صبحي شبانة
ماذا لو استيقظ العالم ذات صباح على خبر اندلاع حرب عالمية ثالثة؟ لن تكون المفاجأة أن الحرب بدأت، بل إن الجميع لم يدرك أنها كانت قد بدأت منذ سنوات، ولكن بأسماء مختلفة، وجبهات متفرقة، وخرائط متباعدة، ففي زمننا هذا لم تعد الحروب ترتدي الزي التقليدي الذي عرفه العالم في الحربين العالميتين، ولم تعد البيانات الرسمية تعلن ساعة الصفر، ولم تعد الدبابات والمجنزرات تعبر الحدود في مشهد واحد يختصر الصراع.
بالتأكيد لقد تغير شكل الحرب، لكن جوهرها بقي كما هو، صراع على القوة، والنفوذ، والموارد، ومستقبل النظام الدولي، وربما لهذا السبب يعيش العالم اليوم حالة تبدو أقرب إلى حرب عالمية بلا إعلان رسمي، وبلا جبهة واحدة، وبلا معركة فاصلة، لكنها حرب تتوزع شظاياها على أكثر من قارة، وتتداخل فيها الجبهات حتى بات الفصل بينها أمراً بالغ الصعوبة.
يكفي أن نتأمل خريطة العالم لنكتشف أن الكرة الأرضية لم تعرف منذ نهاية الحرب العالمية الثانية هذا القدر من الغليان والفوران الإستراتيجي الذي يطوق القارات في وقت واحد، حرب روسية - أوكرانية دخلت عامها الخامس وغيرت معادلات الأمن الأوروبي، وحرب إسرائيل في غزة التي أعادت تشكيل التوازنات في منطقة الشرق الأوسط، والتوتر المستمر على الجبهة اللبنانية، والصراع الذي امتد إلى إيران، والحرب في السودان، والأزمة اليمنية، والاضطرابات في العراق، والنزاعات المسلحة في مالي والكونغو الديمقراطية وميانمار، والتوتر المزمن بين الهند وباكستان، والاحتكاكات بين باكستان وأفغانستان، والأزمة الليبية، والتوتر في القرن الإفريقي، والصراع المتصاعد حول تايوان، كلها تبدو في ظاهرها حروباً منفصلة، لكنها في الحقيقة تتحرك داخل لوحة واحدة عنوانها إعادة رسم خرائط القوة والنفوذ الجيوستراتيجي في العالم.
العالم لم يعد منقسماً كما كان أيام الحرب الباردة إلى معسكرين واضحين، لكنه أصبح أكثر تعقيداً، القوى الكبرى لم تعد تواجه بعضها بعضاً بصورة مباشرة، بل تخوض صراعاتها عبر وكلاء، أو عبر العقوبات الاقتصادية، أو من خلال التكنولوجيا، أو باستخدام الفضاء السيبراني، أو عبر التحكم في الطاقة وسلاسل الإمداد والممرات البحرية، ولهذا فإن قراءة أي حرب بمعزل عن الأخرى أصبحت قراءة ناقصة، لأن كل جبهة باتت تؤثر في الأخرى، وكل أزمة تترك بصمتها على الاقتصاد العالمي وأسواق المال والطاقة والغذاء، ولعل أخطر ما يميز المشهد الراهن أن المسافات التي كانت تفصل بين النزاعات بدأت تتآكل، فعندما تتداخل مصالح القوى الكبرى في أكثر من ساحة، يصبح احتمال انتقال التوتر من إقليم إلى آخر أكثر واقعية من أي وقت مضى، وما يثير القلق ليس مجرد اتساع رقعة الاشتباكات، وإنما احتمال أن تتداخل المسارح المختلفة وتندمج في مسرح صراع واحد، فتتحول حرب إقليمية إلى مواجهة دولية واسعة، بحيث تتحول حرب إقليمية إلى مواجهة أوسع نتيجة خطأ في الحسابات أو سوء تقدير أو حادث لم يكن أحد يريده، فالتاريخ يعلمنا أن كثيرًا من الحروب الكبرى لم تبدأ بقرار مدروس، وإنما بدأت بردود فعل متعاقبة، سرعان ما تحولت إلى تفاعل إستراتيجي خرج عن السيطرة.
