع. وكان الوادي عند جريانه لا يثبت بمعايير طوله وغزارة جريانه إلا بما يهطل من أمطار على الشعبان الجنوبية التي تعتبر أحد المصادر الرئيسة له والذي يسمى عند الأهالي بسيل الأيسر، ويزيد جريان سيل الباطن عند فيضان مجرى سيل الأيمن والتقائه بسيل الأيسر، وقد شكل جريان الوادي ذاكرة شعبية ثقافية وتاريخية عند الأهالي كبيرهم وصغيرهم وما زال كذلك إلى يومنا هذا. يحمل عند جريانه صوراً في وجدانهم ومكان تواصل عند التقاء واجتماع حواليه فرحاً بجريانه، ويتباشر به الأهالي ويتناقلون أخبار جريانه فيقولون: قام الفحل لكبره وعظمته وقوة تأثيره الكبيرة متجاوزاً في جريانه العديد من بطون البلدات التي يمر بها حتى يصل إلى وادي السهباء بالخرج، يقول الشاعر محسن بن عثمان الهزاني في قصيدته الشهيرة (الاستغاثة):
حينما استوى وارتوى واقتوى
واستقلّ وانتقل اضمحلّ المحل
بعد ذا آخر ما حمى جور ماه
يشيل الشجر في مسيل الفحل
وقد اتسم الوادي بكثافة أشجاره خاصة أشجار العشر، وكان مقصداً لبعض الأهالي للاسترخاء به والنوم به في ليالي الصيف المقمرة وممارسة البعض فيه رياضة الجري والسباق بينهم، وقد قال الشاعر سعد بن عبد الله آل تويم -يرحمه الله- قصيدة عندما تذكر ربعه وجماعته في قصيدة المرقب:
ربعي هل الباطن عزيزاً جارهم
تعز الرفيق وتكرم الضيفان
وقد ذكر لي الأستاذ عبد الرحمن بن إبراهيم الحضيبي من أهالي محافظة القويعية أنه في بداية حياته اشتغل كداد في سيارات النقل، وكان يتردد على الحريق لنقل المواشي للحريق لبيعها بسوق الباطن.
وأما من ذكرياتي ففي أثناء ترددي على الحريق أثناء الإجازة الصيفية وكنت أروح للباطن ومن أجملها والتي لا زالت بذاكرتي وذلك أثناء دراستي المرحلة المتوسطة بالرياض وكنا ندرس بمادة الجغرافيا عن جغرافية جمهورية السودان والتي تشتهر بإنتاج الصمغ العربي عالمياً، وكان بالباطن شجرة الطلح المعروفة بضخامتها والتي تقع غرب محطة عبد الله بن عيد -رحمه الله- ولاحظت أنها تفرز مادة صمغية تشبه اللبان وجنيت من جذعها بعضاً من هذا الصمغ وأحضرته لمدرس مادة الجغرافيا الذي شكرني على ذلك.
ومما يثير الاستغراب أن الوادي رغم ارتباطه في أذهان وجدان الكثير من الأهالي لم نجد فيه قصيدة خاصة به وما وصلنا إلا بعض الأبيات في سياق بعض القصائد.
ومن معالم الوادي والأحداث والمناسبات التي لا زالت خالدة بذاكرة الأهالي الآتي:
* إقامة حفل استقبال جلالة الملك سعود بن عبد العزيز -يرحمه الله-، بالوادي يوم زار الحريق بعد توليه مقاليد الحكم، وكان الاحتفال يوم الجمعة الموافق 24-10-1373هـ أقيم له احتفال شعبي ونصبت له السرادق الفخمة استعداداً لاستقباله وألقيت الكلمات والقصائد الشعرية والعرضة.
* أثناء زيارة جلالة الملك سعود بن عبد العزيز -يرحمه الله- للحريق قام الأهالي بوضع ديناميت في مكان مقطع الحجر في جبل الصفراء وتفجيره ترحيباً وابتهاجاً بقدوم جلالته للحريق.
* استغاثة الشاعر محسن بن عثمان الهزاني -يرحمه الله- والتي رجح الكثير من الرواة أنه أدى صلاة الاستسقاء بوادي الباطن لأن صلاة الاستسقاء تقام فيه قديماً.
* طريق حاج اليمامة قديماً يمر عبر وادي الباطن بالحريق حيث إن الطريق يقع في وسط اليمامة من الجهة الشرقية لجبال طويق في إقليم نجد، ويعد حلقة الوصل بين أقاليم الجزيرة العربية يمر به القادمون من البحرين وعُمان ومن يأتي في طريقهما من بلاد فارس وما يليهما شرقاً.
