د. سجى عارف
الممارسة المهنية الإعلامية لطلبة الإعلام تبدأ من التدرب الصيفي، إذ إنه لم يعد مجرد محطة عبور بل أصبح منصة معرفية متكاملة تُبنى عبر شراكاتٍ تعاونيةٍ بين الجامعاتِ والمؤسساتِ الصحفية والإعلامية، وهذه الشراكات لا تقدم تدريبًا تقليديًا بل تصنع بيئات إنتاج مشتركة تُختبر فيها مهارات الطلبة ضمن منظومات تحريرية حقيقية تُشعرهم ببيئة العمل وتُعيد فيها صياغة العلاقة بين التعليم والممارسة.
في كل لحظة جمعتني بطلبة الإعلام في الجامعة أو في جلسات التدريب الصيفي أكرر عليهم أهمية نزول الميدان وضرورة تلقيهم تدريب واقعي في إحدى المؤسسات الصحفية والإعلامية، فحين يدخل الطالب غرفة أخبار حقيقية تختلف نظرته للمجال عما يراه نظريًا، هو لا يتعلم الأدوات فحسب بل يستوعب منطق الصناعة الإعلامية، ويختبر ديناميات اتخاذ القرار، ويشارك في إنتاج محتوى يعكس معايير الجودة الوطنية.
هذا النموذج التعاوني بين الجانب الأكاديمي والممارسة الحقيقية يخلق خريجًا قادرًا على قراءة التحولات، وفهم بنية السوق، والمساهمة في بناء إعلام سعودي أكثر نضجًا وابتكارًا، وهذا التدريب التعاوني ليس نشاطًا صيفيًا بل بنية تطويرية تُعيد تشكيل مخرجات الإعلام وتمنح المؤسسات العاملة في مجال التدريب الإعلامي قدرة على اكتشاف وصناعة الكفاءات الوطنية.
وهذا ما رأيته خلال صيف هذا العام، إذ حملت حقيبتي متجهة إلى جامعة الملك خالد، بعدما تلقيتُ دعوة كريمة من إدارة كلية الآداب والعلوم الإنسانية لتنفيذ برنامج نوعي يستهدف تعزيز طلبة الكلية بمهارات سوق العمل، كانت الدعوة بحد ذاتها مؤشرًا على اهتمام الكلية بتطوير مهارات طلبتها واستقطاب الكفاءات المهنية في المجال الإعلامي، لكن ما وجدته هناك تجاوز التوقعات، وأكد نظريتي حول مستقبل التعليم الإعلامي في جامعاتنا الوطنية.
فمنذ اللحظة الأولى، لفت انتباهي مستوى التجهيزات داخل الاستديوهات التعليمية، بيئة عمل متكاملة، أجهزة حديثة، تقنيات تضاهي ما يوجد في المؤسسات الإعلامية المحترفة، وفِرق تشغيلية تدير المكان بكفاءة عالية. لم يكن الاستديو مجرد مساحة تدريب، بل مختبر إعلامي حي يتيح للطلاب والطالبات أن يعيشوا التجربة المهنية بكل تفاصيلها.
ما أثار إعجابي حقًا هو مستوى الطلبة وقدرتهم الواضحة على الإبداع وطرح الأفكار، ولمست فيهم مهارات قوية في كتابة السكريبت وصياغة الرسائل المؤثرة، ولديهم تمكن ملحوظ من أدوات التصوير والمونتاج سواء عبر الأجهزة الاحترافية أو التطبيقات الرقمية الحديثة. في كل جلسة تدريبية كنت أرى فيهم شغفًا حقيقيًا، ورغبة في التعلم، واستعدادًا للتميز. وهذا ليس أمرًا عابرًا بل هو انعكاس مباشر لقوة المدخلات التعليمية التي يتلقونها داخل الجامعة.
وفي ضوء ما تمت ملاحظته خلال تنفيذ البرنامج من جاهزية الاستديوهات التعليمية وتكامل تجهيزاتها، فإن الاستثمار المستقبلي في هذه البنية المهنية يُمثل فرصة إستراتيجية للجامعة لتعزيز حضورها الإعلامي الوطني، فالاستديوهات لا تعد مجرد بيئة تدريبية بل هي منصة إنتاج متكاملة يُمكن توظيفها في تنفيذ برامج نوعية، وإطلاق مبادرات إعلامية، وتطوير مشاريع بحثية وتطبيقية تخدم الطلبة والمجتمع.
وما وجدته في الجامعة يدفعني لتوجيه دعوة للتعاون بين المؤسسات الصحفية والإعلامية بما تمتلكه من مهارات وخبرات تراكمية والجامعة بممكناتها البشرية والرقمية وبنيتها التحتية الإعلامية المتقدمة، الأمر الذي على أثره يُمكن الجامعة من أن تُسهم في صناعة الإعلام المستقبلي لطلاب وطالبات جامعات المملكة، وأن تصبح رائدة وسباقة في مجال التعليم والتدريب الإعلامي على مستوى طلبة الوطن من خلال تعاونها مع المؤسسات الصحفية والإعلامية والجامعات الأخرى.