د.عيد بن حجيج الفايدي
صناعة المحتوى عملية جمع وتطوير ونشر مواد إعلامية أو معرفية أو ترفيهية تهدف إلى إيصال فكرة أو معلومة أو تجربة إلى جمهور عبر منصات متعددة تشمل المواقع الإلكترونية والصحف والمدونات ويوتيوب ووسائل التواصل والمنصات التعليمية والتطبيقات الرقمية، وهي لا تقتصر على الكتابة وحدها بل تمتد إلى مراحل مترابطة تبدأ بتحديد الفكرة والهدف ومعرفة الرسالة والجمهور المستهدف وطبيعة الهدف إن كان تعليميًا أو إعلاميًا أو تسويقيًا أو ترفيهيًا أو شخصيًا، ثم البحث وجمع المعلومات بالتحقق من المصادر وتحليل البيانات وإضافة قيمة جديدة بدل تكرار الموجود، ثم الإنتاج الذي يشمل كتابة المقالات والتقارير وإعداد الفيديوهات والبودكاست وتصميم الصور وإنتاج الدورات التعليمية، ثم تحسين العرض باختيار العنوان الجذاب وتنظيم الأفكار واستخدام لغة تناسب المستفيد ومراعاة محركات البحث ومتطلبات المنصات، ثم النشر والتوزيع باختيار القناة المناسبة وإدارة التفاعل وقياس النتائج من مشاهدات وانتشار، وأخيرًا التطوير المستمر بمتابعة اهتمامات الجمهور والاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي وتحسين الأسلوب والجودة. وفي العصر الحالي اتسع المفهوم حتى صار صانع المحتوى يبني ثقة وتأثيرًا وهوية رقمية لا يبيع معلومة فحسب، غير أن ليس كل محتوى يُعد صناعة حقيقية إذا خالف القيم أو النظام العام، إذ يرفض المواطن الصالح مثل هذا المحتوى، وقد باتت المؤسسات والجامعات والشركات تنظر إليه كأصل إستراتيجي في التعليم والتسويق وبناء السمعة واستقطاب الجمهور، ومن أمثلته الأستاذ الجامعي الذي يحول أبحاثه إلى مقالات وفيديوهات تعليمية، والشركة التي تحول خبراتها إلى أدلة وتقارير ودروس رقمية، والصحيفة التي تطور محتواها من الأخبار إلى التحليل والبيانات والوسائط المتعددة، والخبير الذي يقدم تجاربه عبر بودكاست أو منصة معرفية، ومن هنا يتحدد مفهوم صناعة المحتوى بتحويل المعرفة أو الفكرة أو الخبرة إلى مادة مفيدة وإيجابية وجذابة وغير مخالفة عبر القنوات الرقمية.
والمؤثر في اللغة من ترك أثرًا إيجابيا واضحًا في الآخرين فغيّر سلوكهم أو تفكيرهم أو توجهاتهم، أما في الاصطلاح فهو من يمتلك القدرة على التأثير في الجمهور وآرائهم وسلوكياتهم من خلال المحتوى الذي ينشره أو من خلال موقعه الاجتماعي أو المهني أو الفكري، غير أن العصر الرقمي فتح المجال للمؤشر الأشهر لتحديد المؤثر هو من يتابعه مليون متابع، وهذا المعيار غير صحيح من عدة جوانب لأنه كمي يقيس العدد لا الجودة، وسطحي يتجاهل العمق الفكري والتأثير الحقيقي، ومنصّاتي يقتصر على وسائل التواصل، ومُحابٍ يفضل الظهور الإعلامي على التأثير الفعلي، ومن شواهد خطئه العلماء والمفكرون الذين أثروا في الملايين عبر مؤلفاتهم وامتد تأثيرهم عبر القرون دون حساب تواصل اجتماعي أو إعجاب واحد، والملوك والأمراء ورجال الدولة والقادة العسكريون الذين يؤثرون في مصير الأمم بأوامرهم وقد لا يملكون حسابًا عامًا، ورجال الأعمال والصناعة مثل مؤسسي مايكروسوفت وآبل وغيرهم الذين غيروا حياة مليارات البشر دون أن يكونوا ترندًا، والأب والمربي الذي ينشئ جيلًا متعلمًا أخلاقيًا وهو مؤثر حقيقي لا يُحصى متابعوه، ومن ثم يتضح أن كثيرًا من الرجال المؤثرين لا يملكون حسابات في التواصل الاجتماعي.
وفي السابق كانت المرأة تشتكي من أن المجتمع لا يسمح لها بالتمكين وأنها مهضومة الحقوق، وكانت هذه الشكوى مقبولة في سياقها الزمني حين كانت تطالب بمساحة للتعبير والظهور والمجتمع يقيّد حضورها في الفضاء العام، ومع مرور الزمن تحولت المطالبة بالحق إلى هيمنة على المشهد فأصبحت المرأة الأكثر حضورًا في المنتديات والمنصات الرقمية وصناعة المحتوى نسائية في الظاهر الرقمي، بينما صمت الرجل وكثير من المؤثرين الحقيقيين من الرجال لا يملكون حسابات تواصل، فهم موجودون في المختبرات والعلماء، وفي الميادين والقادة العسكريين، وفي المؤسسات ورجال الأعمال والاقتصاد، وفي البيوت والآباء والمربين، وفي المساجد والجامعات والمفكرين والعلماء. وإذا كان المجتمع قد فتح المجال للمرأة ومنحها المساحة التي طالبت بها، فلماذا لا يحق للرجل أن يعبر عن شعوره بالتهميش أو الاختفاء أو فقدان المساحة التي كان يشغلها؟ ولماذا يُنظر إلى تعبير الرجل عن مشاعره على أنه ضعف أو شكوى لا مبرر لها، بينما يُعتبر تعبير المرأة عن مشاعرها حقًا مشروعًا وضرورة اجتماعية؟ فالمفارقة أن المرأة حين تشتكي تُسمع وتُؤيد وتُدعم، والرجل حين يشعر يُوصم بالضعف أو الشكوى الباطلة. وفي ظل هذا التحول يصبح من الضروري أن تعالج الجامعات والمؤسسات الأكاديمية هذا الموضوع بموضوعية، فهل يحق للرجل أن يطالب بتأسيس جمعية لحقوق الرجل على نسق جمعية حقوق الطفل؟ على ألا يُفسر ذلك بدعوة لإلغاء حقوق المرأة أو التقليل منها، بل هو دعوة لإعادة التوازن، والتعبير عن المشاعر دون وصم بالضعف، والحق في المساحة الرقمية دون أن يُعتبر وجوده تعديًا على حقوق الآخرين، والحق في الشعور بالظلم عندما يُحجب صوته لصالح صوت آخر، والحق في المساواة الحقيقية لا المساواة المحاباة، فالحقوق ليست صفرية ومنح المرأة حقوقها لا يعني سحب حقوق الرجل، وليست حكرًا على جنس دون آخر، والحق في المواطنة للجميع.