* يعد وادي الباطن قديماً مكاناً لتوافد واجتماع حجاج الخرج والحوطة والحلوة ونعام والمفيجر مصعدين نحو بلد الحريق ينتظرهم حجاج الحريق في الباطن للسير معاً إلى مكة المكرمة وهذا الاجتماع من التعاون بينهم حفظاً لهم من الأخطار في الطريق.
* من الامدية القديمة بالباطن: مدي منصور بن مساعد آل مساعد، الذي جعلها وقفاً وسبيلاً من الأعمال الخيرية أخرجه من مزرعته الواقعة على ضفة الوادي الشمالية، وكان الحجاج عند استعدادهم يروون إبلهم ويملؤون قربهم منه وكذلك ترده الإبل والماشية وتشرب منه الطيور.
* يقام بوادي الباطن قديماً سوق للإبل والغنم تفد إليه البادية ببضائعهم وأمتعتهم من الجمال والأغنام والضأن، والسمن والاقط والحطب ويستعد الحاضرة بمثلها مما تنتجه المزارع من تمور وحبوب وثمار ومنتوجات تحتاجها البادية.
* مبنى مدرسة الحريق الأولى شيد على ضفة الوادي الجنوبية المعروف عند الأهالي بمدرسة الباطن التي ارتبطت بذاكرة الكثير من الدارسين فيها، وهي الوحيدة بالبلدة آنذاك، وإذا سال الوادي تعلقت الدراسة عدة أيام لأن الوادي يحول دون الوصول إليها.
* مبنى مشروع المياه أقامته وزارة الزراعة وسط الوادي لسقايا البلدة وتطلب المشروع مد مواسير إلى الخزان بجبل الصفراء لتقوية ضخ المياه إلى البلدة.
* كان خزان المياه بجبل الصفراء تتسرب منه بعض المياه فأشار أحد الوافدين من الجالية العربية بالاستفادة من ذلك التسرب بزراعة العديد من أشجار الفواكه والخضار أسفل الجبل.
* يعد وادي الباطن قديماً الطريق الرئيسي لسيارات النقل العابرة للحريق أو القادمة له من الناحية الغربية أو الشرقية.
* محطة آل حوتان لبيع الوقود تقع على ضفة الوادي الشمالية من وادي الباطن وكان موقعها بنخلهم المسمى المغيدر وكان البنزين بها يباع بالتنكة لعدم وجود مضخات كهربائية آنذاك.
* محطة عبد الله بن ناصر بن عيد لبيع الوقود كانت وسط الباطن تحت شجر العشر، وكان يستورد البنزين في براميل ويبيعه بالتنكة وفي أحد السنوات أثر جريان سيل الباطن على المكان وأدى إلى انجراف البراميل مع السيل، ثم أنشأ محطة بدلاً عنها على الضفة الشمالية من الباطن جوار شجرة الطلحة، وكان بالمحطة محل لبيع قطع غيار السيارات البسيطة.
* محطة راشد بن زيد الهزاني يشاركه فيها كل من (سعد بن محمد القويزاني وزيد بن علي القويزاني، وسعد بن عبد العزيز الكليب) لبيع الوقود وتقع على ضفة الوادي الشمالية من الباطن وانتقلت ملكيتها لعبد العزيز بن حسن آل الشيخ ثم انتقلت ملكيتها مؤخراً لشركة ترانزيت للخدمات البترولية.
* قامت شرطة الحريق قديماً بتركيب أريل اتصالات لاسلكي تابع لها لتقوية شبكة الاتصالات، وقامت بلدية الحريق بتسهيل طريق لهم بجبل الصفراء.
* مصلى صلاة العيدين وصلاة الاستسقاء كانت تقام وسط الباطن جوار مشروع المياه من الناحية الغربية الشمالية.
* مصيدة الرزيحي لصيد الحيوانات المفترسة (الضباع والذئاب) والتي أنشأها وشيدها من الأحجار على جبل الصفراء لحماية البلدة من الحيوانات المفترسة التي تسلل من الظهرة الجنوبية.
* أقام بعض لأهالي مدقة على أحد الصخور لتدق الحبوب تقع على ضفة الوادي الشمالية.
* مقهى شعبي بالركن الشرقي للمدرسة تعود ملكيته لمحمد بن حمد الشريمي.
* ورشة لصيانة السيارات جوار المدرسة من الناحية الشرقية لصاحبها عبد الله بن إبراهيم الخضير.