ومع ذلك، فإن القفز إلى استنتاج أن الحرب العالمية الثالثة قد اندلعت بالفعل يحتاج إلى قدر من التروي، فالحروب العالمية وفق معناها التاريخي كانت تعني مواجهة عسكرية مباشرة بين القوى العظمى، وتعبئة شاملة للاقتصادات والجيوش، وانقسام معظم دول العالم إلى تحالفات متقابلة ومتضادة، أما اليوم، فما زالت الولايات المتحدة وروسيا والصين تدرك أن الصدام المباشر بينها قد يقود إلى كارثة لا يمكن احتواؤها، خصوصاً في ظل وجود الترسانات النووية التي تجعل أي مواجهة كبرى تهديداً لبقاء البشرية نفسها، لا لمصير دولة بعينها، لقد فرض الردع النووي معادلة جديدة، لم يعد الهدف فيها هزيمة الخصم بقدر ما أصبح الهدف استنزافه وإضعافه من دون الوصول إلى نقطة الانفجار الشامل، ولهذا نرى أن الصراعات تتوسع، لكنها تتوقف غالباً عند الخط الأحمر الذي يمنع انتقالها إلى مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى، إنها سياسة المشي على حافة الهاوية، اقتراب دائم من الانفجار، مع حرص دائم على عدم السقوط فيه، ويضاف إلى ذلك عامل آخر لا يقل أهمية، وهو أن العالم لم يعد ذلك العالم الذي كان قائماً عامي 1914 أو 1939، فاليوم ترتبط الاقتصادات ببعضها على نحو غير مسبوق، وتعتمد الصناعات على سلاسل إمداد عابرة للقارات، وتنتقل رؤوس الأموال في ثوانٍ، وتقوم رفاهية الدول المتقدمة على استقرار التجارة العالمية، ولذلك فإن أي حرب شاملة لن تدمر الجيوش وحدها، بل ستهدد النظام الاقتصادي العالمي بأسره، وستقوض المنجزات العلمية والتكنولوجية التي حققتها الإنسانية خلال العقود الأخيرة.
لقد أنفقت البشرية تريليونات الدولارات لتطوير الذكاء الاصطناعي، واستكشاف الفضاء، وعلاج الأمراض المستعصية، وبناء اقتصاد المعرفة، فهل يعقل أن تضحي بكل ذلك في مواجهة قد لا يخرج منها أحد منتصراً؟، وهل يمكن لعالم يعيش ثورة علمية غير مسبوقة أن يعود طوعاً إلى منطق الدمار الشامل الذي ساد في القرن الماضي؟، رغم أن المنطق يقودنا إلى الإجابة بالنفي، فإن التاريخ لا يسير دائمًا وفق قوانين العقل، بل كثيرًا ما تحركه حسابات القوة، وأخطاء التقدير، وانفعالات اللحظة، فكم من حرب رفضها الجميع قبل أن تقع، وكم من أزمة ظن العالم أنها قابلة للاحتواء قبل أن تتحول إلى مأساة كبرى، ولذلك فإن مصدر الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود نية معلنة لإشعال حرب عالمية، وإنما في كثرة الجبهات المفتوحة، وتشابك المصالح، وسرعة التصعيد، واحتمالات الخطأ البشري التي قد تدفع الجميع، من دون قصد، إلى نقطة اللاعودة.
