د. أحلام علي أحمد أبو قايد
يُعد الماء أساس الحياة، فهو نعمة عظيمة وهبة إلهية تقوم عليها حياة الإنسان والكائنات الحية كافة، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [سورة الأنبياء: آية 30] ومع تزايد التحديات البيئية، وارتفاع الطلب على المياه وتأثيرات التغيير المناخي، أصبحت المحافظة على الموارد المائية ضرورة وطنية وإنسانية، وذلك لأهمية هذا الموضوع وإدراك القيادة الرشيدة في المملكة العربية السعودية على ضرورة حماية الثروات المائية وكونها ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة بين الأفراد والمؤسسات والقطاعين الحكومي والخاص، لضمان استدامة هذا المورد الحيوي للأجيال القادمة تمت الموافقة في مجلس الوزراء يوم الثلاثاء بتاريخ 14 محرم 1448هـ الموافق 28 يوليو 2026م على تسمية عام 2027م بـ«عام الماء» وذلك بهدف تعزيز الأمن المائي، ورفع الوعي المجتمعي بقيمة المحافظة على الموارد المائية، وإبراز ريادة المملكة وإنجازاتها في الإدارة المستدامة للمياه وتطوير تقنياتها.
أهداف وأسباب التسمية
1 - إبراز أولوية ملف الأمن المائي ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030.
2 - التزامن مع استضافة مدينة الرياض للمنتدى العالمي الحادي عشر للمياه في الفترة من 14 إلى 20 شوال 1448هـ الموافق 22 إلى 28 مارس 2027م تحت شعار «العمل لغد أفضل» لتكون بذلك ثاني دولة عربية تستضيف هذا الحدث التاريخي عالميًا في قطاع المياه بعد مراكش التي استضافته عام 1418هـ/ 1997م.
3 - رفع الوعي بقيمة المياه وترشيد الاستهلاك وتحقيق الابتكار والاستثمار في هذا القطاع الحيوي.
4 - تسليط الضوء على دور المبادرات المحلية والعالمية مثل مبادرة تأسيس المنظمة العالمية للمياه في الرياض.
إنجازات المملكة في قطاع المياه والمحافظة على استدامتها
حقق قطاع المياه في المملكة العربية السعودية قفزات تاريخية لضمان الاستدامة المائية، حيث تتربع المملكة حاليًا على صدارة دول العالم في إنتاج المياه المحلاة بنسبة تتجاوز 20 في المائة من الإنتاج العالمي، مع خفض الاعتماد على المصادر غير المتجددة وفق مستهدفات رؤية المملكة 2030. لذلك يمكن إيجاز بعض تلك الإنجازات في النقاط التالية:
1 - خفض المنتج منها للأغراض الزراعية حماية للمياه الجوفية كونها مصادر غير متجددة من 21 مليار متر كعب إلى 11 مليار متر مكعب سنويًا.
2 - رفع القدرة الإنتاجية للمياه المحلاة إلى نحو 16 مليون متر مكعب يوميًا، مع تشغيل أضخم منظومات الإنتاج والنقل عالميًا.
3 - زيادة السعة التخزينية الإستراتيجية بنسبة تجاوزت 125 في المائة لتأمين الإمدادات في حالات الطوارئ لا قدر الله.
4 - تجاوز نسبة وصول خدمات مياه الشرب الأمنة والمطابقة للمواصفات للسكان إلى 100 في المائة ولله الحمد.
5 - خفض استهلاك الطاقة الكهربائية في محطات التحلية الحديثة إلى مستويات قياسية غير مسبوقة (أقل من 2,4 كليو واط ساعة لكل متر مكعب).
6 - إعادة تدوير المياه برفع معدل الاستفادة من المياه المتجددة والمعالجة للأغراض الزراعية والصناعية لتقليل الهدر المائي.
7 - إطلاق الإستراتيجية الوطنية للمياه 2030 وهي شاملة وتهدف إلى تحقيق إدارة مستدامة للموارد المائية، وتحسين كفاءة الاستخدام، وضمان توفير المياه بجودة عالية.