* الخريرا عبارة عن منزلق رملي منتصف المنحدر الشمالي لجبل الصفراء يمارس فيه الأطفال الترفيه عن أنفسهم وقضاء أوقات فراغهم فيه.
* يعد وادي الباطن من الناحية الشمالية المدخل الرئيس للبلدة جهة حي الرميلة، حيث إنه يعد مجمعاً حكومياً مصغراً للدوائر الحكومية آنذاك، ففيه: مقر الأمارة، والبرقية، وسجن الأمارة ومدرسة الحريق الأولى، وبه طريق يؤدي إلى سوق القاع.
* البزابيز الثلاثة قام مكتب الزراعة بمد خط مياه من مشروع المياه إلى الضفة الشمالية من الوادي جوار مسجد الحزم المجاور لمزرعة الركية، وأقامت به حوض مياه لغرض خدمة الأهالي وأصحاب الإبل وكان الغرض منه عمل خيري وأصبح هذا المكان ملتقى لشباب البلدة لغسيل سياراتهم وقضاء أوقات فراغهم عنده.
* شجرة الطلحة وهي شجرة ضخمة توجد بالغرب من محطة عبد الله بن عيد جوار مسجد الحزم وتميزت بضخامتها وأصبحت ملتقى واستراحة لأصحاب سيارات النقل ويستظل بها الحجاج والبادية ورعاة الأغنام.
* أشجار الصبارى (فاكهة البمبر) وهي مجموعة من أشجار الصبارى كانت تتدلى من مزرعة الركية الواقعة على ضفة الوادي الشمالية وكانت مقصداً لبعض الأهالي للأكل منها.
* لغزارة سيل الباطن وخوفاً من تأثيره على جنبات الوادي والمزارع قام الأهالي بوضع مصدات من الأحجار الضخمة حولها تسمى الكبوش لتحويل السيل لوسط الباطن.
* مثل وادي الباطن ملتقى للشعر الشعبي بين البادية والحاضرة.
* مثل مصلى العيد بالباطن أحد أمكنة تجمع أهالي البلدة لاستقبال المبشرين بقدوم الحجاج حيث إن كل خبرة (حملة) يتقدمهم مبشر لإبلاغهم.
* كذلك الوادي لا يسلم عند هطول الأمطار وغزارتها من وقوع بعض حوادث الغرق والوفاة وكذلك جرفها للابل.
* في بداية تأسيس بلدية الحريق استفادت البلدية من تربة الباطن الحصباء الناعمة في تسوية شوارع البلدة وتجميلها بدلاً من التربة الطينية. كذلك استفاد بعض الأهالي من تلك التربة بصب أرضية وسقوف منازلهم.
* أقام بعض الأهالي بجبل الصفراء مقطعاً لقص الحجر لبيعه وكان الحجر قديماً يستخدم في بناء الآبار (القلبان) والبيوت.
* مثَّل وادي الباطن متنفساً ترفيهياً لشباب الحريق حيث كانوا يمارسون فيه الألعاب الشعبية ورياضة الجري والسباق والسباحة بالدراكيل (مكان تجمع السيول)، كذلك صيد طيور الحجل لكثرتها حول شجر العشر لأنها تفضل أكل حبوب ثمره.
ختاماً نأمل أن نكون قد نجحنا -بتوفيق الله- في هذا المقال توظيف الذاكرة الثقافية والتاريخية الراكدة عن وادي الباطن في الكتابة التاريخية حول أهميته في الماضي، وأملنا أن يكون هذا المقال طريقاً ومنطلقاً لكتابات أخرى عن بعض الأماكن في محافظة الحريق، شاكراً كل من تواصلت معهم مساهمين برواياتهم الشفهية.
المراجع:
1 - طريق حاج اليمامة عَبر وادي نعام والحَريق، د. عبد الله بن سعد الدريس، ط1 عام 1431هـ.
2 - الروايات الشفهية الأساتذة إبراهيم بن عبد الله المسعود، تركي بن محمد الهزاني، راشد عبد الرحمن الحجيل، سعد بن حسين الحوتان، عبد الله بن إبراهيم الحيدر، عبد الله بن زيد القويزاني، عبد الله بن سعد التويم، ناصر بن عبد الله العيد.
3 - صور من بعض معالم الباطن، تصوير الأستاذ، سلطان عبد العزيز الهويشل.
** **
محمد بن ناصر الجمعان - مدير متحف نفحات الماضي بحافظة الحريق