عمرو أبوالعطا
يثير السؤال حول ما إذا كان الحوثيون يريدون خراب المنطقة نقاشًا سياسيًا يتجاوز حدود اليمن، لأن الإجابة لا ترتبط بالشعارات التي ترفعها الجماعة بقدر ارتباطها بالنتائج التي صنعتها سياساتها خلال السنوات الماضية. فالقيادة الحوثية تقدم نفسها باعتبارها حركة مقاومة تدافع عن اليمن، وتعلن أن عملياتها العسكرية تستهدف إسرائيل دعمًا للفلسطينيين، وتصف مواجهتها مع السعودية بأنها رد على سنوات الحرب والتدخل الخارجي. غير أن قراءة المشهد من زاوية الوقائع لا الادعاءات الكاذبة تقود إلى نتيجة مختلفة؛ فالمعيار الحقيقي لأي قوة سياسية أو عسكرية يتمثل في أثر أفعالها على الأرض، لا في طبيعة خطابها. ومنذ سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014 تحول الصراع اليمني من أزمة داخلية إلى قضية إقليمية ودولية، ثم امتدت تداعياته إلى التجارة العالمية وأمن الطاقة وحركة الملاحة البحرية، لتصبح اليمن إحدى أكثر بؤر التوتر تأثيرًا سلبياً في الاقتصاد العالمي.
شهد صيف عام 2026 مرحلة جديدة من التصعيد مع تزامن الحرب في غزة، والتوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، واضطراب الملاحة في مضيق هرمز. وفي الثامن من يونيو أعلن الحوثيون حظر الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، ثم وسعوا دائرة التهديد خلال يوليو لتشمل السفن المرتبطة بالسعودية، قبل أن تشهد الجبهات الداخلية في السادس من أغسطس هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت معسكرات حكومية في مأرب وحضرموت، وأسفرت، وفق مصادر حكومية، عن سقوط عشرات القتلى والجرحى. هذه التطورات عكست انتقال الجماعة إلى استخدام أدوات ضغط تمتد من الجبهات العسكرية داخل اليمن إلى واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وهو ما منح الصراع اليمني أبعادًا تتجاوز حدوده الجغرافية.
بدأت الحركة الحوثية داخل محافظة صعدة في شمال اليمن متأثرة بعوامل دينية وسياسية واجتماعية، ثم تحولت تدريجيًا إلى تنظيم مسلح يمتلك مشروعًا للسيطرة على الدولة. ومع دخول صنعاء في سبتمبر 2014 تغيرت خريطة اليمن بالكامل، إذ انهارت مؤسسات الدولة، واندلعت الحرب الأهلية، ثم تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية في مارس 2015 دعمًا للحكومة المعترف بها دوليًا. ومنذ تلك اللحظة أصبحت الجماعة لاعبًا إقليميًا يمتلك بدعم من إيران صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة وقدرات بحرية مكنته من استهداف منشآت وسفن وأهداف تبعد مئات الكيلومترات عن ميدان القتال التقليدي.
وعلى الرغم من الهدنة التي بدأت عام 2022، فإنها جمدت خطوط المواجهة أكثر مما أنهت أسباب الحرب، فاستمرت سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء ومعظم شمال غرب اليمن، واستمر الانقسام السياسي والعسكري، مع احتفاظ كل طرف بقواته واستعداده لاستئناف القتال عند تغير موازين القوى. وفي الوقت نفسه انتقل جزء كبير من الصراع إلى البحر الأحمر، فتحولت الملاحة الدولية إلى ورقة ضغط سياسية وعسكرية تستخدمها الجماعة لتحقيق أهداف تتجاوز الساحة اليمنية إلى ما يخدم إيران.
