مبارك بن عوض الدوسري
أمضيت أكثر من أربعين عاماً في ساحات النشاط الطلابي، عايشت خلالها أجيالاً من الطلاب، ورأيت عن قرب كيف يمكن للنشاط أن يصنع شخصية الطالب، ويكتشف مواهبه، ويهذب سلوكه، ويمنحه فرصاً للتعلم لا توفرها قاعات الدرس وحدها؛ ومن هذا المنطلق، ومع ما يشهده النشاط الطلابي في وزارة التعليم من تطوير وتحديث، أرى أن هناك مجالاً مهماً يستحق أن يحظى بمزيد من العناية، يتمثل في تثقيف الطلاب بالذوق العام، والبروتوكول الاجتماعي، وآداب التعامل، وفنون الإتيكيت المستمدة من قيمنا الإسلامية وعاداتنا وتقاليدنا السعودية الأصيلة.
فالمدرسة اليوم لا تُعنى فقط بتزويد الطالب بالمعارف والمهارات الأكاديمية، وإنما تسهم في بناء إنسان متكامل يعرف كيف يتعامل مع الآخرين، وكيف يحترم المكان والزمان، وكيف يقدم نفسه ومجتمعه بالصورة التي تليق به؛ وإذا كانت العلوم الحديثة تهيئ الطالب للمنافسة في عالم مفتوح، فإن التربية السلوكية هي التي تمنحه القدرة على التعامل مع هذا العالم بثقة ووعي واتزان، دون أن يفقد هويته أو يتخلى عن قيم مجتمعه.
ولعل من أهم ما نحتاج إلى ترسيخه لدى أبنائنا آداب التحية والسلام واحترام الأكبر سناً، وهي قيم أصيلة في ديننا وثقافتنا، فقد جاء في الحديث الشريف: «يُسَلِّمُ الصغيرُ على الكبيرِ، والمارُّ على القاعدِ، والقليلُ على الكثيرِ»، وفي رواية: «يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير»؛ وهذه ليست مجرد عبارات تقال، وإنما سلوك اجتماعي يعكس الاحترام والتواضع وحسن التربية، ويصنع جسوراً من المودة بين أفراد المجتمع؛ ومن الجميل أن يتعلم الطالب منذ سنواته الأولى أن التحية ليست مرتبطة بالعمر أو المكانة فحسب، بل هي رسالة احترام ومودة، وأن إلقاء السلام والمبادرة به من أبسط صور حسن الخلق التي يمكن أن تجعل الحياة الاجتماعية أكثر دفئاً وإنسانية؛ كما أن المظهر العام يمثل جانباً آخر من جوانب التربية التي ينبغي ألا نغفل عنها، فتعليم الطالب متى وكيف يختار ملابسه، وما الذي يناسب المدرسة أو المسجد أو المناسبة الاجتماعية أو الفعاليات الرسمية، لا يعني فرض نمط واحد على الجميع، وإنما يعني تعليمه أن لكل مقام مقالاً، ولكل مناسبة ما يليق بها؛ ومن ذلك ما نراه أحياناً من ارتداء بعض الأبناء للمشالح في المناسبات، بينما لا يرتديها آباؤهم أو أعمامهم أو حتى أجدادهم، وهو أمر يمكن التعامل معه تربوياً من خلال تعريف الأبناء ببروتوكول اللباس في المناسبات، والاستفادة من الممارسات الرسمية والاجتماعية المتوارثة في مجتمعنا، ولنا في ولاة أمرنا -حفظهم الله- نماذج واضحة في معرفة ما يناسب كل مناسبة ومقام.
والذوق العام لا يتوقف عند الملابس، بل يمتد إلى الهيئة الشخصية وقصات الشعر والنظافة والعناية بالمظهر والمركبة والممتلكات العامة والخاصة؛ فالطالب الذي يتعلم أن نظافة مدرسته مسؤوليته، وأن المحافظة على المقعد والمرفق العام واجب، وأن الشارع والحديقة والمرفق الرياضي ملك للجميع، سيكون أكثر إدراكاً لمسؤوليته تجاه وطنه؛ ونحن بحاجة أيضاً إلى تعليم أبنائنا آداب الأماكن العامة؛ كيف يسيرون في الأسواق، وكيف يتحدثون دون رفع أصواتهم، وكيف يستخدمون الأجهزة الصوتية بطريقة لا تزعج الآخرين، وكيف يحترمون الطوابير ولا يتجاوزون من سبقهم، وكيف ينتظرون دورهم عند الدخول إلى المطاعم أو الصالات أو الخدمات المختلفة؛ فالوقوف في الصف ليس مجرد انتظار، وإنما درس عملي في احترام النظام والآخرين والعدالة الاجتماعية.