ربما لا يكون العالم قد دخل الحرب العالمية الثالثة بالمعنى الذي عرفه المؤرخون، لكنه بلا شك دخل مرحلة تاريخية جديدة يمكن وصفها بأنها عصر الحروب المتداخلة، حروب تتعدد ساحاتها، وتختلف أدواتها، لكنها تتغذى من منبع واحد هو الصراع على قيادة العالم، وصياغة ملامح النظام الدولي القادم، لم تعد المعارك تقتصر على ميادين القتال، بل امتدت إلى الموانئ والممرات البحرية، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وشبكات الاتصالات، والفضاء السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد، والإعلام، حتى أصبح العالم بأسره ساحة مفتوحة لصراع لا تعترف حدوده بالجغرافيا.
وإذا كان القرن العشرون قد شهد حربين عالميتين أعادتا رسم الخرائط السياسية، فإن القرن الحادي والعشرين قد يشهد حربًا من نوع مختلف، حربًا لا تبدأ في يوم واحد، ولا تنتهي بتوقيع معاهدة واحدة، بل تتسع تدريجيًا كلما تشابكت المصالح، وازدادت المنافسة على النفوذ، وارتفعت تكلفة التراجع بالنسبة للقوى الكبرى، وهذا تحديدًا ما يجعل اللحظة الراهنة شديدة الحساسية، فليس الخطر في أن ينجرف العالم إلى حرب عالمية، بل في أن تقوده كثرة الأزمات وتشابك المصالح إليها على نحوٍ تدريجي، حتى يتحول خطأ في الحسابات، أو سوء تقدير، أو حادث محدود، إلى تفاعلٍ استراتيجي متسارع لا يملك أحد القدرة على احتوائه.
لقد نجحت الإنسانية، خلال عقود قليلة، في تحقيق ما عجزت عنه قروناً طويلة؛ ففتحت آفاق الفضاء، وأطلقت ثورة الذكاء الاصطناعي، وحققت إنجازات غير مسبوقة في الطب والاتصالات والطاقة والمعرفة، حتى أصبحت أكثر قدرة من أي وقت مضى على إعادة تشكيل مستقبل الإنسان والارتقاء بجودة حياته، والمفارقة المؤلمة أن الإنسان الذي استطاع أن يطيل عمره، ويختصر المسافات، ويجعل العالم قرية واحدة، ما زال عاجزًا عن التخلص من أقدم غرائزه، الصراع على الهيمنة، إن الحضارات لا تُقاس فقط بما تبنيه من مدن، ولا بما تنتجه من تقنيات، بل بقدرتها على تجنب الحروب التي تهدم كل ما بنته، والتاريخ لا يخلّد الأمم التي انتصرت في المعارك بقدر ما يخلّد الأمم التي نجحت في تجنبها عندما كان بإمكانها أن تقع، ولهذا فإن أعظم انتصار يمكن أن تحققه القوى الكبرى اليوم ليس هزيمة خصومها، بل هزيمة وهم أن الأمن يمكن أن يُبنى على أنقاض الآخرين، أو أن الاستقرار يولد من رحم الفوضى، أو أن عالمًا يملك آلاف الرؤوس النووية يستطيع أن يربح حربًا شاملة، ففي زمن الاعتماد المتبادل والتشابك العالمي غير المسبوق، لم يعد انهيار دولة شأنًا محليًا، ولم تعد نار الحرب تقف عند حدود من أشعلها، بل أصبحت تمتد عبر القارات، وتحمل معها الاقتصاد والغذاء والطاقة والاستقرار إلى دائرة الخطر.
يبقى السؤال الذي سيحكم العقود المقبلة: هل تتعلم البشرية من ذاكرة التاريخ قبل أن تضطر إلى تكرار أخطائها؟، وهل تنتصر حكمة السياسة على غواية القوة؟ أم أن العالم سيظل يقترب، خطوة بعد أخرى، من حافة الهاوية، إلى أن يكتشف متأخرًا أن الحروب، مهما اختلفت أسماؤها وأدواتها، لا تترك في نهايتها منتصرين حقيقيين، بل تترك عالمًا أفقر أمنًا، وأكثر خوفًا، وأقل إنسانية.