يستند الحوثيون في تبرير عملياتهم البحرية في تبرير كاذب إلى دعم الفلسطينيين والضغط على إسرائيل، إلا أن نتائج هذه العمليات تجاوزت هذا الإطار. فقد تعرضت سفن لا تثبت صلتها المباشرة بالحرب لهجمات أو تهديدات، ما دفع شركات الشحن العالمية إلى تغيير مساراتها بعيدًا عن باب المندب والبحر الأحمر، واختيار الطريق الأطول حول رأس الرجاء الصالح. ولم يقتصر أثر هذا التحول على زيادة زمن الرحلات البحرية، بل امتد إلى ارتفاع تكاليف الوقود والتأمين والنقل، ثم انتقال تلك الزيادات إلى أسعار السلع والطاقة في الأسواق العالمية.
تكمن خطورة باب المندب في موقعه الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وهو شريان رئيس للتجارة الدولية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من حركة الحاويات وإمدادات الطاقة. ولهذا فإن أي تهديد للملاحة داخله ينعكس سريعًا على الاقتصاد العالمي، حتى إذا كان عدد الهجمات محدودًا، لأن شركات النقل تعتمد على تقييم مستوى المخاطر أكثر من اعتمادها على عدد العمليات المنفذة. وقد أظهرت بيانات الملاحة الدولية تراجعًا كبيرًا في أعداد السفن العابرة مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الأزمة، وهو ما يعكس حجم القلق الذي أصاب قطاع النقل البحري.
التصعيد البحري ترافق مع توسع دائرة المواجهة الإقليمية. ففي يونيو 2026 أعلنت الجماعة حظر الملاحة الإسرائيلية، ثم انتقلت خلال يوليو إلى تهديد السفن المرتبطة بالسعودية، وتحدثت تقارير عن استهداف ناقلات نفط ومنشآت للطاقة. وحتى مع نفي الحوثيين نيتهم فرض رسوم على السفن التجارية، بقي جوهر الأزمة قائمًا، لأن جماعة مسلحة أصبحت قادرة على التأثير في حركة واحد من أهم الممرات البحرية العالمية بعمليات إرهابية، وهو تطور دفع دولًا عديدة إلى تعزيز وجودها العسكري في البحر الأحمر لحماية الملاحة الدولية.
كما انعكس هذا التصعيد على العلاقات الإقليمية، فالسعودية تنظر إلى أمن البحر الأحمر وباب المندب باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها الاقتصادي، خاصة مع استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز، بينما يرى الحوثيون وهي ميليشيات مصنفة على أنها إرهابية أن الضغط على الملاحة يمنحهم ورقة تفاوض مؤثرة في مواجهة خصومهم. وهكذا أصبح البحر الأحمر ساحة صراع تتداخل فيها الحسابات اليمنية مع المصالح الخليجية والإيرانية والدولية، وهو ما يزيد تعقيد الأزمة ويجعل فرص التسوية أكثر صعوبة.
داخل اليمن تبدو آثار الحرب أكثر قسوة من أي صراع إقليمي. فالهدنة التي بدأت عام 2022 منحت البلاد فترة من الهدوء النسبي، وفتحت بابًا أمام جهود الوساطة، إلا أن غياب اتفاق سياسي شامل أبقى جذور الأزمة قائمة. ومع تجدد هجمات الحوثيين على المعسكرات الحكومية واستهداف المطارات والمنشآت الاقتصادية والسفن التجارية، عاد خطر الانزلاق إلى حرب واسعة، وهو ما يهدد بنسف ما تحقق من تهدئة خلال الأعوام الماضية. كما أعلنت السعودية واليمن وعدد من الدول الإقليمية والدول الساحلية في نهاية يوليو 2026 تأسيس تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، في خطوة تعكس حجم القلق الدولي من استمرار الهجمات البحرية، كما تؤكد أن استخدام الممرات المائية وسيلة للضغط السياسي يدفع تدريجيًا نحو عسكرة المنطقة وتحويلها إلى ساحة تنافس بين قوى إقليمية ودولية.