ومن المهم كذلك أن يتعلم الطالب آداب المائدة؛ من طريقة الجلوس، إلى التعامل مع الطعام، وعدم إصدار الأصوات المزعجة، وعدم الإسراف، والمحافظة على نظافة المكان، واحترام الآخرين أثناء تناول الطعام. وهي سلوكيات تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة تعكس مستوى التربية التي يحملها الإنسان معه أينما ذهب؛ ولأن المسجد جزء أصيل من حياة المجتمع السعودي، فإن آداب المسجد واحترام حرمته ينبغي أن تكون حاضرة في البرامج التربوية، فيتعلم الطالب الدخول بهدوء، والمحافظة على نظافته، ووضع حذائه في الأماكن المخصصة، وعدم تركه في مواضع تضايق الداخلين والخارجين، واحترام المصلين وعدم رفع الصوت أو العبث، فالمسجد مدرسة متكاملة في السلوك والانضباط قبل أن يكون مكاناً للصلاة.
ومن صور الذوق العام التي تحتاج إلى عناية أيضاً التعامل مع كبار السن والباعة والعاملين وموظفي الخدمات؛ فالاحترام لا ينبغي أن يرتبط بالمكانة الاجتماعية أو الوظيفة أو الجنسية، وإنما هو قيمة إنسانية وأخلاقية؛ ومن المهم أن يدرك الطالب أن كلمة «شكراً»، و»لو سمحت»، و»عفواً»، و»جزاك الله خيراً»، والابتسامة، وإفساح المجال لكبير السن، ومساعدة من يحتاج إلى المساعدة، ليست مظاهر شكلية، وإنما هي انعكاس لشخصية راقية تربت على احترام الإنسان؛ وحتى في مجال الرياضة، التي أصبحت جزءاً كبيراً من حياة الشباب، فإننا بحاجة إلى أن نعلم أبناءنا الفرق بين التشجيع والتعصب؛ فمن حق الطالب أن يشجع فريقه ويفرح بانتصاره، ولكن ليس من حقه أن يحول المنافسة الرياضية إلى إساءة أو سخرية أو خصومة اجتماعية، أو أن يجعل الحديث عن كرة القدم حاضراً في كل مجلس وكل نقاش وكل وسيلة؛ فالرياضة وسيلة للمتعة والتنافس الشريف، وليست سبباً للقطيعة أو الإساءة أو التعصب.
ومن المهم كذلك أن يتعلم الطالب أن النظافة سلوك وطني، وأن المحافظة على الممتلكات العامة ليست مهمة العامل أو البلدية وحدهما، وأن رمي المخلفات في غير أماكنها، أو العبث بالمرافق، أو تشويه الأماكن العامة، أو الكتابة على الجدران، كلها سلوكيات لا تتفق مع المواطنة الصالحة؛ كما أن المحافظة على نظافة المركبة ومظهرها، وعدم إزعاج الآخرين بها، واحترام أنظمة المرور، كلها امتداد طبيعي للذوق العام؛ وقد تبدو بعض التصرفات اليومية صغيرة في نظر البعض، كالتجشؤ في الأماكن العامة أو المطاعم بصورة لافتة، أو رفع الصوت، أو مقاطعة الآخرين أثناء حديثهم، أو الدخول في حديث خاص دون استئذان، أو تصوير الآخرين ونشر صورهم دون إذنهم، أو استخدام الهاتف أثناء حديث شخص آخر، لكنها في مجموعها ترسم صورة الإنسان أمام الآخرين، وتكشف مقدار ما يحمله من احترام لنفسه ولمن حوله.وهنا يأتي الدور المهم للنشاط الطلابي؛ لأنه المجال الأكثر قدرة على تحويل هذه المفاهيم من معلومات نظرية إلى ممارسة حقيقية؛ ويمكن أن تتحول هذه القيم إلى برامج ومسابقات ومشاهد تمثيلية ومحاكاة لمواقف الحياة اليومية، وورش تدريبية في البروتوكول الاجتماعي، وأيام للذوق العام، وبرامج للطالب السفير، ومبادرات بعنوان «سلوكي يعكس وطني»، بحيث يمارس الطالب السلوك الصحيح بدلاً من أن يسمع عنه فقط.كما يمكن للمدرسة أن تستثمر المناسبات والرحلات والزيارات والاحتفالات والمقصف المدرسي والمنافسات الرياضية لتدريب الطلاب عملياً على الانتظار، وتنظيم الدخول والخروج، وآداب الحوار، والتعامل مع الضيوف، وترتيب المكان، والمحافظة على الممتلكات، واحترام الكبير، وقبول الرأي الآخر؛ فالخبرة التي يعيشها الطالب ستبقى في ذاكرته أكثر من النصيحة التي يسمعها في محاضرة عابرة.
