جانبي فروقة
قرأت مؤخراً خمسة كتب عن الذكاء الاصطناعي ولم تكن متشابهة في نبرتها ولا في أحكامها حيث جعلني أحدها أقلق والثاني أبهرني بقصة صعود تكاد تبدو مستحيلة، والثالث شكّك في ذلك الانبهار والرابع فتح نافذة للأمل، أما الخامس فترك في رأسي سؤالًا ظل يرافقني بعد أن أغلقت صفحته الأخيرة.
ومع الوقت أدركت أن هذه الكتب لا تحكي خمس حكايات منفصلة عن الذكاء الاصطناعي، بل ترسم حكاية واحدة عنا نحن فالآلة التي بنيناها لتجيب عن أسئلتنا وضعتنا أمام مرآة امتحان صعب تسألنا: من يملك القوة؟ ومن يملك الصبر؟ ومن يملك شجاعة قول الحقيقة؟ ومن يحصل على المنفعة؟ وهل نملك النضج اللازم لاستخدام ما صنعناه؟
تبدأ القصة في كتاب كارين هاو (Karen Hao) (إمبراطورية الذكاء الاصطناعي) ((Empire of AI، وهي صحفية أمضت سنوات داخل أروقة «أوبن إيه آي» « Open AI» تراقب كيف تتجمع الخيوط كلها (المال، والبيانات، والحوسبة، والطاقة، وحتى القرار) في قبضة واحدة وتصف كارين هاو مراكز بيانات تشرب كهرباء مدن كاملة (حيث ذكرت وكالة الطاقة الدولية أنه «لا ذكاء اصطناعي بلا طاقة» وتتوقع أن يتضاعف استهلاك مراكز البيانات للكهرباء إلى نحو 945 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030) وشركات قليلة تقرر نيابة عن ثمانية مليارات إنسان شكل المستقبل الذي سيعيشونه (وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن Alphabet وAmazon وMicrosoft تسيطر على أكثر من ثلثي سوق الخدمات السحابية العالمية) ورغم أنها لم تستخدم كلمة «إمبراطورية» في العنوان مجازًا حيث أن الإمبراطوريات عبر التاريخ لم تكن جيوشًا فقط بل كانت دائمًا احتكارًا لمورد نادر مثل التوابل أو الذهب ثم النفط والآن الذكاء نفسه والسؤال الذي تتركه كارين معلقًا في الهواء ليس تقنيًا أبدًا بل سياسي بامتياز وهو حين يصبح العقل سلعة من يملك المصنع؟ لكن الإمبراطوريات لا تُبنى في ليلة وهنا يأتي الكاتب ستيفن ويت (Stephen Witt) في كتابه «الآلة المفكرة» « The Thinking Machine « ليروي الفصل الذي لا يراه أحد فبطل كتابه ليس خوارزمية بل رجل بسترة جلدية اسمه جينسن هوانغ الذي ظل ثلاثين عامًا يثابر ويصبر ويراهن على شرائح إلكترونية صُممت أصلًا لألعاب الفيديو بينما كان العالم يسخر من الفكرة ثم استيقظنا ذات صباح لنكتشف أن ثورة الذكاء الاصطناعي كلها تقف على أكتاف تلك الشرائح وشركته (Nvidia إنفيديا) صارت الأعلى قيمة على وجه الأرض والدرس هنا يقلب تصورنا الشائع رأسًا على عقب فنحن نظن أن الثورات التقنية تولد في لحظة إلهام والحقيقة أنها تولد في عقود من الصبر داخل غرف صامتة والذكاء الاصطناعي صنعته رهانات طويلة على معدنٍ وسيليكون تصنع منها الرقاقات ومحطات طاقة وضعها أشخاص لم ينتظروا التصفيق وبينما نحن منبهرون بالإمبراطورية وصانعيها تدخل (Emily Bender) إميلي بندر وأليكس هانا (Alex Hanna) في كتابهما «خدعة الذكاء الاصطناعي» (The AI Con) لتسكبا ماءً باردًا على رؤوسنا فالكتاب لا ينكر التقنية بل يفكك اللغة التي تُباع بها كلمة «ذكاء» نفسها حيث تقولان أنها حيلة تسويقية تجعلنا ننسب إلى الآلة فهمًا لا تملكه وتخي خلفها جيوشًا من العمال البشر الذين ينظفون البيانات ويصححون الأخطاء بأجور زهيدة في بلدان بعيدة وتطرحان سؤالاً هل هذه الثورة التكنولوجية لها قدرات حقيقية أم جلها ضجيج؟ وهذا السؤال ليس ترفاً فكرياً بل إنه فحص دم ضروري لكل من يستثمر أو يشرّع أو يعلّم فالمبالغة في قدرات الآلة ليست خطأً بريئًا بل هي أحيانًا الطريقة الأنجح لتمرير قرارات ما كان أحد ليقبلها لو سُميت الأشياء بمسمياتها.