وتحمل الأزمة الإنسانية الوجه الأكثر مأساوية للحرب. فالأمم المتحدة تقدر أن أكثر من اثنين وعشرين مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، ويعاني نحو ثمانية عشر مليونًا انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، بينما يواجه أكثر من مليوني طفل سوء تغذية حادًا. وتحتاج خطة الاستجابة الإنسانية إلى مليارات الدولارات، في وقت ما يزال التمويل بعيدًا عن المستوى المطلوب، الأمر الذي يحد من قدرة المنظمات الدولية على الوصول إلى ملايين المحتاجين. هذه الكارثة جاءت نتيجة سنوات طويلة من الحرب والانقسام الاقتصادي وتراجع مؤسسات الدولة والانتهاكات التي ارتكبتها المليشيات الحوثية، مع مسؤولية مباشرة تقع على عاتقها في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
وتشير تقارير أممية إلى احتجاز الحوثيين موظفين تابعين للأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة، إضافة إلى قيود تعرقل حركة العاملين في المجال الإنساني ووصول المساعدات إلى المحتاجين. كما اضطر برنامج الأغذية العالمي إلى إنهاء عملياته في أجزاء من شمال اليمن التي يسيطر عليه الحوثيون نتيجة المخاطر الأمنية ونقص التمويل، وهو تطور يضاعف معاناة السكان الذين يعتمد ملايين منهم على المساعدات الغذائية للبقاء على قيد الحياة.
الهجوم الذي استهدف معسكرات حكومية في مأرب وحضرموت خلال السادس من أغسطس 2026 أكد أن الجبهة الداخلية لا تزال قابلة للاشتعال في أي لحظة. فقد أعلنت الحكومة اليمنية سقوط عشرات القتلى والجرحى، بينما قدم الحوثيون أرقامًا مختلفة، وهو أمر معتاد في الحروب، إلا أن وقوع الهجوم نفسه أكدته مصادر متعددة، ما يعكس استعداد الحوثيين لاستخدام القوة العسكرية. وهذا السلوك يوجه رسالة مفادها أن الهدوء الميداني يبقى مؤقتًا ما دامت التسوية السياسية غائبة.
ويظل الدور الإيراني أحد أكثر عناصر الأزمة تعقيدًا. فالتقارير الدولية تؤكد حصول الحوثيين على دعم سياسي وعسكري وتقني من طهران، مع ارتباطهم بمحور إقليمي يضم جماعات مسلحة أخرى، بينما تستفيد إيران من قدرة الحوثيين على الضغط على خصومها وتهديد طرق التجارة الدولية دون الدخول في مواجهة مباشرة. وهكذا نشأت علاقة تقوم على تبادل المصالح بين الحوثيين وإيران، يدفع اليمنيون ثمنها الأكبر، لأن بلادهم تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات إيران.
فالهجمات البحرية التي يقوم بها الحوثي تربك التجارة العالمية، واستهداف المنشآت والمطارات يرفع احتمالات اتساع الحرب، وتجدد العمليات العسكرية يقوض فرص السلام، وتعطيل العمل الإنساني يزيد معاناة ملايين المدنيين. وعندما تتكرر هذه السياسات الحوثية مع إدراك آثارها الواسعة، تصبح الفوضى ثمنًا لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية، حتى إذا غابت أي إشارة صريحة إليها في الخطاب الرسمي.
يتطلب الخروج من هذه الدائرة مقاربة تجمع بين حماية حرية الملاحة وفق القانون الدولي، ووقف الهجمات الحوثية على المدنيين والسفن التجارية، وضمان سلامة العاملين في المجال الإنساني، واستكمال اتفاقات تبادل الأسرى، ثم العودة إلى مفاوضات يمنية شاملة تعالج جذور الصراع، كما أن استمرار استخدام البحر الأحمر أداة للضغط سيقود إلى مزيد من التدخلات الخارجية، ويضاعف كلفة الحرب على اليمنيين والمنطقة بأكملها.