إن تعليم الذوق العام لا يعني صناعة جيل متشابه في كل شيء، ولا يعني التضييق على الطلاب أو مصادرة شخصياتهم، وإنما يعني منحهم بوصلة سلوكية تساعدهم على معرفة ما يناسب كل موقف، وكيف يعبرون عن أنفسهم بحرية دون أن تتحول حريتهم إلى إزعاج للآخرين أو تعدٍ على حقوقهم؛ ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى هذا النوع من التربية؛ لأن أبناءنا يعيشون في عالم مفتوح، ويتعاملون مع ثقافات متعددة، ويسافرون، ويشاركون في الفعاليات الدولية، ويستخدمون منصات التواصل الاجتماعي، ويمثلون وطنهم في المحافل المختلفة؛ ومن هنا فإن امتلاك الطالب للمعرفة وحدها لا يكفي؛ بل نحتاج إلى طالب مثقف، مهذب، واثق، يحسن الحوار، يحترم الآخر، يعرف قواعد التعامل، ويفتخر بهويته وقيم مجتمعه.
ولعل وزارة التعليم، وهي تعمل على تطوير منظومة النشاط الطلابي، تجد في ذلك فرصة لإطلاق برنامج وطني للذوق العام والبروتوكول الاجتماعي في المدارس، يتدرج في مراحله العمرية، ويشارك في إعداده مختصون في التربية والإعلام والبروتوكول وعلم الاجتماع، بحيث يقدم للطلاب بصورة عصرية جذابة، ويكون جزءاً من الممارسة اليومية للنشاط، لا مجرد مقرر أو محاضرة؛ فالمجتمع الراقي لا يُقاس فقط بما يملكه من مبانٍ ومشروعات وتقنيات، وإنما بما يظهر على أفراده من سلوك واحترام وانضباط. وإذا كانت المدرسة تبني عقل الطالب بالعلم، فإن عليها أيضاً أن تسهم في بناء سلوكه بالقيم والممارسة.وبعد أكثر من أربعة عقود في ساحات النشاط الطلابي، أؤمن أن أجمل ما يمكن أن نتركه في أبنائنا ليس فقط ما يحفظونه من معلومات، وإنما ما يكتسبونه من قيم وسلوكيات ترافقهم طوال حياتهم؛ فالشهادة قد تفتح للإنسان باباً، لكن حسن الخلق والذوق واحترام الآخرين هي التي تجعله جديراً بكل باب يطرقه، وتمثل وطنه بالصورة التي تليق به؛ وبالتالي نحن لا نريد جيلاً يعرف كيف يتحدث فقط، بل جيلاً يعرف متى يتحدث وكيف يتحدث، ولا نريد جيلاً يعرف كيف يصل إلى المكان، بل يعرف كيف يدخل إليه وكيف يغادره، ولا نريد جيلاً يطالب بحقه فقط، بل يعرف كيف يؤدي واجبه ويحترم حقوق الآخرين؛ وهذه في تقديري ليست تفاصيل هامشية في التربية، بل هي من صميم بناء الإنسان، ومن صميم بناء الوطن.