وهنا يصبح الصدق شرطًا للحكم الرشيد فقبل أن نستثمر أو نشرّع أو نستبدل موظفًا بآلة يجب أن نسأل ما الذي يفعله النظام فعلًا ومن يعمل خلف الستار ومن يتحمل الخطأ عندما تفشل الواجهة اللامعة. وحتى هذه اللحظة تبدو القصة قاتمة فيها إمبراطورية (قوة مركزة وبنية ضخمة) تتضخم وضجيج يعلو بلغة تسويقية تبيع الوهم، لكن جوش تايرانجيل (Josh Tyrangiel) في كتابه «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير» (AI for Good) يفتح نافذة كنا بحاجة إليها ويترك المؤلف عمدًا عواصم المال وأحاديث نهاية العالم ويركز على التطبيقات المذهلة لاستخدام الذكاء الاصطناعي كأداة حيث تتعاظم القيمة عندما يقوي النظام حكم الإنسان بدل أن يلغي دوره ويحل محله ففي عيادة تستخدم الذكاء الاصطناعي سيقضي الطبيب وقتًا أطول مع مريضه بدل شاشته والموظف الحكومي سيختصر معاملة كانت تستغرق شهورًا والمعلمة صار بوسعها أن تعدّ لكل تلميذ درسًا على مقاسه.
وتقول اليونسكو إن «المعلمين لا يمكن تحويلهم إلى شيفرة» لأن التعاطف والإبداع والحكم الأخلاقي والعلاقة الإنسانية ليست وظائف يمكن حذفها فالآلة التي تجعل الطبيب طبيبًا أفضل أثمن ألف مرة من آلة تدّعي أنها الطبيب.
ثم يأتي الكتاب الخامس ليرفع الكاميرا بعيدًا عن الشركات والتطبيقات اليومية وينظر إلى الموجة التقنية بأكملها في كتاب «الموجة القادمة: التكنولوجيا والقوة وأكبر معضلة في القرن الحادي والعشرين (The Coming Wave: Technology, Power, and the Twenty-first Century’s Greatest Dilemma (يطرح مصطفى سليمان (Mustafa Suleyman) بالاشتراك مع مايكل بهاسكار (Michael Bhaskar) سؤالًا يتجاوز قدرات الذكاء الاصطناعي إلى قدرتنا نحن على السيطرة عليه فالمشكلة كما يراها المؤلفان ليست في أن التكنولوجيا تتطور بسرعة فحسب بل في أنها تنتشر أيضًا وتصبح أرخص وأسهل استخدامًا بينما تتحرك القوانين والمؤسسات والمجتمعات بوتيرة أبطأ بكثير وهذا ما يسميه سليمان «معضلة الاحتواء» فالسؤال الكبير كيف نستفيد من قوة الذكاء الاصطناعي من دون أن نفقد القدرة على توجيهه أو الحد من مخاطره؟ وهو لا يقصد بالاحتواء إيقاف الابتكار بل بناء شبكة مترابطة من القواعد التقنية والقانونية والسياسية والاجتماعية التي تُبقي التكنولوجيا تحت سيطرة المجتمع وهذا هو اختبار النضج الحقيقي لأن التاريخ يبين أن قدرتنا على الاختراع كانت في كثير من الأحيان أسرع من قدرتنا على إدارة نتائج اختراعاتنا فالإنسان صنع الأسلحة النووية لكنه لم يتخلص من الحروب وربط العالم بشبكات التواصل لكنه لم يتعلم بعد كيف يحمي الحقيقة من التضليل والانقسام واليوم نضع في أيدي الأفراد والشركات والدول أدوات تستطيع إنتاج المعرفة والصور والقرارات والبرمجيات على نطاق غير مسبوق بينما لا تزال قواعد استخدامها ومسؤولياتها وحدودها قيد التشكّل ولهذا اعتمدت 193 دولة في منظمة اليونسكو توصية عالمية لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي تقوم على احترام الكرامة الإنسانية والشفافية والعدالة والاستدامة والإشراف البشري ووجود هذه المبادئ لا يعني أننا نجحنا في الامتحان لكنه اعتراف عالمي بأن التقدم التقني لا يصبح تقدمًا إنسانيًا إلا عندما ترافقه القدرة على الحكم والمسؤولية والاحتواء.
عند هذه النقطة اكتملت الصورة أمامي فالكتب الخمسة ليست خمس إجابات بل خمس أوراق في امتحان واحد حيث أن كارين هاو تسألنا إن كنا سنسمح باحتكار الموارد التي تصنع العقل الرقمي وستيفن ويت يسأل إن كنا قادرين على بناء المستقبل بصبر بدل مطاردة العناوين وة أليكس وإيميلي تسألان إن كنا سنسمّي التقنية باسم وظيفتها الحقيقية لا باسم الأسطورة التي نريد بيعها وتايرانجيل يسأل لمن ستذهب المنفعة هل ستذهب إلى من يحتاجها فعلًا أم فقط إلى من يستطيع أن يدفع ثمناً أكبر؟ ثم يجمع مصطفى ومايكل الأسئلة كلها في سؤال النضج وهو هل مؤسساتنا وأخلاقنا أبطأ من آلاتنا إلى درجة تجعل القوة الجديدة تسبق قدرتنا على حكمها؟ والمفارقة أن أيًا من هذه الأسئلة لا تستطيع الآلة أن تجيب عنه نيابة عنا فالرقائق ستصبح أسرع وأقوى والنماذج أكثر قدرة والتطبيقات ستدخل تفاصيل أكثر من حياتنا لكن لا توجد معادلة تضمن أن تصبح قوانيننا أعدل أو شركاتنا أكثر تواضعًا أو مجتمعاتنا أكثر استعدادًا لتوزيع المنفعة والذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة صنعناها لنرى كم يمكن للحاسوب أن يتعلم بل مرآة ضخمة تكشف ما نختار نحن أن نفعله بالقوة والمعرفة ولذلك يعتقد العالم أنه سيمتحن الآلة ليعرف كم أصبحت ذكية فإذا بالآلة تمتحننا لتعرف كم بقينا بشرًا.
** **
- كاتب أمريكي