8 - التوسع في شبكات المياه والصرف الصحي، فقد شهدت مدن المملكة تنفيذ مشاريع ضخمة، لتوسيع شبكات المياه والصرف الصحي، بما يسهم في تحسين جودة الخدمات ورفع نسبة التغطية السكانية.
9 - إعادة استخدام المياه المعالجة في الري والصناعة، مما يقلل الاعتماد على المياه الجوفية، ويحافظ على الموارد الطبيعية.
10 - ترشيد استهلاك المياه بإطلاق برامج توعوية وتقنيات حديثة لرفع كفاءة استخدام المياه في المنازل والزراعة والصناعة، وإنشاء المركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه.
11 - تطوير الأنظمة والتشريعات، فقد أصدرت المملكة نظامًا شاملاً للمياه يعزز حوكمة القطاع، ويحافظ على الموارد المائية، وينظم استخدامها بما يحقق الاستدامة.
12 - استخدام التقنيات الحديثة بتوظيف التقنيات الذكية والرقمية لمراقبة الشبكات وتقليل الفاقد، وتحسين كفاءة التشغيل وإدارة الموارد المائية.
ويوضح الجدول التالي التحول الكبير الذي شهده القطاع المائي لتعزيز الأمن المائي المستدام.
المؤشر المائي ما قبل الرؤية 1437هـ - 2016م الوضع الحالي 1447-1448هـ 2026-2027م الأثر المحقق
سحب المياه الجوفية الزراعية 21 مليار م3/ سنويًا 11 مليار م3/ سنويًا توفير 10 مليارات م3 من الثروة الجوفية
القدرة الإنتاجية للتحلية 4,5 مليون م3/ يوميًا 16 مليون م3/ يوميًا زيادة القدرة الإنتاجية بنسبة تفوق 250 في المائة
نمو السعة التخزينية خط الأساس نمو بنسبة 125 في المائة تعزيز الأمن المائي الإستراتيجي للمدن
أما أهم تفاصيل ومحاور المنتدى العالمي الحادي عشر للمياه الذي سيعقد في الرياض بمشيئة الله فتتمثل في النقاط التالية:
1 - الأمن المائي: مناقشة سبل تأمين إمدادات مستدامة وموثوقة من المياه عالميًا.
2 - حوكمة المياه والدبلوماسية: تعزيز أطر الإدارة المشتركة للموارد المائية العابرة للحدود.
3 - تمويل قطاع المياه: فتح آفاق الاستثمار والتمويل للمشاريع المائية الحيوية للبنية التحتية.
4 - الابتكار من أجل المياه: استعراض أحدث الحلول والتقنيات لتطوير كفاءة المياه وتحليتها.
وهذه المحاور هي تجسيد حي لما توليه القيادة الرشيدة بقطاع المياه وتأكيد واقعي للمشاريع الإستراتيجية الكبرى التي تنفذها على أرض الواقع، إلى جانب توظيف أحدث التقنيات لرفع كفاءة إدارة الموارد المائية، ولدعم هذه الجهود الكبيرة، يبقى نجاحها مرتبطًا بوعي المجتمع وسلوك أفراده، فترشيد استهلاك المياه وتجنب الإسراف في استخدامه، وغرس هذه الممارسات في نفوس الأبناء هو واجب وطني لكل فرد في هذا الوطن المعطاء، فكل لتر من الماء يتم الحفاظ عليه اليوم يمثل استثمارًا في مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.وفي الختام يمثل عام الماء 2027م دعوة للجميع للعمل بروح المسؤولية والتعاون، فالمحافظة على المياه ليست خيارًا، بل واجب وطني وإنساني، ومن خلال تضافر جهود الجهات الحكومية والمجتمع والأفراد يمكن حماية ثرواتنا المائية وضمان استدامتها، بما يحقق مستقبلاً أكثر ازدهارًا وأمنًا مائيًا للوطن.
** **
أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر - بقسم التاريخ - كلية العلوم الاجتماعية، جامعة أم القرى